اسمي ليس انا لمحمد سليمان: عمل جديد يبحث عن جوهر الشعر ويجد ضالته في التماس النثر
محمود قرني اسمي ليس انا لمحمد سليمان: عمل جديد يبحث عن جوهر الشعر ويجد ضالته في التماس النثرالقاهرة ـ القدس العربي الشاعر محمد سليمان واحد من أبرز شعراء ما يسمي بجيل السبعينيات في مصر، وهو في خطواته الشعرية، البعيدة عن الخيلاء، يؤكد هذا المعني في دواوينه المتتالية التي وصلت الي ثمانية.وقد جاءت خطوته الاخيرة في ديوان ـ اسمي ليس أنا ـ الصادر حديثا عن سلسلة اصوات أدبية التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة مؤكدة علي جدارته بنحت موقعه الخاص والمتميز وسط هذه القافلة الصغيرة من الشعراء. فبعد سجالات طويلة وصراعات متعددة الاتجاهات خاضها هذا الجيل استوت الملامح وباتت قاب قوسين أو أدني من موقع ـ الشعراء الكبار ـ حسبما يحلو لنا في الأدبيات العربية ان نسمي الرواد وأن نفرق بينهم وبين من هم دون النجوم.والديوان الذي ينقسم الي ستة اجزاء ويضم كل جزء عدة قصائد اقرب الي القصر والتكثيف، يذهب الي ما يمكن تسميته التعيين الشعري والتشيؤ الذي يثير المقابل خوفا وجزعا من فكرة التشيؤ ذاتها، وهو منحي يخص محمد سليمان منذ ديوانه ـ سليمان الملك ـ رغم كونه خطابا شعريا يتماهي زمنيا مع التاريخ، والاسطورة، فيما كان يحاول ان يصنع من شعريته فلكلورا خاصا يماهي بين سليمان الشاعر وسليمان الحكيم.في هذا الديوان تتنامي ملامح الشعرية وتتواشج، مع التاريخ الشعري لسليمان، وسنجد اسطورة وحيد القرن مسيطرة علي اكثر اجواء الديوان، وسنجد مناخات قرية ـ مليج ـ مسقط رأس الشاعر، سنجد الشقة، وسلم الجارة، وانهيار سلم القيم الاجتماعية، الفقر، المرض، الشيخوخة، ورائحة العطن، والشيخوخة كل ذلك يبدو منبثا مضافا يرقد هذه التجربة، بعد ان غادرت ضجيج الاصوات الاولي.فمحمد سليمان الذي كان متهما بالتأثر بصلاح عبدالصبور استطاع تجاوز محنة الاتهام منذ عدة دواوين بل ربما منذ ديوانه الثاني ـ سليمان الملك ـ ولم يتبد هذا التأثر واضحا سوي في ديوانه الاول ـ قصائد رمادية ـ وهو ديوان يبدو ان سليمان أسقطه من تجربته تماما، فقد دأب علي وضع قائمة بأعماله في نهاية كل ديوان، عادة ما تخلو من هذا الديوان.تبدو شعرية سليمان الاحدث اكثر جدارة بالانتباه فالامر يجب ألا يختلط وسط زحام الاتهامات العشوائية التي لا تصدر عن وعي او متابعة حقيقية فسليمان الذي يتماهي مع الوعي الشعري لتيار واسع ينتظمه صلاح عبدالصبور يبدو مختلفا علي مستويات عديدة، ففيما تمنح لغة عبدالصبور من تعميق فكرة التأمل الانساني وانضاج هذا التأمل ليتحول الي موقف من الوعي بالعالم، يبدو وعي سليمان باللغة اكثر اقترابا من الاجيال الاحدث في الكتابة الشعرية، لذلك تبدو مراوحاته اكثر انحيازا لقصيدة النثر رغم انه ما زال يلتزم الايقاع الخليلي بالمعني الدقيق، وهو فيما أري نوع من مغالبة طبيعة النص نفسه، الذي لا يبعده عن قصيدة النثر سوي شكله فقط، وسوي بعض القناعات غير المكتملة لدي الشاعر عما يسميه بالنغمية.وفيما تكتمل للشاعر صلاح عبدالصبور ادوات الشعر عبر الوعي الكلي بقضاياه الوجودية والمجتمعية تكتمل لسليمان أدوات الشعر عبر الوعي الجزئي الذي أحال اللغة الي شؤونها الوظيفية التي لا تعتني بأي نوع من البلاغة سوي عبر بلاغة المشهد الشعري في اكتماله.علي جانب آخر يدرك سليمان جيدا المسافة التاريخية التي يتأرجح فيها نصه بين الغياب والحضور، ويتمكن عبر وعيه بهذا الابتسار الواسع وهذه الهزيمة الحضارية الكاسرة ان يعيد رتق الكثير من هذه الفتوق، وتغدو مرارات الانكسار والهزائم المتصلة طعما سائغا للشعر، ومن ثم تكون مادته.كائنات سليمان الشعرية تعيش وسط ـ نوستالجيا ـ لا يعرفها ولم يعرفها شعر صلاح عبد الصبور الذي كان يجاور مشروعا حضاريا ويكتب كتفا بكتف الي جوار حجازي ودرويش وأدونيس وسعدي ومطر، لذلك فقد كان مؤرقا بحاضره، لم يكن في حاجة لهذه ـ النوستالجيا ـ التي يرعاها سليمان برفق وحميمية، لذلك تتبدي دائما باعتبارها محصلة الهزيمة الحضارية. علي مستوي آخر لم ينخدع سليمان بسراب التركيب اللغوي والمواقف الاكثر عنقودية للوعي الصوفي الذي أودي بكثير من مجايليه، فبقدر اغراء هذه الكتابة المسترسلة في غموضها وتفجيراتها للغة بقدر خوائها الذي ينطوي علي أكذوبة كبري تمثل المسافة الشاسعة بين المتصوفة الأوائل الذي أدركوا الموقف المحال من طبيعة الحال، ولم يدركوه وهم ينامون علي مؤخراتهم الاسفنجية ويضطجعون امام مكيفات الهواء.باختصار نستطيع القول ان الشاعر محمد سليمان الذي أنضج تجربته علي مهل يبدو اكثر ثقة في المستقبل رغم حديثه الممرور عن شيخوخته التي لم تبلغ الستين بعد، وهو حريص علي الانتقال بكائناته الشعرية من ديوان الي آخر، وفي ديوانه ـ اسمي ليس أنا ـ ينتقل معه كائنه الاثير ـ وحيد القرن ـ هذا الوحيد الذي حصل علي الجزء الاول من الأجزاء الستة للديوان والذي جاء تحت عنوان ـ مثل وحيد القرن ـ ، وهذا التماهي الذي استغرق سليمان في اكثر من ديوان يبدو تماهيا بين الذات الشاعرة وهذا الحيوان الضخم الطيب الذي ربما يشبه سليمان في اشياء ليست قليلة فوحيد القرن هو الذي ـ يجر النهر من الاعماق ويحرر سُحبا من ألوان الرسامين، ويفاوض شمسا هاربة ـ هكذا يقول سليمان، وينهي الجزء الاول من قصيدة مثل وحيد القرن قائلا:وحيد القرن يمص غيوما نبتت في الذاكرةوحيد القرن يربي شجرا في المنديلوحيد القرن يراوغ صف بنادق وتماثيل،وحيد القرن يفتش عن كلمات لم يمسسها الصيادونوحيد القرن وحيدصلوا من اجل وحيد القرن.كذلك سنجد الشاعر يعود الي وحيد القرن في الجزء الثاني المعنون ـ استراحة الجندي ـ لكنه في هذه القصيدة يبدو اكثر افصاحا، فيتخلي وحيد القرن مؤقتا عن قوته المفرطة ليبدو اكثر هوانا وضعفا، وليبدو مثيرا للسؤال، رغم مساحات البوح الواسعة التي تتراوح بين البوح الذي ينتسب لضمير المخاطب، والبوح الذي ينتسب لضمير الغائب وكلاهما ـ الشاعر ووحيد القرن يتبادلان المواقع، يقول الشاعر:أنا وحيد القرنظلي علي الرصيف لم يعد يتبعنيوصيحتيفي داخلي ترنأنا الفتي القديم لست جورباوأنت لست قاربا ينسلأو أفعيدعنا اذننجرب الهواء مرة معا.وفي الجزء الثاني من القصيدة المعنون ـ من أنت؟ ـ يعلن الشاعر حربا ضد وحيد القرن، يعلن الحرب ـ بالأحري ضد نفسه، فالسؤال هو سؤال الكينونة، التي تبعثرها قسوة يومية غير مفهومة ومنظومة قيمية لا تحمل الا اكثر الوجوه قبحا للسقوط الحضاري والمجتمعي، لذلك تبدو اسئلة الشاعر مفزعة وأجوبته اكثر فزعا، يقول سليمان:لك ان تعلن حربا ضد وحيد القرنلك أن تنساهوأن تهجوهوأن تتمني أن يخرسه اللهلكيلا يركض في الطرقات ويعويلك أن تعلن ان زمان الشعر مضيلماكينات ستكتب شعرا أبهيوالأجراس ومليارات الورق وغلايات المقهيلك ان تعلن ان اللغة هي الأرقاموأن البنك هو القاموس.ورغم الانتقالات المتفاوتة التي تحققها قصائد الديوان لا تكاد تخلو قصيدة من مساحات واسعة للمفارقة التراجيدية التي لا تعتمد علي التقابلات والمفاجآت بل تعتمد علي التوليد الشعري من هزلية المأساة وأحيانا سخريتها مثلما يتبدي ذلك في قصيدة ـ لا أحد خلفي بخنجر سيعدو ـ ففي هذه القصيدة التي لا تتجاوز سطورها احد عشر سطرا يبدو نوع من الثناء المكتظ بالسخرية علي الفقر وعلي ضياع السلطة، فالشاعر هنا لم يكن ساعيا للمال ولا لتبوؤ راية من الرايات أيا كان اسمها، لذلك سينام قرير العين مثل عمر، الذي تتناص القصيدة مع جملته الشهيرة: حكمت فعدلت فنمت آمنا يا عمر: لست راية لبلاديلست جندياولا بائع مدافعلست مليونيرا ولا أميرابوسعي أن أنام اذنتحت شجرة ابن الخطابأو في بيتيتاركا ساعتي في الدرجونظارتي ايضالا احد خلفي بخنجر سيعدوأو يفكر بانقلاب ضدي .والديوان في مجمله تنتظمه وحدة نسيج في الأداء المتساوق والاكثر هارمونية من كل دواوين سليمان السابقة، لذلك تبدو انتقالات الشاعر بين موضوعاته العشرية سلسلة، غير مثقلة بترهلات تذكر سوي في القصائد الاولي التي حفلت ببوح ناعم لا يضجر القارئ باسترساله، لكن مهارة سليمان تبدو معبرة عن نفسها بحذق في القصائد القصيرة، لا سيما في الاجزاء التي انتظمت قصيدتي الجثة التي في البيت و دفاتر العزلة يبدو ذلك جليا في قصائد لم اخترع شمسا ، قد اتذكر وجهي ، جارتي ، قلت لهم و عادي مثل الباص أنا وأخيرا قصيدته أنا الذي هنا ، وفي هذه القصيدة يعاود الشاعر محمد سليمان وضع فواصل وداعية مع وحيده ورفيقه وحيد القرن وتبدو الاجواء اكثر جنائزية في هذه الايقاعية التي انتظمت القصيدة حيث اختار سليمان متفعلن متفعلن ليكون الرجز هو الخلفية التي تقدم هذه الجنائزية المرتبطة بحداء الابل في الصحراوات العربية حسبما كان يري العرب، فرغم ان الرجز هو اقرب البحور الشعرية الي لغة النثر الا ان انتظامه النغمي وسلاسته الايقاعية تربطانه بحركة الجسد بشكل وثيق كما تربطانه ايضا بالعديد والفلكلور والهزيج والنشيج الشعبيين، يقول سليمان في القصيدة: أنا الذي هنا وليس أنتأنا الذي في الطابق السفليقرب الناروالغباروالعفنأنا صديق النمل والباصاتوالكرات عادة تأتيركولة اليٌأنا وحيد القرنأنصت اذالكي أمد صيحتيوأنتمي للصمت .يبقي القول ان ديوان اسمي ليس أنا يقف بين أهم دواوين محمد سليمان ان لم يكن أهمهما علي الاطلاق، وهو ديوان يؤشر علي التحقيق الباذخ لهذه التجربة وعلي تجارب قليلة قرينة له من بين اعضاء جيل السبعينيات مثل حسن طلب وعبد المنعم رمضان وحلمي سالم، ويبدو استمرار الاقصاء الذي ترتكبه الدولة حيال هذه التجربة نوعا من العته الذي ليس غريبا علي مثل هذه المؤسسات الخربة التي تقدم نفسها باعتبارها راعية للثقافة.لقد أشرف معظم شعراء جيل السبعينيات علي الستين من عمرهم، بل بلغها بعضهم بالفعل ومع ذلك تتمسك المؤسسة الثقافية بعدد من الاسماء البالية التي لم يكن لها يوما علاقة بالشعر ولن يكون، فبعد احمد عبد المعطي حجازي وعفيفي مطر، ليس هناك في حقبتي الستينيات والسبعينيات من يطرح بديلا اكثر وجاهة وصدقية وتماسكا من هؤلاء الذين أشرنا اليهم أما الاجيال التالية فلها شأن آخر.0