في مجلس جمعية مؤرخي الفن الإسلامي : أوراق ومعارض في تاريخ الفن والعمارة الإسلامية
طارق الكحلاويفي مجلس جمعية مؤرخي الفن الإسلامي : أوراق ومعارض في تاريخ الفن والعمارة الإسلاميةجمعية مؤرخي الفن الاسلامي : تمثل جمعية مؤرخي الفن الاسلامي أو هيا (مختصرة) (Historians of Islamic Art-HIA) اطارا فريدا للعاملين في مجال تاريخ الفن والعمارة في العالم الاسلامي. وقد تأسست هيا سنة 1982 من قبل مجموعة من المختصين في هذا المجال وتحديدا من المقيمين في الولايات المتحدة وكندا من أساتذة جامعيين وحافظي متاحف وباحثين شبان حيث كانت تُسمي في البداية جمعية مؤرخي الفن الاسلامي الشمال أمريكيين (North American Historians of Islamic Art) وقد لعب الباحث المعروف أولق قرابار (Oleg Grabar) دورا مهما في تأسيسها خاصة أن الكثير من أعضائها المؤسسين كانوا من بين طلبته الأوائل. غير أن الاتساع التدريجي لأعضاء الجمعية بما في ذلك من العاملين في هذا المجال من خارج أمريكا الشمالية أدي الي تغيير اسمها، ليقع التخلي عن التخصيص علي أمريكا الشمالية، كما أصبح هناك مقعد في مكتبها المسير مخصص للأعضاء من غير العاملين في هذا المجال الجغرافي. وتعقد هيا سنويا مجلسا (Majlis) تتيح فيه لعدد من الباحثين الشبان من أعضائها وخاصة من بين الذين هم في مرحلة اعداد رسالة الدكتوراه لتقديم ورقات في الاختصاصات التي يعملون فيها ويلي كل ورقة نقاش يجمع أعضاء هيا من بين جميع الأجيال وهو ما يسمح بتنشيط التفاعل بين باحثين من جامعات ومؤسسات وأعمار واختصاصات متنوعة. ويتم عقد مجلس الجمعية في اطار مؤتمرات علمية جامعة وخاصة المؤتمر السنوي الأهم لمؤرخي ونقاد الفن في أمريكا الشمالية بشكل عام والذي تنظمه سنويا الجمعية الجامعة للفن (College Art Aociation). ويتيح ذلك الالتقاء مع باحثين في تاريخ الفن في مجالات جغرافية أخري غير العالم الاسلامي وهو ما يثري وسائل تحليل معطيات الفن الاسلامي (يمكن العثور علي معطيات اضافية حول الجمعية في الموقع الالكتروني التالي: http://www.historiansofislamicart.org). مجلس 2006تم تنظيم مجلس هيا لسنة 2006 بالتوازي مع انعقاد المؤتمر العلمي السنوي الرابع والتسعين لـ الجمعية الجامعة للفن في مدينة بوسطن (Boston) بين 22 و25 شباط/فبراير الماضي وتحديدا في اليوم الأخير وذلك في متحف ساكلر (Sackler Museum) والذي يحتوي علي مجموعة من القطع الفنية والمخطوطات الاسلامية المميزة وينضوي في اطار جامعة هارفارد. وترأس مجلس هذه السنة وسير النقاش رئيس الجمعية المتخلي ستيفانو كاربوني (Stefano Carboni) حافظ مجموعة القطع الاسلامية في متحف المتروبوليتان في نيويورك. وتم في هذا الاطار تقديم أربع ورقات في مواضيع متنوعة. الورقة الأولي كانت من اعداد الباحثة في جامعة بنسلفانيا يايل رايس (Yael Rice) بعنوان من مكتبة برين مور: اكتشاف جديد لـ خمسة من شيراز من أوائل القرن الخامس عشر ، وتتعلق بتقديم لمخطوط نادر من مجموعة مخطوطات لمكتبة معهد برين مور (Bryn Mawr)، الكائنة في ضواحي مدينة فيلادلفيا، والتي لم تكن معروفة في العادة باحتوائها علي مخطوطات اسلامية مميزة، وهذا ليس الا مؤشرا آخر علي مدي توزع المخطوطات الاسلامية النادرة عبر العالم بما في ذلك حتي في مكتبات صغيرة نسبيا. و الخمسة هي مجموعة شعرية من خمسة فصول للشاعر الفارسي الكبير نظامي (توفي سنة 1209 ميلادي) و تتميز بأن أكثر المخطوطات المنقولة منها مصورة وهي من النماذج الأساسية علي تاريخ التصوير الفارسي. ويتميز مخطوط برين مور بحجمه الصغير جدا والذي يجعله من صنف كتب الجيب و هو مثال غير رائج كما أنه غير متوقع بالنسبة لمخطوط ضخم مثل خمسة . وتؤرخ رايس المخطوط علي أساس طراز التصوير تحديدا بفعل غياب أي اشارة لتاريخ صنعه، وهي ترجح رجوعه الي أوائل القرن الخامس عشر. غير أن النقاش الذي تلا تقديم الورقة أشار الي امكانية رجوعه أيضا الي فترات متأخرة بما في ذلك القرن السادس عشر. وأشار البعض الي أهمية التركيز علي دراسة البالوغرافيا (علم الخط) والتي يمكن أن تساعد علي تأريخ العمل. وأجمع الحاضرون علي أهمية المخطوط خاصة بسبب تميز حجمه وأهمية مقارنته مع مخطوطات لمؤلفات أخري من صنف كتب الجيب .الورقة الثانية كانت من تقديم كاتب هذا المقال، طارق الكحلاوي من جامعة بنسلفانيا، وكانت بعنوان: في معني (نسخ) الخرائط: مثال الخرائط البحرية الاسلامية . وتناول فيها بالتحديد خمسة أطالس بحرية من النصف الثاني للقرن السادس عشر، اثنان منها من صناعة علي بن محمد الشرفي الصفاقسي وثلاثة من اعداد صانعي خرائط عثمانيين من اسطنبول. وناقش الكحلاوي الدراسات المحدودة لهذه الأعمال والتي ركزت علي كونها اما كليا أو جزئيا نسخا من نوع الاطالس البحرية الأوروبية والتي ظهرت تحديدا منذ بداية القرن الرابع عشر، وهو ما اعتبره الباحث رؤية تندرج ضمن رؤية عامة وضعية مبالغ فيها تهيمن علي ميدان تاريخ الخرائط البحرية بشكل عام والتي تري كل خريطة كأنها مجرد نسخة لخريطة سابقة. واتجه الباحث الي التركيز علي المعطيات المرئية للنماذج الاسلامية ليوضح أن الأطالس العثمانية تعكس رؤية غير بحرية من خلال تركيزها علي المجال البري، في حين لا تمثل أعمال الشرفي لا تكرارا لنماذج أوروبية ولا لنماذج اسلامية بل هي تشكيل جديد ضمن مشروع مميز في صنف الأطالس البحرية كما أنه يندرج من ناحية بنيته ضمن تقاليد صناعة المخطوط أكثر منه ضمن صناعة الأطلس البحري الذي له مميزات كوديكولوجية خاصة به. وفي الحالتين فان صانعي الخرائط المسلمين لم يكونوا ينسخون بقدر ما كانوا ينقلون عن أعمال سابقة ضمن رؤاهم وحاجاتهم المميزة. ووافقت المداخلات التي تلت علي أطروحة الورقة وخاصة علي أهمية اعادة قراءة الأطالس البحرية الاسلامية بما أنها نماذج مهملة للثقافة البصرية الاسلامية في ظرفية مميزة مثل القرن السادس عشر. ونظرا لتوالي المداخلات وكثرتها اضطر رئيس الجلسة الي وقف النقاش حول الورقة الثانية والدعوة الي متابعته خارج الجلسة الرسمية وتم الانتقال الي الورقة الثالثة والتي كانت من تقديم سيمة أختار الباحثة من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بعنوان: جواهر من الشرق: اعادة تعريف الفن الاسلامي من خلال عيون دوريس دوك . وتناولت فيها مجموعة من القطع الفنية والصور والملاحظات الشخصية للأمريكية دوريس دوك والتي كانت مغرمة بالفن الاسلامي خاصة خلال اقامتها الطويلة في الهند. وتشير المعطيات المتوفرة في أرشيف دوك المحفوظ خاصة في نيوجرسي لاعجابها بالطابع الصوفي الغالب علي المعطيات التي شاهدتها والي انجذابها الي الطابع الزخرفي المجرد والذي يميز نماذج معمارية أو محمولة. واتجه النقاش الموالي الي لفت الأنظار الي طابع الهواية الذي يميز هذه المجموعة الفنية وضرورة دراسة طريقة تنظيمها وتصفيفها. الورقة الرابعة والأخيرة كانت من اعداد الباحثة باميلا كريمي من معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا بعنوان اعطاء معني للفن: مجلات الفن الايرانية في مرحلة ما بعد الثورة والبحث عن رؤية جديدة (1982 ـ 1989) . وتعرضت فيها للتناول الاسلامي الايراني لوظيفة الفن في المجتمع الجديد ، وخاصة لانخراط عدد من الساسة الايرانيين الكبار بشكل مباشر في التنظيرات الجديدة. وكان من الرؤي الملفتة في هذه المرحلة المتوترة تشبيه المبني المعماري بالمرأة المسلمة ومن ثمة دعم الاتجاه المعماري الذي لا يركز علي الجمالية الخارجية للمبني بقدر ما يركز علي وظيفيته، وفي هذا الاطار يأتي تغليف المباني المعمارية في طهران خاصة بالجداريات الضخمة للقيادات الروحية والسياسية. غير أن هذا التوجه توازي مع اتجاه آخر في الواقع المعماري، ولو أنه لم يجد الكثير من التنظير في الدوريات والمجلات الفنية، أكثر تعلقا بالعمارة الغربية المعاصرة حتي أنه أعاد انتاج نماذج مستنسخة عن مبانٍ معروفة في الغرب مثل الكرايسلر بلدينغ في مدينة نيويورك. واتجه النقاش الي الاشارة الي أهمية الزخم الايديولوجي في الفترة المبكرة من الثمانينات أكثر منه في أواخره وأن النخبة البيروقراطية المشرفة علي سياسات التعمير كانت في اتجاه آخر غير الاتجاء الايديولوجي الرسمي خاصة في ظل الضغوطات السكانية الهائلة مع الاتساع الكبير لسكان مدينة مثل طهران. وفي آخر المجلس تم منح جائزة شفشينكو (Sevchenko Prize) لأفضل مقال كُتب في الفن الاسلامي في هذه السنة الأكاديمية وذلك للأستاذة حديثا بجامعة انديانا، والزميلة في جامعة بنسلفانيا سابقا، كرستي قروبر (Christie Gruber) وذلك علي مقال مأخوذ من رسالة دكتوراه حول التعبير المرئي لحادثة الاسراء والمعراج . وتلا ذلك اعادة توزيع المسؤوليات في الجمعية من خلال انتخاب مكتب تسيير جديد للسنتين القادمتين حيث تم اختيار أستاذة الفن الاسلامي في جامعة بنسلفانيا، وأستاذتي المشرفة، ريناتا هولود (Renata Holod) كرئيسة جديدة للجمعية. معرضا اللوحة والقلم و جنتيلي بليني والشرق علي هامش مجلس جمعية مؤرخي الفن الاسلامي تم افتتاح وزيارة معرض بعنوان اللوحة والقلم (The Tablet and the Pen) في رواق الفن الاسلامي في متحف ساكلر والذي سيتواصل حتي 23 تموز (يوليو) القادم. وأعد المعرض كل من الباحثتين في قسم تاريخ الفن بجامعة هارفارد لادن أكبرنيا (Ladan Akbarnia) وشنشل دادلاني (Chanchal Dadlani) وذلك بمساعدة أستاذ تاريخ الفن بجامعة هارفارد دافيد روغسبورغ (David Roxburgh) وماري ماكويليامس (Mary McWilliams) حافظة المجموعة الاسلامية بمتحف ساكلر. ويركز المعرض علي مسألة في غاية الأهمية وهي مسار عملية الرسم (painting) وتحديدا المرحلة الأولية منه أي التصوير (drawing) وذلك من خلال سكتشات (sketches) التي وقع حفظها خاصة في ألبومات فارسية وعثمانية ومغولية تم تداولها عبر أجيال متعاقبة من الرسامين المسلمين وكانت الحامل الرئيسي لأنماط محددة يتم تنقلها بينهم. ولعبت هذه الألبومات دور الذاكرة المرئية ولكن أيضا دور مجال للتجريب الفني خاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وكيف كانت هذه السكتشات وسيطا لانتشار أنماط مرئية مشتركة ليس فقط ضمن رسوم المنمنمات بل أيضا ضمن مجالات أخري مثل صناعة النسيج والمعادن. من جهة أخري زار المشاركون في المجلس في اليوم السابق لانعقاده معرضا بعنوان جنتيلي بليني والشرق (Gentili Bellini and the East) وذلك في متحف ايزابيلا ستيوارت غاردنر (Isabella Stewart Gardner Museum) في بوسطن والذي تواصل حتي 26 اذار (مارس) القادم. وتناول المعرض التقاطع بين أحد أهم رسامي النهضة الايطالية المبكرة جنتيلي بليني، والذي ينتمي لعائلة عريقة مثلت مدرسة أساسية في عصر النهضة وتحديدا في مدينة البندقية، والاهتمام العثماني خاصة من قبل السلطان محمد الفاتح (1451 ـ 1481) بأعمال رسوم الوجه (portraiture) والتي كانت مجالا ابداعيا أساسيا في رسوم عصر النهضة. وأدي هذا التقاطع الي قيام بليني بسلسلة من الرسوم لشخوص عثمانية بما في ذلك أشهرها علي الاطلاق رسم وجه للسلطان محمد الفاتح. وعكس ذلك انفتاح النخبة العثمانية الحاكمة علي المناهج الفنية الجديدة والدور الخاص الذي لعبته مدينة البندقية في هذا التقاطع. وكان المعرض محور ندوة الخريف (Fall Seminar) لعضوة جمعية مؤرخي الفن الاسلامي و أستاذة كرسي الأغا خان للفن الاسلامي في جامعة هارفارد قولرو نجيب أوغلو.باحث تونسي في تاريخ الفن الإسلامي ـ جامعة بنسلفانيا (الولايات المتحدة)0