قبل أن تقول كلمة الوداع الأخير للصحراء الموريتانية

حجم الخط
0

قبل أن تقول كلمة الوداع الأخير للصحراء الموريتانية

بدي ولد ابنوقبل أن تقول كلمة الوداع الأخير للصحراء الموريتانيةربما يكون آخر نص كتبتْه جنيفييف كلانسي هو تقديمها للترجمة الفرنسية لكتابي “اسفار العشق والموت”. ولكن الموت والسفر ـ أو الرحيل ـ كحقيقة وكدلالة ظلا دائما حاضريْن بقوة في مختلف أعمالها. فجلاء رؤية الإنسان لشرطه لا يتأتي إذا لم تكن حقيقة موته وعبوره حاضرة باستمرار في وعيه. “نحن فضاء في اللاحركة، العبور واحدا واحدا، في إنسان فسيح. الكلمات ترافقنا في اللانهاية حيث ننسج افتراقاتنا” أو تسكننا حتي النهاية. لا سيما حين تأتي الأخيرة فجأة ليبدو العبور الحقيقةَ الدنيويةَ التي لا تقبل مساومة. رحلتْ الشاعرة والفيلسوفة جنيفييف كلانسي عن هذه الأرض قبل أن تقول كلمة الوداع الأخير للصحراء الموريتانية وقبل أن تقوم بطقس “عبور الصحراء، هذه الفيزياء الروحية القادرة وحدها علي تحريرها من التيه”. واصطدم ما تسميه “الشغف بالحضور في العالم” بالغياب الذي ستذوقه كل نفس. كان مقررا أن نشارك معا في ندوة شعرية تكريمية لها يُنظمها معهد اللغة والآداب العربية بباريس بالتعاون مع دار نشر الآرمتان. كما كانت غداة الثالث أغسطس قررتْ أن تسافر معي إلي موريتانيا لتري “أرض الحاج ولو مرة أخيرة”. وفجأة وأنا في لندن قبل ثلاثة أيام من موعد ندوتنا وقعتُ مصادفة علي خبر رحيلها. كنتُ اتصفح رسائل الكترونية فإذا بفقرة تشير إلي تأبينها وتحمل اسمي كأحد المؤبنين ثم لم تلبث الأنباء تتالي في الصحافة وتؤكد ما لا راد له. اتصلتُ بالصديق أسامة خليل مدير المركز فوجدتُه كما توقعتُ غارقا مرة أخري في وجعه. عرّجتْ جنيفييف علي مكتبه بالحي اللاتيني في جولتها الزوالية كالعادة ورتبا معا ما بقي من إجراءات الندوة ثم بعد ذلك بساعات اتصل أحد الأصدقاء ليخبره بالفاجعة. هكذا وفي لمحة بصر صار التكريم تأبينا. لم يكن رحيلُها موتَ الفجأة الوحيد الذي عرفنا في الأشهر الأخيرة بل كمْ خسرنا من الآصدقاء هذه السنة ؟ بدا الموتُ وقد عزم أن يطوي المسافات دفعة واحدة. إنه المارد كما كتب أخو جنيفييف الشاعر فيليب تانسلين في نصه التأبيني :”بين قرب الموت الذي لم نعد نراه وعرض الحياة الأكبر الذي نسكنه بعماء، أي نزهة تستكشفنا، أي إشارات تشكل المارد الذي يصيح في وجه صمتنا.” ـ2ـأول مرة التقيتُ جنيفييف كلانسي كانت شتاء 1999 في سهرة ببيت الصحافي الانجليزي جريج اكسلي رئيس تحرير مجلة “ريبوست”. قرأتْ لنا علي اوتار “جمبري” صديقي الفنان المغربي مصطفي الصويري عدة نصوص شعرية قالت عنها إنها معارضة لما تسميه حائطيات مالارمي. كنتُ قرأت لها وعنها ولكني لم أكن بعد أعي موقعها الطليعي في الشعر العالمي المعاصر. وعندما قدمتْنا لبعضنا إحدي المدعوات وقالت إني موريتاني صمتتْ جنيفيف لعدة لحظات ثم علقتْ بشيء من الاقتضاب “أنا أيضا موريتانية”. وأعدتُ النظر إليها دون أن أجد في ملامحها ما يشفع لكلماتها. لا ملامحها ولا اسمها ولا التقديم الذي تحمله عادة أغلفةُ كتبها. علّ الإجابة تكون في احدي قصائدها التي كتبتْها من بعد : ” العطش الأول الذي يربط الانسان بالنور ليس حنينا.” ورغم ما كُتبَ عنها وبعشرات اللغات بما فيها العربية بل ورغم ما عرضتْ له هي من سيرتها الذاتية فلم يكن معروفا عنها في الأوساط الأدبية والفلسفية سوي أنها أصلا وفرعا فرنسية. شرحتْ لي جنيفييف قبل طي السهرة أن جدها موريتاني قدم من أعماق الصحراء إلي المتروبول الفرنسية في العشرينات من القرن المنصرم. وأن اسمه الحاج. كانت تضغط علي مخارج الحروف حتي تتخلص من اللكنة الفرنسية وتقترب من نطق الحاء. زارت موريتانيا كما حدثتني سنة 1989 ومضت أياما بانواكشوط تتردد علي الشاطئ الأطلسي. شيء ما من تلك الأجواء بقي في دفاترها “فالليل ينحت الخرابات كأنه يمحو عنها الهلع. المدينة كانت من عواقب غير حقيقية”. ولكن جنيفييف لم تجد سبيلا للتعرف علي “أهلها” فلم تكن معلوماتُها عن أصل الجد تعدو كونه “الحاج” مما لا يغني شيئا في مذهب الأنساب وأشجارها التي افتتن بها أهل الصحراء. عرفتْ كذلك أن أفرادا من عائلتها قد هاجروا واستقروا في وجدة بالمغرب واحسب أن ذلك كل ما استطاعت تجميعه عن أصولها. أما الصحراء “فأمر بالغ القوة”. رددتْ مع فواصل صامتة العبارة الأخيرة وكأنها لا تريد أن تصف علاقتها بتلك الأرض العصية الا بقدرما تحاول أن تتفادي الدخول في التفاصيل . ـ3ـفي المركز الدولي البين جامعي لإبداع الفضاءات الشعرية الذي أسسته رفقة أخيها فيليب تانسلين وعشرات الكتاب الآخرين ظلتْ جنفييف تختبر الشعر ميدانيا والميدان شعريا. غايتها المعلنة هي إدخال الشعر في مواجهة مع الفنون الأخري في سبيل مواصلة ما تسميه “السفر بأقدام حافية مع المستضعفين”. ولهذا كانت علاقة التصوف الاسلامي بالشعر منطلق أغلب دراساتها ومنه كذلك يأتي اهتمامها التخصيصي ببعض الشعراء الألمان “فنداء هولدرلين كم هو داخلي من ظل يمضي من الأشياء إلي بدئها، سؤال يلقي الصورة بعيدا عن نهايتها. وكم تَرنّ هذه الليلة بنور الحلاج.” ثم إلي ذلك أضافت اهتماما نادرا في وسطها حيث أنكبت علي دراسة كل ما حصلتْ عليه مترجما إلي اللغات الأوربية من الحديث النبوي الشريف فهي تسميه نهر المجازات المتدفق. كان “تصوفها”، إن جازت العبارة، يجمع بين نمط ما من “الزهد الثوري” ومن “الثورة الرصينة”. هذا الربط بين التأمل الفلسفي والشعري وبين الفعل الميداني هو ما جعل المضطهدين همها الميداني والفكري معا. فوقفتْ مع الثوار الجزائريين ثم مع الفلسطينيين. هو أيضا ما أغراها سنة 1973 بتأسيس لجنة الدفاع عن حياة وحقوق العمال المهاجرين التي حققت انتصارت معتبرة في جبهة الحقوق الاجتماعية. وهو كذلك ما جعلها تكتب أحد أشهر نصوصها عن غسان كنفاني وعن عالمه السردي كتجسيد ـ من وجهة نظرها ـ للاندماج الجدلي للواقع مع الأدب، للحياة مع الكتابة. ـ4ـفي الصربون ظلت كلانسي إلي رحيلها الفجائي أستاذة الفلسفة الجمالية عبر “جمالية العنف” ـ عنوان أطروحتها للدكتورا ـ و”جمالية الصيرورة” و “جمالية الظل” غير أن العنف الجمالي بالنسبة لها كان شيئا آخر مخالفا لدلالته المتداولة فكم ظلتْ تمقت الهمجية والعدوانية. في عدد “لموند ديبلو ماتيك” لشهر اكتوبر من السنة قبل الماضية كتبتْ مارينا داسيلفا ” في أعمالها الفلسفية والشعرية ظلتْ جنفييف كلانسي تسائل العنف. بالنسبة لها كما بالنسبة لجيني (جان جيني) يتميز العنف عن الشراشة … عندها أيضا أن صبرا وشاتيلا تمثل عنصرا محددا للفكر والكتابة. تريد أن تري تحت ترسبات الرعب والفظاعات والتضحيات التي تغطي العنف … ليس لنقل معرفة ما … ولكن في إطار التأكيد علي أن من واجب التاريخ كما يتأمله الشعراء والفلاسفة أن يكون قبل كل شيء تاريخ المضطهدين.” جنيفييف كلانسي ولدتْ في باريس وفيه عاشت ودرست ودرّست وتوفيت ولكنها ظلت متنقلة في العالم تارة ببدنها وتارة بذهنها. في العالم مسافرة وعنه منفية. بل إن الترحال والصحراء والبداوة هي أكثرالكلمات ترددا في قاموسها. وآخر ندوة أمسية شعرية جمعتنا معا كانت يوم 19 مارس من السنة الماضية بمسرح لسيرنير. الندوة حملتْ عنوان “منفيون من القارات الخمس”. وعندما سألتُها إن كانتْ منفية من موريتانيا أم من فرنسا، أجابت بابتسامتها الهادئة : ” أنا يابن العم منفية من القارات السبع”. كاتب موريتاني مقيم في باريس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية