اسئلة علي حساب العقل؟: قراءة في الاستفتاءات السياسية للمشاهدين علي الفضائيات العربية
حمدان حمداناسئلة علي حساب العقل؟: قراءة في الاستفتاءات السياسية للمشاهدين علي الفضائيات العربيةهكذا نتصور، دون شذعور بالفارق بين الصورة والمتصور الواقع وانعكاساته في الفكر الطفولي للانسان فمنذ فجر الخليقة الاول، او منذ تعرف الانسان الي عقله وهو ما فتئ يعيش حالة سؤال جوال.انه علي سبيل المثال، يبدأ من المحسوس الي المجرد، في نفسه وشخصنة طبيعته ذات الادغال المجهولة، وآياتها المتقلبة في سلامها وحربها، لمعان برقها وقصف رعدها، اعاصيرها وطوفانها، جبالها وقيعان اوديتها.. بل واحيائها من الارض الي السماء، ومما يصلح ليكون (طوطماً) مقدسا جالبا للبركة والامان.. ثم يعود ليتساءل عن كنه هذا الطالع من بطن الارض، شجرة باسقة عملاقة، ترتوي بماء سائغ لذة للشاربين، او هي نبتة صغيرة طرية وضعيفة تذروها الرياح، فاذا اقترب من البحيرات والانهار، الفي مخلوقات لا تفسير عنده لضرها او نفعها بل وكيف تعيش؟!وفي تأكيدنا علي مملكة السؤال في تاريخ الانسان، يمكننا الافتراض، بأنه منذ ان تعرفت مغامرة العقل علي بكورات العلم، فان العلم نفسه، كان قد تولد بتحريض سؤال، ففي العلوم الوضعية، فان الفرضية هي سؤال، والبرهان هو جوابها، كذلك هي التجربة مئات المرات، علي السؤال المتعلق بكروية الارض مثلا، وفي الفلسفة فان السؤال المبكر، كان يقع في صيغة ثنائية متضادة، ايهما اسبق في الوجود، المادة ام الوعي، وفي الاديان، فان هناك مئات الاسئلة التعجيزية من شعب اسرائيل لنبي الله موسي، وفي المسيحية اقرار لسؤال مسبق (ان دخول جمل من ثقب ابرة، ايسر من دخول غني ملكوت السماوات .. وفي الاسلام كثافة اسئلة لا عد لها (افلا تعقلون، افلا ينظرون،..). وفي محاورة سيدنا ابراهيم عن الخالق، اهو الشمس ام القمر.. ما يجعل المحاورة في تاج مملكة السؤال.. ليس لشيء، بل لأن السؤال بهدف طلب الحقيقة المجردة، يختلف تماما، عن السؤال المشكل بهدف طلب جواب مسبق ومقرر، وهذا ما تعمد اليه معظم قنواتنا الفضائية، ربما بدون استثناء، فقد مضي حين من الدهر، ومنهاجية قنواتنا تفر الي استقطابات ثنائية اقليمية عربية مضمرة، او انها تفر الي ما يرضي سيد العالم العربي في واشنطن.. حتي كاد السؤال البيزنطي عن الدجاجة والبيضة، يلتهم معظم فضائياتنا من ابراج الحظوظ الي سوبر ستار وما بينهما ساعة بقرب الحبيب. لا اعتراض لنا علي سويعات ترفيهية قد تفلح في اخراج المواطن العربي من همومه الحياتية والسياسية، فهذا ليس جوهر خطابنا المطلوب، بل ان ما نذهب اليه، هو طلب السيادة العقلية لمملكة السؤال، فان صواب السؤال يستتبعه صواب الجواب، فان كان السؤال ميتافيزيكيا كان الجواب من ذاته، وان جال السؤال في البراني من قضايا الأمة، جاء الجواب برانيا، ولو كان السؤال في حقل العلم، لكان الجواب من نسيجه، حتي لو جاء بهامش خطأ علمي ممكن.في فضائياتنا العربية ثمة برامج حوارية استفتائية، لا تشكو من قصور المعرفة بل والثقافة العالية، لكنها تشكو من تدوير المربع في السؤال واليكم بعض الامثلة من الذاكرة:ـ فضائية عربية تسأل سؤال البريء: هل ما يجري في العراق مقاومة ام ارهاب؟!ثم ليأتي التصويت ـ علي طريقة الاطياف العراقية ـ نصف او اكثر الي جانب الوصف بالارهاب، ونصف او اقل الي جانب الوصف بالمقاومة!وهناك اسئلة اخري من فضائيات اخري:ـ هل ما زالت القضية القومية علي قيد الحياة، ام انها ودعتنا الي غير رجعة، ثم ليأتي التصويت عن غالبية تقول بموت القضية القومية! وسؤال آخر:هل ما جري في العراق، تحرير ام احتلال؟ثم ليأتي التصويت علي هوي المكونات العراقية، او علي هو اكثرية من خارج العراق سيان. ولا يهمنا في هذا المقام نتائج التصويت مهما كانت، لا ازدراء بالديمقراطية او استخفافا بالعددية المصوتة، بل ربما، علي الكيفية الخفية للاداء، كذلك امكانيات عموم الناس علي استخدام وسائل الاتصالات المختلفة. ومع اننا قد نوافق علي جميع نتائج التصويت الا ان الأهم هنا طريقة انشاء السؤال للاجابة عليه.ففي الامس القريب (الثلاثاء 25 نيسان ـ ابريل 2006)، كان السؤال في فضائية الجزيرة: هل تؤيد امتلاك ايران للقوة النووية؟ فيما جاء الجواب المرافق، بنسبة تزيد علي ثمانين بالمئة، ثم ليظهر المحاور العراقي السيد سرمد عبد الكريم، بهيئة المغلوب، امام الاستاذ المفكر انيس النقاش.وما نريد الاعتراض عليه، هو صيغة السؤال، حيث قدم منفصلا مجردا عاريا.. عن جدلية الربط، بين سياسات ايران العربية او الاسلامية، وبين سعيها (وحقها) في امتلاك قوة نووية، خاصة في منطقة تعوم اسرائيل فيها، علي اكداس من صواريخ نووية بعيدة او متوسطة او قريبة.. تصل الي دمشق، مثلما تصل الي عشق اباد!وباستثناء مصالح نظامية رسمية عربية او غير عربية، فان احدا من العرب المسلمين، لا يعترض علي امتلاك المشروع الايراني للقوة النووية، بل هو يؤيد ذلك، وقد سبق لنا ان كتبنا، مقالة مطولة في القدس العربي (الشهر الاول من العام 2006) بعنوان: (كلمة سواء بين الملف النووي الايراني والموقف من العراق) وكان مما اكدنا عليه (اننا لا نقبل لايران او نظامها السياسي، ان يقعا في براثن الاذي الامريكي، مهما كانت الذرائع، بل نجد من واجب كل عربي ومسلم، ان يهب لنجدة ايران في نزاعها النووي مع العالم الغربي، فايران لا تمنع عنها القدرة النووية، لانها ايران، بل لانها البلد المسلم المطلوب عزله عن الحداثة) ولو قرأ اولو الأمر من المشرفين علي البرنامج، هذه المقالة، لادركوا ان قوميا متهما بالشوفينية العربية، يطالب بنجدة ايران في نزاعها النووي مع الغرب، وكان بمقتضي هذا الفرض، وفي سبيل العدالة علي الاقل، ان تنبثق اسئلة اشتقاقية عن السؤال الاساسي، فالمسألة الشائكة بالنسبة للعراقيين والعرب عموما، لا تكون في تأييد او عدم تأييد حق ايران في استحواذها علي الطاقة النووية، من حيث انه السؤال الذي يجد جوابه من تلقائية صياغته، لكنه السؤال الذي كان من واجب الاستاذ نقاش، وهو المناضل والمفكر العربي، ان يضعه في مكانه التاريخي، فالاستاذ نقاش كان فرحا وهو يجد السؤال يقع في حضنه ثم ما اعتم ان تمسك به وخاض في حقله.وكما اننا لا نعترض ـ بل نؤيد ـ امتلاك ايران للطاقة النووية، ورفض تعرضها للتهديد الخارجي، فاننا نعترض علي سياسات ايران العراقية، بل نصل حد الاتهام بشبق السيطرة علي العراق، وربما الي ما وراء العراق، وينطلق سؤالنا البديل: هل تؤيد السياسات الايرانية تجاه العراق.. والخليج؟! حيث التصويت قد يجيء مختلفا ومقلوبا هذه المرة.فأنت لا تستطيع تحييد شمولية الموقف، باجتزاء مقطع عن سياقه، ففي مثل هذا الفرز تقع اختلاطات قبلية ومحمولة عن جماع الموقف الايراني امام العربي الذي لا يستطيع ان يكون محايدا، ففيما ايران ما زالت قابضة علي شط العرب العراقي، وفيما هي ما زالت قابضة علي عربستان مع سياسة تمييز، وفيما هي تعتبر الجزر الاماراتية من املاك فارس.. وفيما هي تفعل ما تفعله في العراق المحتل، دون حاجة الي براهين.. فان السؤال يأتي (علي حق امتلاك ايران للطاقة النووية) فكيف يمكن لهذه الاختلاطات الا تقع في حساب التصويت؟!فالطاقة النووية الايرانية، ليست هما شعبيا عربيا، اذا جردت ايران من مواقفها الاشكالية تجاه العراق، وقد لا تكون هذه الشواهد التاريخية الملموسة، في موقع اهتمام، اذا قورنت الثورة الاسلامية وهي تمارس حالات براغماتية خفية مع الشيطان الاكبر، اذ ماذا يمكن ان نصف موقف ايران من الاحتلال الامريكي لافغانستان؟! ماذا يمكن ان نسمي موقف ايران من تمرد الجنوب العراقي في اذار (مارس) 1991، وقد ازدلف مع المتمردين آلاف مؤلفة من الحرس الثوري، فيما العراق في حالة حرب ضد الحلف الثلاثيني الذي يقوده الشيطان الاكبر؟! ماذا نعلق علي قول رفسنجاني بأنه (لولا ايران لما تمكن الامريكيون من احتلال العراق!). ثم من الذي منع الجزء الاعم من شيعة العراق (بوصايا افتائية) من التعرض للغزاة او مقاومتهم؟! فالمشهد العراقي كان واضحا منذ بداية الغزو، اذ طبقا لفتوي ذات منشأ ايراني، فان (المقاومة السلمية) هي الشعار المرفوع، وحتي هذا فانه من اجل بياض السجل، اذ ما حدث علي ارض الواقع، هو انه، لا مقاومة ولا سلمية، فاضافة الي ارغام جيش المهدي علي القاء سلاحه، بل والتجوال مع صناديد صولاغ، لثقب رؤوس شباب الاعظمية، بل وطوال مرحلة الحوزة التي كان السيد مقتدي الصدر، يطلق عليه ـ استنكارا ـ صفة الصامتة.. فقد تم تمرير (تحت شعار المقاومة السلمية) جميع حلقات اللعبة الاحتلالية، بدءا من مجلس الحكم الانتقالي الذي نصفه من الشيعة علي هوي ايران، ومرورا بالانصياع لقانون ادارة الدولة العراقية (من وضع بريمر وطاقمه القانوني اليهودي)، ثم الي الانتخابات والجمعية ورد السيادة فالحكومة فالدستور.. وكل هذه (الانجازات) في ظل احتلال واطالة بقائه. اما الدفع بمسؤولية الانظمة العربية ولا مسؤولية ايران في احتلال العراق (الاستاذ نقاش وقبله شمس الواعظين وكل الآيات والمجتهدين في مناصب العراق الاحتلالية) فانه لا خلاف عليه، فالدفع في نصف حقيقة نقاش، يجري عن مرحلة ما قبل الاحتلال، لكن السيد نقاش، يتملص من الحديث عن دور ايران ما بعد الاحتلال، وقد عاتب مسؤولون ايرانيون واشنطن، لعدم قبولها بالتنسيق المسبق في غزو العراق، كما جري الحال في افغانستان. لقد فتحت انظمة خليجية اراضيها لاستقبال مئة وستين الف جندي امريكي (بواقع ست مناطق تحشّد عملياتية واربع قواعد انطلاق علي شكل رؤوس جسور) لغزو العراق ونهبه وتدميره والدوس علي كرامة شعبه، اما الدور الايراني بعد الاحتلال، فقد جاء مصدقا لما يبتغيه الاحتلال نفسه، وفي المقاربة، فان عار تمرير الغزو وتسهيله، هو المكافئ العملي لمنع مقاومته، والفارق التشريفي بين دور رسمي عربي مهين، ودور ايراني بريء.. لا يقوم الا في عقل انحيازي مسبق، او ربما بمؤثرات اغوائية اخري، اذ لا يعقل ان تقوم مبادرتان ملحوظتان، علي لسان السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الاعلي الايراني بامتياز، تقول احداها بالتعويض علي ايران بمئة مليار دولار من اموال العراق، جزاء حرب صدام ضد ايران، فيما تقول المبادرة الثانية، باقتراح مفاوضات امريكية ـ ايرانية في بغداد، والحال فان طهران التقطت المبادرة الحكيمية بعد سويعات من اطلاقها، فيما (الهيبة) ابعدت واشنطن ثلاثة ايام فقط، لاعلان قبولها!الا تدخل موافقات ايران وامريكا علي مبادرة طرف ثالث هو الحكيم، في مفهوم الصفقة علي حساب العراق؟!تلك هي ثنائية مشكلات عيانية، تاريخية ومصيرية، تتصل بصميم العلاقة بين العرب وايران، فاستحواذ الطاقة النووية، ليس من المسائل المرشحة للتصويت، لان من يريدها سيتابعها، وان من يمتلكها لا يتنازل عنها، فضلا عن كونها جزئية ناشئة علي طريق وعورة العلاقة بين الشعبين منذ البويهية الاولي مرورا بالصفوية والقاجارية وانتهاء بالحكيمية المحدثة!وعليه فان السؤال لا يكون في (نوافق او لا نوافق علي دخول ايران في النادي النووي العالمي)، بل في استفتائنا علي خروج او عدم خروج ايران من النادي العراقي العربي.. وبعدها سنري نتيجة التصويت كيف تكون لا في العراق فحسب، بل ومن المحيط الي الخليج.. فالجزيرة محطة فضائية عربية تبث من قطر، وليست فضائية سياحية تبث من موناكو، فهي مدعوة، بصفتها الوحيدة، للامساك بقضايا مصير الأمة، وليس في انتاج اسئلة خارجية مصممة علي قياس جواب بديهي ومطلوب، ونحن العرب لا نريد وليس في نيتنا زرع شقاق مع ايران، فلتمتلك ايران طاقة نووية بل وصواريخ مزودة بقنابل نووية، اما صراخ أهل الحكم في الخليج العربي، فليس اكثر من وكزة امريكية، فيما يموت الحراك امام اسرائيل، التي تمتلك النوويات الابادية حتي الناب.فاذا كانت ايران دولة لها مصالحها، الي درجة الغوص في قيعان براغماتية صريحة، حيث الدولة باتت بديلا عن الثورة، فمن الطبيعي ان نرفض ان تكون هذه السياسة علي حساب أمتنا ومصالححها، وهذا ليس عداء لايران، بل هو الوقوف مع وجود امتنا ومصيرها، وما قول السيد نقاش، بان عربستان، جزء من مكونات الاقوامية الايرانية، مع افاضته في اطناب متحد مجتمعي ايراني، يعيش وافر السكينة والسعادة في ابهاء ولاية الفقيه، بأكثر من مصادرة علي حساب الواقع والحقيقة، فعربستان هي الجزء التاريخي من الجنوب الشرقي للعراق، وعمرها الايراني، لا يتجاوز عمر العالم من الحرب العالمية الاولي وحتي الآن، اي اطول من عمر اسرائيل بربع قرن فقط، فكيف باتت عربستان من المكونات الاقوامية الايرانية، الا اذا اصبحت اسرائيل جزءا من المكونات الاقوامية في نسيج المنطقة!ان المطلوب، هو اسئلة تقع في اس الهم العربي، وليس تحميلا مضافا عليه.ہ كاتب من فلسطين يقيم في سورية8