تهميش خطير للاولويات الفلسطينية
عبد الباري عطوانتهميش خطير للاولويات الفلسطينيةلم يصل الوضع الفلسطيني، بشقيه الداخلي والخارجي الي درجة من السوء مثلما هو عليه الان، فلا رئاسة، ولا حكومة، ولا رواتب، ولا هيبة لأمن او لمناصب، انهيار كامل علي مختلف الاصعدة.القضية الفلسطينية باتت هذه الايام، قضية رواتب، وكيفية دفعها، وتراجعت معظم الاولويات الاخري امامها. فالحديث عن الجدار العنصري، والسياسات احادية الجانب التي تتبناها حكومة اولمرت الجديدة، في ترسيم الحدود، وضم القدس المحتلة، باتت قضايا ثانوية وهامشية.العلة الرئيسية، او ام كل العلل تكمن في هذا الانقسام الحاد، والمتفاقم، بين رأسي السلطة، وهو انقسام بات ينعكس علي شكل صراع غير صحي بين رئاسة السيد محمود عباس ووزارة حكومة حركة حماس ، يمكن ان يتطور الي مواجهات دموية.الحوار الوطني الفلسطيني بات مطلبا حتميا، ولكن لا بد من وضع اسس سليمة له حتي يعطي ثماره، وما شاهدناه من خلال طريقة توزيع الدعوات واختيار الاطراف المشاركة لا يوحي بذلك علي الاطلاق.فالمسألة ليست مسألة لمة من بقايا الفصائل، وبعض الوجوه التقليدية القديمة، وتكرير عبارات مستهلكة حول الوحدة الوطنية، وتفويت المؤامرة، ورص الصفوف، وانما مسألة نوايا حقيقية لاصلاح الوضع الفلسطيني والتعاون الجدي لوضع حد للتدهور الحالي، والعودة الي الثوابت الوطنية في التمسك بحق العودة واستعادة الارض الفلسطينية.حتي ينجح اي حوار، يجب ان يضع اصحابه في اعتبارهم النقاط المفصلية التالية: اولا: يجب ان يسلم رئيس السلطة وكل اركانها السابقة، بان هناك حكومة فلسطينية منتخبة ويجب ان يعمل الجميع علي انجاحها بكل الطرق والوسائل، لان هناك عناصر متنفذة تتآمر علي هذه الحكومة مع جهات اجنبية. فالرئيس عباس علي سبيل المثال طالب المسؤولين الذين التقاهم اثناء جولته الخليجية بعدم دعم حكومة حماس، وفعلت الشيء نفسه قيادات في حركة فتح ، ووزراء سابقون في حكومة قريع زاروا عواصم عربية بهدف التحريض ضد حماس وحكومتها. ثانيا: اسقاط حكومة حماس من خلال تجويع الشعب الفلسطيني سابقة خطيرة يجب ان يقف كل الفلسطينيين في مكتب الرئاسة او خارجه ضدها، وما نراه الآن هو محاولة للالتفاف علي حكومة حماس من خلال طرح حلول مهينة، مثل دفع الرواتب للموظفين مباشرة، او من خلال لجنة او صندوق تابع للبنك الدولي، فإما ان تكون هناك حكومة يحترمها اهلها ورئاسة سلطتها او لا. فالسيد عباس لم يكن ليقبل مثل هذا الوضع عندما كان رئيسا للوزراء. بل هو الذي حرص علي تعيين سلام فياض وزيرا للمالية وتحويل كل اموال السلطة واستثماراتها وصناديقها الي وزارته. ثالثا: رئاسة السلطة يجب ان تمتنع عن خلق حكومة بديلة، واجهزة امنية موازية، وتكون قدوة للجميع في هذا الخصوص، ولذلك فان ما يجري حاليا من تسمين للحرس الرئاسي بالعتاد والأفراد سيشجع الآخرين علي انشاء ميليشيات، وسيجعل احتمالات الصدام اكبر مما هي عليه الآن. فعلينا اولا ان ننشئ الجمهورية، ثم بعد ذلك نؤسس حرسا رئاسيا وليس العكس، فغزة ليست بغداد، ورام الله ليست القاهرة. رابعا: الرئيس عباس يجب ان يكون رئيسا لجميع الفلسطينيين، وان يساوي بين ابناء فتح وابناء حماس ، وأن يكون محايدا في تعاطيه مع الفصائل. وما نراه حاليا هو عكس هذه القاعدة البديهية. فالرجل يتصرف وكأنه زعيم ميليشيا، او جناح صغير من الحرس القديم لحركة فتح ، وهذا امر خطير علاوة علي كونه غير مقبول. فلم نسمع مطلقا ان شيراك تآمر علي رئيس حكومته الاشتراكي أو حاول سلبه صلاحياته. خامسا: استئناف المفاوضات مع الدولة العبرية هو من اختصاص الحكومة، او بالتنسيق الكامل معها، ولذلك فان ما يطرحه الرئيس عباس من حين لآخر حول استعداده لفتح قنوات تفاوض سرية، امر غير مقبول علاوة علي كونه غير دستوري، فلماذا السرية طالما ان هناك علاقات واتصالات علنية، وحكومة منتخبة تعكس المزاج الشعبي العام، وحقيقة القوي علي الارض؟ وما هو غير مقبول ايضا ما جري اعلانه في اعقاب القمة التي انعقدت في العقبة بين العاهل الاردني والرئيس المصري، من التأكيد علي ان الرئيس عباس هو الشريك المخول فلسطينيا بالتفاوض، دون اي ذكر للحكومة المنتخبة والواقع الفلسطيني الديمـــقراطي الجديد. ثـــم لماذا لم تعترف اسرائيل بهذا الشريك عنـــدما كان قريع وليــس هنية رئيسا للوزراء وتتفاوض معه؟ سادسا: يجب ان يظهر الفلسطينيون امام العالم جبهة واحدة متضامنة. فقد اخطأ الرئيس عباس في رأينا بزيارته لفرنسا التي رفضت منح وزراء في الحكومة الفلسطينية تأشيرات الدخول، وكان عليه ان يحتج للحكومتين المصرية والاردنية علي عدم استقبالهما لوزير خارجيته. فالرئيس ميتران رفض ان يزور اي من وزرائه الولايات المتحدة لانها منعت الفرنسيين الشيوعيين من زيارتها، وقدم الرئيس الحالي جاك شيراك احتجاجا شديد اللهجة للبيت الابيض، وهدد بمقاطعة دبلوماسية، ردا علي اهانة احد وزرائه من اصول عربية في مطارات الولايات المتحدة ومنعه من الدخول.الشعب الفلسطيني شعب كريم، عزيز النفس، يملك من المؤهلات والتضحيات ما يؤكد هذه الخصال، وكل ما ينقصه هو قيادة ترتقي الي مستوي تضحياته وتحفظ كرامته.المساعدات المالية، عربية كانت ام غير عربية، مسألة مهمة، ولكن شريطة ان لا تكون علي حساب هذا الشعب وكرامته، واظهاره بمظهر المتسول الذي لا يهمه اي شيء آخر غير المال.الحكومات العربية التي تتسابق باعلان تبرعاتها للشعب الفلسطيني مشكورة علي مواقفها، ولكن يجب ان يأتي من يذكر هذه الحكومات بان صمتها علي هذا الحصار الامريكي المتمثل في ارهاب البنوك، ومنعها من تحويل الاموال الي الجهات المعنية، يصبان في خانة التواطؤ لافشال حكومة حماس ، ومعاقبة الشعب الفلسطيني علي خياره الديمقراطي.الادارة الامريكية، وفي ظل مأزقها الراهن في العراق، ومأزقها الاخطر القادم في ايران، بحاجة ماسة الي الحكومات العربية وليس العكس، وتستطيع هذه الحكومات بما لديها من اوراق قوة ان تضغط علي واشنطن، وتعمل علي رفع هذا الحصار، ليس حرصا علي الشعب الفلسطيني، وانما حرصا علي امنها وسلامها الداخلي، فالشعوب العربية لا يمكن ان تقبل بهذا الاذلال الامريكي للشعب الفلسـطيني بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام، وقد تنقلـــب ضد حكوماتها انتصارا لاشقائها في فلسطين وحكومتهم الاسلامية.تنظيم القاعدة يقوي وتتكاثر عملياته واشرطته بسبب هذا الاذلال، والصمت عليه. ووصول عناصره الي قلب سيناء، المنطقة التي من المفترض ان تكون الاكثر امانا في مصر، والواقعة علي حدود كل من غزة غربا والاردن شرقا علي الساحل الآخر من البحر الاحمر هو جرس انذار في هذا الاطار.