رحيــل
ربيعة ريحانرحيــلأمر علي مهل من تحت نافذتها العريضة المشرعة، وقت كنت أذهب عند خالتي في هرايات البيض. كنت أراها متشحة بشال الدنتيلا الأسود وهي تقبع في ظل ركن بيتها الأرضي المرتب ذي درجات الموزاييك الثلاث. لم يكن كبيوتاتنا، اذ تحتل فيه مائدة الطعام المحاطة بكراسيها الداكنة ذات المخمل النبيذي مساحة سطحه الأوسط، وحيث دوما هناك صحن فخار آسفيّ مليء بحبات الفواكه المتنوعة الشهية.كنت أراها في حضورها الصامت كأنما تمسك بشيء ما في حجرها وخلفها خزانة لامعة تتكدس فيها أشياء متلألئة ساحرة، وحولها شمعدانات منتصبة وتماثيل صغيرة وصور مرصوصة علي الجدران تطل منها وجوه فتية رشيقة بابتسامات لاتفارق الثغور، أو بملامح متغضنة بتلك النظرة الجدية الشاردة في لفات الفرو. أدخل بيت خالتي فتعانقني. أتشمم في حضنها عبق الريفدور الذي تحبه وتضع منه أكثر من قارورة في خزانتها. ـ رأيت السنيورة.. انها هناك..ـ ما اسمهاش السنيورة، اسمها ايزابيلا.. تسألني عن صحة أمي فأتملص منها وأنا أتقلب بقوة وأحكي عن جلسة جارتها الاسبانية في مقعدها المعتاد .طيف بسمة علي وجه خالتي. تفرح لمجيئي لأني أبدد الوحشة عن وحدتها. ـ أين عزيزي؟ـ في البحر..أغرق في تلمظ الحلوي وفي أشياء بيت خالتي، في حواشي مناديلها المخرمة وفي الأصداف الكبيرة التي تزين بها الدكة حيث الراديو، ثم أهرع لأمرر كفي الرطبة مداعبة ظهر قوقعة عقرب البحر الوردية الفارغة علي الطاولة الصغيرة فتدغدغني نتوءاتها البارزة أو أفرك وبر جلد الجمل القاسي الذي اشترته خالتي للزينة من جامع الفنا بعد عودتها من مولاي ابراهيم، حيث راحت تستجديه طفلا من وقاحة عقمها.أترجاها كالعادة ولا ترد : ـ خالتي.. آ خذ هذا الجمل؟أتقافز هنا وهناك نحو تفاصيل أخري يخلو منها بيتنا وأنظر بفضول الي لوازم الصيد التي لا تتوفر لأبي البدوي الذي من غير فخذ الخروف يتحرج أن يولم ضيوفه سمكا علي مائدة دعوته.أسأل خالتي:ـ نذهب عند السنيورة؟ـ لا ليس اليوم؟ـ لماذا؟ـ انها منزعجة.ـ لماذا؟ـ لاأدري .. لن نذهب .. تعالي معي الي المطبخ.تأخذني خالتي الي هناك ثم تعطيني خبزا مدهونا بالزبدة والمربي وتنبهني بلطف كي لا أكسر الأقداح خلفي في الصينية الفضية وأنا ألاعب قدمي في الهواء بعد انبطاحي علي الزربية .ـ أمي ستأتي لتأخذ الحقنة عند السنيورة..ـ هي قالت لك ذلك؟ـ اييييييييه..تعلق وكأنها تحادث نفسها: ـ انها اليوم ليست علي ما يرام.ـ من؟.. أمي؟ـ كلي وانتبهي .. خلفك الصينية.دخلت مرات عديدة بيت السنيورة مع خالتي ومع أمي ومع قريبات أخريات. كنت أتضايق وأنا أشم رائحة السجائر القوية لكنني لم أشبع أبدا من مرأي الخزانة والكراسي والأسرة والكنبات ونبتات الأصص الموزعة في الرواق والصحون التي عليها رسوم. لم يكن بيتها كبيتنا ولا كبيت خالتي ولا كبيوت الجيران . سكينة وأغراض وأباجورات وزهريات ومنحوتات ولم تكن هناك أصداف فارغة ولا قواقع، بل صور لرجال بسواعد مفتولة في عواصف بالبحر يشدون حبالا تحت أمواج هادرة كالشلال وثمة نوارس تحلق من حولهم في البعيد، ثم ذلك المجسم الهندسي الآسر لمركب أبنوسي عند طرف الخزانة، كنت أرغب أن أمسكه بكلتا يدي وأعد أشرعته المقوسة الكثيرة المتداخلة ثم أري ان كان ثقيلا، لكن نظرة نارية من خالتي كانت تجعلني أضع أصبعي في فمي ثم أصمت .ـ ألاحظت نحولها ووجومها؟تقول أمي لخالتي بعد عودتنا من عند السنيورة..ـ غاب صوتها المجلجل وضحكتها الرنانة. منذ أن توفي كوميز وهي كذلك..ـ لماذا لا ترحل عند ابنتها بالبيضاء؟ـ هم ليسوا مثلنا.. انهم يفضلون بيوتهم لا بيوت أولادهم.. ثم انها تحب آسفي.ـ هل ولدت هنا؟ـ لا أدري .. ربما. اسبان كثيرون ازدادوا بالمدينة..تعجبني لكنة السنيورة وتعجبني أكثر أظافرها المدببة المطلية بالأحمر وهي تهييء الحقنة وتحكي . أمي والناس جميعا يقولون ان يدها (رطبة). خبرتها في التمريض طويلة . تشغل الفونوغراف أولا وتضع عليه أسطوانة ضاجة . تلهينا عن الخوف من الألم بالصخب والضحك والحديث المختلط وهي تسحب بالابرة الدواء بقليل من الرجفة لينسكب من الزجاجة الي الحقنة.ـ ربما لأنها تقول باسم الله وخزتها ناعمة..ـ ربما.حين سمعتها أمي لأول مرة استغربت. لم تكن تتصور أن نصرانية تذكر الله بهذه الألفة. ظلت تردد أمام الكل بدهشة: ـ تقول باسم الله وهي ليست مسلمة؟!!تفتح السنيورة كل يوم بابها باكرا كي يدخل الهواء البحري الذي يهب من ناحية تراب الصيني جنب الكورنيش ثم تترجل بمنديلها الحريري المزركش لتحضر الخبز الباريسي والحليب لها ولقطتها الشقراء. في العودة تدس رأسها في شق الباب وتصرخ علي خالتي .ـ فتيمااااااااااااااااا.. تقف قليلا بأكياسها الورقية لتحكي ثم تقول لخالتي بعد أن تدير ظهرها وهي تدرج :ـ تعالي عندي بعد الفطور.كنت أشعر بفرح زائد كلما همت خالتي بالذهاب اليها . تضع كحلا في عينيها وتزيل مريلة المطبخ عن بطنها. ترخي أكمام قفطانها وأطرافه خوفا من أن تجد هناك بعض الاسبانيات الأنيقات ثم تسحبني خلفها بعد أن تكيل لي كامل التنبيهات: ـ اياك والفوضي.. لا تقربي شيئا.. لا تتكلمي كثيرا.. لا…. لا….. لا …..وبين أن تدير خالتي المفتاح في القفل مرتين ثم نقطع الفسحة التي لا تستغرق وقتا أكون قد نسيت كل شيء. نقف أمام بابها ولا نطرقه بعد أن نصعد الدرجات الثلاث علي مهل . تفعل خالتي ذلك قصدا ولا ندخل حتي ترانا.ـ خذي.. أعطت خالتي كلبا خمريا مقعيا من البورسلين في جانب من رأسه ساعة ما أن مكثنا قليلا ثم رجتها أن تخبر الجيران ان كانوا يرغبون في شراء شيء من بيتها .ـ و لماذا تبيعين أغراضك؟سألتها خالتي مستغربة..ـ سأرحل قريبا الي اسبانيا.. أشعر أنني سأموت وحدي بعد أن غادر كوميز..ـ باسم الله عليك.. لأواه.. الله ينجيييييييك.زوجها كان يشتغل في المرسي في بناء المراكب ويفهم جيدا حين يستشار في ترتيق الشباك..تتعقبني بعينيها قليلا ثم تسأل خالتي بصوت ثقيل: ـ كم عمر خليمة (حليمة)؟ـ اثنتا عشر؟ـ جاتها الحيضة (دم الحيض)؟ـ ليس بعد ..أخجل وأتذكر بلوغ صديقتي وحيرتها الفزعة وجفولها حين كانت أمها تعلمها طريقة استعمال الحفٌاّظ . أقترب من خالتي وأقول لها بهمس : ـ حياة هي اللي جاتها الدم..ثم أعود لأنظر الي الساعة جنب رأس الكلب . كانت كبيرة مدورة بسطح أبيض كالحليب وعليها أرقام سوداء واضحة..ـ علميها النظافة .. ماريا بعد العاشرة صرت ألوح في وجهها بكيلوتاتها المتسخة..تسألها خالتي محرجة: ـ لماذا؟ـ لتتعلم وحدها تنظيف نفسها.. انها كالسمكة الآن.. تحب الماء.. تسحب السنيورة سيجارة من العلبة أمامها وتقول لخالتي ان جسدها يؤلمها وانها لم تعد بقادرة حتي علي إعداد الكيك.ـ ألا تأتي السباعية لمساعدتك؟ـ تأتي..علمت السنيورة خالتي أكلات اسبانية كثيرة، وعلمتها خالتي بالمقابل كامل ما تتقنه من حلوي آسفية وطبيخ . كانتا جارتين أليفتين تسمران وتتساران وتتلوان الصلوات كل في وحدتها.ظللت أحدق في ما حولي بينما هما تحتسيان القهوة . رحت أتململ قليلا وأربت بين الحين والحين علي ذراع خالتي. كنت أحثها همسا علي الانتباه لي اذ ضقت ذرعا بالاختصار في الصوت والحركة.تسألني السنيورة ان كنت أود أن آكل شيئا . تجيبها خالتي رأسا أننا أفطرنا منذ حين.تنظر نحوي قليلا ثم تقوم مبتسمة وسيجارتها في يدها البضة. تغيب في حجرة ركنية بعد أن تشعل فيها النور.يهتز كل ما في البيت أمام عيني وتتطاير الشهب والنجوم وبرج عقلي. بركة ماء باردة أسقط فيها بشكل مفاجئ وأنا بكامل دفئي وشهقتي. صدري ينبض بعنف . أضم الدمية العتيقة الزاهية التي انقذفت نحوي بذلك الترف الذي يقوض كل رغبة في التردد . أسمع السنيورة تقول لخالتي: ـ انها الدمية الوحيدة التي بقيت لي من لعب ماريا..في الليل ما بعد ذلك النهار وهم يحكون عن السنيورة في حرقة كيف كانت تنام علي جنبها في دعة والروج ما زال طريا علي شفتيها، وكيف كان جسدها المرتاح باردا تذكرتها بحنان وأنا أهدهد الدمية جنبي في الفراش وأروح تدريجيا مع فرحي في النوم وأري أنني والسنيورة نتضاحك ونخب بعيدا علي مهل وكأنما علي عشب هش أخضر ممتد..قاصة من المغرب[email protected]