صيف حار

حجم الخط
0

صيف حار

ماجد رشيد العويدصيف حاربدا الجو صيـفاً حاراً، وكانت كأس الماء غير بعيدة عنهم، ولكن ماذا تراه يفعل مصطفي للحصول عليها، وأعين رفيقيه من حوله لا تفارقها؟. فكر طويلاً من دون أن يسعفه التفكير بشيء. كأس الماء المنعشة تتلوي أمامه كأنها فتاة في ريعان الصبا، فتزداد شهيته لها، وقد بلغ منه العطش مبلغاً قاسيـاً، فريقه جفّ ووجهـه شحب. فمنذ ثلاثـة أيام لم يذقه، وإن استمر الأمر يومـاً آخر فستنتهي حياته، فماذا يفعـل؟ هو الآن علي استعداد لأن يبيع كل ما يملك لأجـل جرعـة واحدة، برغم أن ما يملكه لا يساوي شيئاً بالقياس إلي ما كان يملكه هارون الرشيد ، ولكنهما يشتركان في المبدأ، فهما معاً ومن أجل جرعة، بل ومن أجل قطرات منه يضحيان بالدنيا أجمع. كان الماء في الكأس ينط تارة ويتلوي في أخري مبتهجاً، حتي تخيل مصطفي أنه رأي فعلاً فتاة قفزت منه ثم أخـذت تضحك له، وكلما اقترب منها ابتعدت عنه حتي اتسعت المسافة بينهما. أما السجان فقد أطلقهم في الساحة بعد أن أعطشهم، وقام بمنعهم من العـودة إلي الداخل وجعل من أمامهم الكوب المثلج، غير أنه لم يكن بمقدورهم الحصول عليه. ثم أنه لابد لأحدهم فقط أن يناله، وليتحقق هذا لابد من الإجهاز علي البقية. كان الخيار قاسياً، بيد أن العطش بدا أقسي وأمرّ. أمام هذه الكأس سقط من حساب السجناء أنهم أبناء صحبة في السجن امتدت إلي أعوام وأعوام، وأنهم هنا تجمعهم الهموم ذاتها. هذا كله إلي جانب أشياء أخري تحطمت أمام الكوب الذي زين لهم في لحظات كثيرة أن في داخله فتاة علي غاية الحسن والجمال.فكر مصطفي وهو يغالب عطشه بطريقة تمكّنه من الانفراد بأعطية السجّان. لقد زحف العطش إلي جوفه تحت الهجير فتركه كتلة جافة شائنة، ولكن كيف؟ أيقوم بقتل رفيقيه؟ ولم لا فحياته أبقي وأعز من حياة البقية، ثم إنهما لو تمكّنا منه لما ترددا لحظة في قتله للحصول علي هذه الأعطية الكفيلة بالقضاء علي النار المشتعلة في أحشائهم. إذاً فما عليه إلا أن يخطط لإزاحتهما عنه بكل الطرق الممكنة والمتاحة، حتي ولو أدي به الأمر إلي سحقهما معاً. إن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش، وإن ارتفع ثمنها. هتف به هاتف: لا تدع أحداً يقترب منه، فما في الكأس ليس ماء قَراحاً راداً للعطش فحسب وإنمـا هو أيضاً يمنحك الخلود، فاسع إليه بكل جوارحك. لقد داعبه هذا الهاتف طوال الساعات الأربع والعشرين الماضية حتي تمكن منه، وأضاف الهاتف إن الفتاة التي تخرج من الكأس سوف تعانقك، ومن رحيقها سوف تشرب ما يمنحك الأبدية. ازداد ريقه جفافاً، الشمس من فوقه تقذفه بلهيبها، فلم يعد به حراك وكذلك صاحباه. باتـوا كالخرق المبلولة مقذوفة في العراء، وقد جفت من كل شيء إلا من الرغبة المتوحشة بقطرة منه. ولكن كيف الوصول إليه وهو معلّق في أعلي؟ بدت الطرق كلها مستحيلة، فمع أية حركة غير محسوبة سيندلق الماء علي الأرض التي تغلي من شدة الحر، ويصبحون جميعاً في عداد الموتي. ثم إنهم غير متفقين، والذي سيحصل عليه أحدهم دون البقية حسب الشرط، وإذاً سيدخلون في عراك لأجله، ربما يكون من غير طائل. هنا قال مصطفي لنفسه: يجب النظر في الأمر قبل الدخول في معركة طائشة يضيع معها الماء. ثم استدرك قائلاً ولكنّ الحربَ إلغاء للعقل فكيف ستكون المعركة صائبة؟ ثم قال: يجب علي قتلهما وليس مهماً بالغدر أو بالحيلة.علي هذا قال لرفيقيه: ـ ما رأيكما لو تقاسمنا ما في الكأس؟ ونظرا إليه مشككين مكذبين ثم قال الطويل منهما:ـ وما أدراني أنك صادق؟ وأردف الثالث قائلاً:ـ حتي لو اتفقنا علي الماء فلن نتفق علي الفتاة، فماذا تقول هل تدع لنا الفتاة وتأخذ نصيبك منه؟. كانوا جميعاً مرهقين، ومن بين التعب قال لرفيقيه:ـ هذا محال. ورد الطويل معنفاً:ـ ولماذا؟ أتريد أن تستأثر بها وحدك؟ هذا لن يكون أبداً. عند هذا الحد شعر بأن الحيلـة لن توفر له الفرصـة المناسبة، لأن التعـب بلغ منه الغاية ومن صاحبيه. إنهم الآن أشبه بالموتي، ولن يحصل أي منهم علي نقطة منه، ولا علي الفتاة أيضاً. صاحباه كذلك أدركا أنهما لن يحصلا علي شيء، وأن المعركة خاسرة. كل هذا جري أمام السجّان الذي اتخذ منهم ركناً قصياّ مظللاً، وبارداً، ينظر إليهم مشمولاً بالسعادة، وممنوعاً منهم لا يصلون إليه مهما خططوا لذلك. قال لهم:ـ أنتم تنسون الشرط.ورد مصطفي:ـ أي شرط؟ ـ تدخلون في عراك، والغالب يحصل علي الكأس؟. وهنا دفع إليهم ثلاث سكاكين، وتابع بلهجـة آمرة: ـ ليحمل كل منكم سكينه، وليجهز علي الآخر، هيا.بدورهم حسموا المسألة، فالحياة ثمينة، ولن يتهيأ لهم الحصول عليها، بغير ما أراد السجّان الذي يتحكم بحركة ما يتنازعون عليه. كان الثلاثة عبارة عن جثامين صرعي من شدّة الحر والعطش. دبّ الوهن في عروقهم، ثم تركهم للشمس تفتك بالبقية الباقية من روحهم. غير أن رؤية الماء المثلج والفتاة التي ما تلبث أن تغيب حتي تظهر ثانية في حلّة جميلة دفعت بالرجال الثلاثة إلي أن يستمدوا منها روحاً جديدة، روحاً من الشيطان، فوثبوا علي بعضهم بالسكاكين. كانوا جثثاً تتحرك بالرغبة المتوحشة بالحياة. وبرغم الإعياء الشديد الذي انتهوا إليه، فقد تحفّز كل منهم للانقضاض علي الآخر. واستطاع مصطفي أن يغافل الطويل، فدفع إليه بطعنة أصابت القلب فاختلج قليلاً ثم مات. وهنـا قال القصير:ـ ما رأيك أن تدعني وأترك لك الماء والفتاة معاً؟ بلغ منهما العطش كل مبلغ، وانهارا علي الأرض جوعاً وعطشاً وإرهاقاً. الحر من فوقهما اخترق الجلد فتقيحت جروحهما، كانا يصرخان من الألم، ويتلويان. أثناء ذلك بادر القصير إلي سكّينه يريد الغدر بمصطفي، غير أن هذا ومن بين تعبه، ومن بين الوهج الذي يحرق العيون استرق النظر إليه فانتبه في اللحظة الأخيرة وغرس سكينه في بطن القصير.انقلب مصطفي علي ظهره ودخل في غفوة برغم الإعياء والعطش. وبينما هو كذلك تجلت له أنثاه بدراً ينثني ويميد علي إيقاع إعيائه وعطشه. مدّ إليها يديه فلامس خصرها، لحظتها نسي عطشه وانتهي إلي حال من الوجد، مسّه سناه مسّاً رقيقاً، ثم ارتفع محلّقاً عالياً، ضاماً أنثاه التي حاول تقبيلها وقبل أن يفعل صحا فإذا به وحده في عـراء الساحة. مات صاحباه، واختفي السجّان. نظر إلي أعلي فلم يجد للماء أثراً، وإلي أسفل فوجد الأرض يغلي أديمها. حاول النهوض فلم يفلح، ثم ارتمي إلي جانب رفيقيه… قاص من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية