الشاعر الأمريكي جون آشبيري: لطالما أحببت أن أكتب نوعا آخر من النثر؟

حجم الخط
0

مصطفى بدويجون آشبيري واحد من أكبر الشعراء الأمريكيين خلال الشطر الثاني من القرن العشرين، تغذى بملعقة السورياليين وتمرد على أسماء كانت مكرسة في الشعر الأمريكي مثل ( روبرت لويل، جون بيريمان، آلن تايت، روبرت وارين. . الخ). تعد اقامته الفرنسية لحظة مفصلية في مسيرته الابداعية، ذلك أنها منحته فسحة لتأثيث تجربته الشعرية بالحكايات الخارقة، الشيء الذي جعله من أكثر الشعراء الأمريكيين انفتاحا على المنجز الحكائي في صيغته الفرنكفونية.

وفي هذا الحوار سيقرأ جون آشبيري المنجزين الشعريين الفرنسي والأمريكي انطلاقا من معايشته الطويلة لجغرافيتين شعريتين متباينتين ظلتا تزودان ريبيرتوار الابداع الكوني بأعمال باذخة..( المترجم)* كيف حال الشعر الأمريكي؟* لست متابعا للشعر بشكل منتظم، لكن لدي علاقات به ما دمت أتلقى تقريبا يوميا كتبا ومجلات أقرأ بعضها وألقي بالبعض الآخر ( لأني أقطن شقة صغيرة!). هنالك مدارس شعرية في أمريكا في حالة حرب باردة فيما بينها، لكن ما يجذبني هم الأفراد وليست المدارس ولا البيانات. مثلا، لا أهتم كثيرا ببرنامج ( لغة الشعراء)، إلا أن هناك شعراء تحت هذا التصنيف يروقونني مثل ( ليسلي سكالابينو وكيت روربنسون وستيفن راتكليف)، كما يهمني كل الشعر التجريبي. الشاعر الذي أقرأه باستمرار، ربما لأهز أفكاري حين أشرع في الكتابة، هو ( جيمس تايت). انه غير مرتبط بأية مدرسة، انه إنسان منعزل جدا. أقرأ أيضا ( تشارلز سيميك) القريب من السوريالية. اكتشفت مؤخرا شاعرا شابا عن طريق مجلة ‘ جيرم’ ( التي أخذت العنوان من مجلة انكليزية في القرن التاسع عشر والتي هي واحدة من أحسن المجلات الأمريكية الحالية). انه ( كريستوفر ادغار) الذي يثيرني عمله كثيرا. طـُلب منـّي مؤخرا أن أكون حكما في جائزة شعرية نظمتها مجلة ‘ بوسطن’ للكتب، فكانت القصائد التي تلقيتها مجهولة الاسم فاخترت ( ادغار) دون أن أعرف أنه شارك في هذه الجائزة وخمنت أنه هو بفضل أسلوبه!!* من أين يأتي اهتمامك بفرنسا؟* هذا يعود إلى فترة الطفولة. فحينما كنت أقرأ الحكايات الخارقة كنت أشتهي الذهاب إلى فرنسا كما هو بالأحرى شأن جزء كبير من الأمريكيين في تلك المرحلة. ففي فرنسا توجد القصور والخوارق والساحرات. كان لدي ديوان للحكايات لمدام ( أولنوي) وترجمت واحدة منها منذ 5 سنوات لصالح ديوان ( الحكايات الخارقة الفرنسية) الصادر في انكلترا. بعدها، عندما بدأت فعلا في قراءة الشعر الفرنسي ـ لكن دائما بالانكليزية لأني لم أكن أعرف بعد اللغة الفرنسية – صرت أقرأ ما كان مترجما في سنوات 1950: أبولينير، رامبو، رونيه شار وهنري ميشو.. لا أعرف إن كان ( ريفيردي) قد ترجم آنئذ ( ؟). عموما، بعدئذ، قمت بترجمات له. كان هناك القليل من الشعر السوريالي، و( لوتريامان) كان قد تـُرجم في سنوات 1930 في أمريكا. إذا، كانت السوريالية بالنسبة إليّ هي الأهم، بالإضافة إلى أنني عندما كنت طفلا كنت أريد أن أصير رساما. حين كنت في التاسعة من عمري كان هناك معرض كبير في متحف الفن المعاصر حول الرسم السوريالي. للأسف، لم أستطع رؤيته لأننا كنا نسكن بعيدا عن نيويورك بيد أن جريدة ‘ الحياة’ كانت قد نشرت مقالا مطولا مرفقا بصور على القماش لـ ( ماغريت)، فاستنتجت للتو أني أريد أن أصير سورياليا عندما أكبر.

لا أعتقد أني صرت سورياليا، لكن هذا كان له تأثير على عملي. بعد ذلك بوقت كثير، اعتقدت أن السوريالية رغم برنامجها الداعي للحرية المطلقة كانت تقييدا، ما دام الوعي يوجد فنيا أكثر من اللاوعي. إذا، لماذا لا نتحدث عنه أيضا؟

؟ لست على علم بوضع الشعر الحالي في فرنسا، أولا: لأن المجلات ليست في متناول أيدينا كما هو الشأن في باريس، ثم إنني لست قريبا جدا من الشعر الأمريكي. لديّ الميل لقراءة الأدب المؤرخ والشعر الانكليزي الكلاسي والميتافيزيقي للقرن التاسع عشر مثلا. طبعا، أقرأ أيضا الشعر الفرنسي المعاصر. تحدث معي الكثير من الشعراء ومنهم على وجه خاص ( باسكال مونيي) الذي ترجمت له الكثير من قصائده التي ظهرت في مجلات أمريكية و ( آن برتغال)، إذ التقيت بهما سنة 1989 بمناسبة مؤتمر فرنكو ـ أمريكي للكتاب.

هناك أيضا ( آن تالفاز) التي هي واحدة من مترجمي ديواني: ( واحد ممن رأيتموه من قبل) وأيضا ( كلود روايي- جورنو) و ( دومينيك فورساد) و ( ايمانويل هوكار) و ( فرانك أندي جام) و ( جاك ديبان) و ( سيرج فوشرو) و ( ميشال ديغي) و ( دونيس روش)..* كيف تقارن بين العالم الشعري الفرنسي وذلك الخاص بالولايات المتحدة.. ؟* أعتقد أن المشهد أكثر تشويشا في الولايات المتحدة لأن الأمريكيين لا يهتمون. طبعا، هنالك أماكن خاصة ( بالشعر/ المترجم) كما هو الأمر مع ( جماعة / المترجم) ( لغة الشعراء) الذين نظموا أنفسهم على غرار النموذج الفرنسي للسورياليين وفق قوانين وقواعد. وقد يكون الشيء نفسه في باريس مع الشعراء المتحلقين حول (ب. و. ل)(**) مثلا. لكن هناك أيضا الشعراء الذين ينشرون باستمرار في ( حركة شعرية) التي أقرأها بشكل منتظم. بـُعث إليّ ديوان لـ ( فيليب بيك) الذي أحببته كثيرا، رغم أني لا أعرف إلى أية عائلة شعرية ينتمي.* ما هي حروبكم الشعرية الداخلية.. ؟* لقد وضع شعري منذ أمد تحت الملاحظة. كان عمري 40 سنة وهي الفترة التي صادفت عودتي من اقامتي في فرنسا نحو الولايات المتحدة. كنت قد أصدرت ثلاثة دواوين، لكن بدئ يهتم بشعري في تلك الفترة ولا أدري لماذا (؟). . أعتقد أن ذلك حدث بفضل الشهية الى شعر مناهض للتقليدي ويتعارض مع شعر أكاديمي جدا وجد تقليدي، وهو الذي استمر في الجامعات تحت كنف ( روبرت لويل وجون بيريمان) وأيضا الشعراء الأكبر سنا مثل ( آلن تايت) وشعراء آخرين مثل ( روبرت بين وارين). عندما عدت إلى الولايات المتحدة سنة 1965 بدأت الحياة نفسها في أمريكا تنقلب بثورات الطلاب وثقافة المخدرات والروك. كانت حضارة تقليدية بأكملها قيد الانهيار، ولربما كانت اللحظة مواتية بالنسبة إليّ لتقديم شعري المشوش.

أسعى دائما لعمل شيء لم أقم به. طبعا، لست أدري ما الذي لم أقم به بعد (؟!). من السهل جدا بالنسبة إلى شخص آخر أن يقول لي ذلك ويجعلني ألاحظ أني لم أكتب رواية شعرية أو سلسلة من السونيتات، لكن ليس بهذا الشكل تأتي جدة الفكرة للشاعر. يحدث أن أكتب شعرا نثريا مختلفا جدا عن ذلك الموجود حتى الآن عن طريق رد فعل على النثر الشعري جدا لبودلير مثلا، مع أني أحب بودلير. كنت أريد على الدوام أن أبحث عن نوع آخر من النثر، عن نوع آخر من الشعر النثري؛ وهذه الفكرة تطلبت عقودا من أجل البزوغ في رأسي ولا أدري ما الذي سيأتي به الغد.

هوامش:(**). نسبة الى اسم بول أوتشاكوفسكي لورنس المدير المؤسس لمنشورات POL تحمل هذا الاسم. المصدر: مجلة ‘ أوترومان’ – ملف حول الشعر ـ عدد: نيسان ( أبريل) 2001- الصفحات: 232 ـ 233 – 234- 235.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية