الاسرائيليون يشعرون بالفشل العميق من نتائج الحروب العبثية والمغامرات الحمقاء التي قامت بها دولتهم
الاسرائيليون يشعرون بالفشل العميق من نتائج الحروب العبثية والمغامرات الحمقاء التي قامت بها دولتهم الآن فقط قرأت كتاب عاموس ايلون قُدّاس . المثير في فصول هذا الكتاب هو فصل حمي الحرب الذي يصف الحرب العالمية الاولي ـ ما قبل الحرب وخلالها وما بعدها. هذا الفصل مثير ويبعث القشعريرة في الأبدان: كيف حدث أن أصيب كل الشعراء والصحافيين والعلماء والرسامين والموسيقيين بعمي البصيرة؟ كيف تخلي عنهم منطقهم السوي وأخلي مكانه للنشوة المهووسة؟ كيف انجرف الاكاديميون وراء الروح العسكرتارية الشوفينية التي هبت مع تلك الحرب الحمقاء والأكثر غباء في العصر الحديث؟ الحرب العالمية اندلعت لأن عصابة من السياسيين والجنرالات والاستراتيجيين الألمان استغلت نزوات وهذيان وريث ملكي في سراييفو بالقتل والدمار. ذات مرة اندلعت هنا حرب طويلة لا تقل حماقة بعد أن اغتالوا سفير اسرائيل في لندن وأصابوه بجروح بليغة. في ايام تلك الحرب الاولي، مثلما هي الحال في بداية اغلبية الحروب، أصبح المفكرون المحليون خونة وملأوا القاعات والمؤتمرات وأقسموا يمين الولاء للحرب القادمة.في داخل الرعاع الفكري كان هناك شخص اسمه عاموس ايلون وتوماس مان وستيفان تسفايغ وأرنولد تسفايغ وماكس راينهيردت وماكس ليبرمان وماكس ويبر، اغلبيتهم كانوا كتابا ومفكرين معروفين. ايلون يقوم بذِكر سلسلة طويلة من الصهاينة في كتابه: شموئيل هوغو بيرغمان، زيغفريد موزيس، أورت بلومنفلد، ناحوم غولدمان، مارتن بوبر وغيرهم كثيرون. كذلك الحال مع زيغموند فرويد الذي وقع أسيرا لسحر الحرب، ولكن حماسته كانت قصيرة العمر، وقد كان من اول من أصابتهم الصحوة. قلة قليلة فقط تجرأت علي الوقوف في لحظة الحقيقة ومنعت نفسها من الانجراف وراء تيار الكذب ـ سياسيون مثل روزا لوكسمبرغ، ادوارد بيرنشتاين وكارل ليبكينكات وغيرهم من المفكرين مثل ألبرت اينشتاين وكارل كراوس وآرثور شنيتسلر. كل هؤلاء باقون في الذاكرة. قُدّاس ألماني هو رسالة تحذيرية شمولية من الوقوع في سحر الحرب البائسة ومن تضليل من يقفون وراءها. هو اشارة ضوئية حمراء أو سوداء اذا شئتم أو خضراء أو زرقاء ـ بيضاء من هيجان العواطف واندفاع الادرينالين في العروق لحظة الخروج الي الحرب باسم السلام الذي يحملون اسمه عبثا. تارة اخري نقول لانفسنا ونحاول اقناع غيرنا، خصوصا وزير دفاعنا الجديد المدني عمير بيرتس، الذي قد يقع في فترته التمهيدية الاولي، أسيرا لـ المختصين : كل حرب يمكن منعها ولم تُمنع هي حرب مرفوضة، وكل حرب اختيارية وُلدت بالخطيئة وخطيئتها تسببت بالعقاب الذي يتلوها دائما، وكل حرب تهدف الي تلبية احتياجات وأغراض التوسع هي ملعونة وستطارد صُناعها لتصل اليهم في نهاية المطاف. كل حرب تجر الاحتلال ـ ستتعقد وتصاب بالفساد والعفن وتفشل في آخر الطريق، كل حرب تأتي لتعليم الدروس والعِبر والانتقام من العدو، كما يستحق، وحتي الردع والإخافة، ستنتهي بصورة مُربكة بائسة وتهدر دم الضحايا بصورة عبثية. كل حرب ليست لها أهداف سياسية محددة قابلة للتحقق لن تتمخض إلا عن واقع اسوأ من سابقه، ذلك الواقع الذي وُلدت تلك الحرب في رحمه.وفقا لهذه المعايير لم تكن لاسرائيل حروب وانما مغامرات. حرب التحرير وحدها هي التي كانت حرب حياة أو موت، حربا لا مفر منها، ولولا أننا انتصرنا فيها ـ لما قامت لنا قائمة. ايضا حرب حزيران (يونيو) التي يعتبرونها حرب الانقاذ الوطني، ليست بهذه الصفة. التهديدات التي كانت تلوح لاسرائيل في تلك الآونة كانت قابلة للاحباط من خلال عمليات عسكرية محدودة، ومن دون اسقاط الدولة في شرك الاحتلال الذي لا تنجح في الخلاص منه. عندما انتحب الجميع آنذاك باكين من الانفعال بجانب حائط المبكي متذكرين دمار الهيكل ومتأملين لقيام الهيكل الثالث، قلة قليلة فقط بكت من الدمار القادم. عدد المفكرين الذين سارعوا في ذلك الحين للسير في المسيرة الشاملة وبادروا الي اقامة الحركة من اجل ارض اسرائيل الكاملة، ندموا في اغلبيتهم.الـ 58 عاما القادمة ستكون أفضل من السابق وأقل فتكا ـ هذا وعد ـ إذا أدار السياسيون الدولة أخيرا وتولي الضباط ادارة الجيش، الجيش وحده. اذا ادرك هؤلاء واولئك أن الحرب قد فقدت رونقها لانها أصبحت بلا منتصرين، واذا لم نحمِ أنفسنا بمفكرين مُحصنين من نشوة الحرب والانتصار، واذا لم نعتمد علي صُناع السلام الاختصاصيين الرافضين للحروب ـ فسنلقي نفس المصير.نحو 22.123 هو عدد من سقطوا حتي يوم الذكري هذا. الألم بالفقدان يزداد حدة يوما بعد يوم، وكلما تجذرت رؤية الحرب عندنا، كلما تواصل الألم والفقدان. في هذا اليوم سنحني رؤوسنا علي قبورهم باحترام، ولكننا لا نفلت من مشاعر الإهدار الفظيعة: كثيرون ممن أحبتهم انفسنا كانوا سيبقون أحياء في هذا اليوم لو لم يُجبروا علي الموت، مشاعر الفقدان والاخفاق.يوسي سريدنائب سابق(هآرتس) 2/5/2006