الهلوكوست.. واشكالية الحقيقة:

حجم الخط
0

الهلوكوست.. واشكالية الحقيقة:

رد الاعتبار لضحايا الهلوكوست لا يتم أبدا إلا من خلال الاعتراف الحقيقي بضحايا الهلوكوست الثاني ـ الفلسطينيالخطاب العربي سطحي يعطي إسرائيل مبررا للهجوم.. والاعتراف بما حدث يجردها من احتكارها الأخلاقي للمحرقةالهلوكوست.. واشكالية الحقيقة:نائل بلعاوييكتب التاريخ، في اكثر الاحيان، مرتين، مرة كما يراه المنتصر، صاحب اللحظة والحقيقة معا. ومرة كما يحلم به المهزوم.لتصبح (الحقيقة) بذلك، وعلي يدي المنتصر كما المهزوم ايضا هي الغائب الوحيد عن اللحظة التاريخية موضع النزاع، ويصبح الباحث عنها، كالباحث عن الابرة اياها في كومة القش الشهيرة.التاريخ الذي يكتب مرتين ومرات عديدة احيانا اخري، والحوادث التي تروي باشكال ودوافع مختلفة راسمة اهدافها المتباينة عبر ذلك، اضافة للمصالح التي تخلقها الاحداث ذاتها، سوف تلتقي جميع العناصر المذكورة هذه لتبني معا حائطا عاليا يلتف من حول الحقيقة التاريخية المستهدفة.لن تقفز هذه السطور من علي ذلك الحائط العالي، ولن تستطيع. فكل ما يمكن فعله الان، عند تناول مثل هذه الموضوعة الاشكالية، هلوكوست هو النظر عبر تلك الشقوق الصغيرة التي حفرتها العديد من الايدي والاقلام في واجهة ذلك الحائط حيث تتاح، ضمن شروط الحد الادني، فرصة النظر الي ما اختفي من وقائع هناك، مع التأكيد هنا علي ان التاريخ بشكل عام هو حامل طبيعي لدوافع نسبية، اليس كل شيء، في نهاية المطاف، نسبيا بالضرورة؟ والحقيقة كذلك؟ الهولوكست من بابه الواسع، ذلك المعمد بالدم واوجاع الضحايا، اخذ التاريخ الي حضنه الكبير، في النصف الاول من القرن العشرين، ذلك الحدث الشهير هلوكوست، جاعلا من هذه المفردة اللاتينية القديمة (هولوكست = ضحايا الحريق) عنوانا مسجلا ومحتكرا بشكل نهائي لسيرة الاضطهاد التي مرت بها الاقليات اليهودية في اوطانها الاوروبية بين الاعوام 1939 ـ 1945 والتي وصلت ذروتها الحقيقية في معسكرات الاعتقال الجماعي التي اقامتها القوات الالمانية النازية في مختلف البلدان التي وقعت تحت سيطرتها. وكان اوشفتيز ـ بولندا واحدا من اكثر تلك المعسكرات شهرة وعنفا، فهناك ظهرت لاول مرة غرف الغاز وافران الحريق التي تفتقت عنهما العقلية النازية خلال بحثها المحموم عن حل نهائي للمسألة اليهودية ومن هناك، انتقلت الفكرة الجهنمية الي العديد من معسكرات الاعتقال الاخري. ومن هناك ايضا، عرفت البشرية لاول مرة حقيقة الجرائم التي ارتكبها النازيون.. اي جنون هذا.. لقد احرقوا الناس في هذه الافران . بهذه الكلمات نطق الضابط الروسي عند دخوله اوشفيتز قائدا لمجموعة صغيرة من قوات الجيش الاحمر لتحرير السجناء.وبمثل هذه الكلمات تقريبا انتهت الجلسة الاخيرة من محاكمات نورنبيرغ الشهيرة 1945 ـ 1946: معسكرات الاعتقال هذه والافران التي احرقتم الناس فيها، ما هي الا تعبير صريح عن طبيعة نظامكم العنصري .وكانت الكلمات الاخيرة اعلاه والتي جاءت يومها علي لسان رئيس القضاة في نورنبيرغ قد طارت في اليوم التالي الي رؤوس الصفحات الاولي في الصحف الاوروبية والامريكية الكبري، لتبدأ من هناك رحلتها نحو الاستقرار النهائي في وسائل الاعلام وفي لغة الخطاب اليومي، كما في الادب وانواع الفنون الاخري، ثم، وهذا هو الاهم، في الوعي الجمعي لسكان المعمورة آنذاك، وفي الذاكرة الجماعية لسكانها اليوم.لقد اصبحت مفردات: غرف الغاز والافران التي تحرق فيها جثث الضحايا لازمة ثابتة لكل حديث او بحث او عمل ادبي متعلق بحقبة الاضطهاد تلك، حتي ان الحديث عن الحرب العالمية الثانية برمتها، لا يستقيم، وفقا لذلك المنطق، الا بالاعلان عن ان (المحرقة) هي الفصل الاساسي من تلك الحرب، وان المحرقة هذه هي واقعة خاصة باليهود دون غيرهم.تتفق غالبية المصادر علي حقيقة ما جري لليهود تحت الحكم النازي فهناك العديد العديد من الادلة التي تؤكد صحة وقائع القتل الجماعي التي ارتكبها النازيون في معسكراتهم. وهناك ارث كبير من الصور والوثائق والاعترافات والافلام السينمائية تركه الالمان اثر سقوط دولتهم. وكان قضاة المحكمة في نورنبيرغ قد شاهدوا العشرات من الافلام السينمائية التي صورت داخل معسكرات الاعتقال من قبل وحدة الارشيف الالمانية التابعة لوزارة الدعاية التي ترأسها دائما الوزير الشهير زيوسف غويبل ، وكانت الافلام المذكورة قد عرضت دون مواربة او خجل مشاهد بشعة لعمليات التصفية الجسدية لنزلاء المعتقلات، برصاص الجنود احيانا، او من خلال الشنق بالحبال احيانا اخري.. (لا توجد مشاهد سينمائية لعمليات ادخال الضحايا الي غرف الغاز واو اخراجهم جثثا منها، ولا لعمليات احراق الجثث تلك في الافران المخصصة لذلك).اضافة للافلام السينمائية تلك، استمع قضاة نورنبيرغ الي عشرات الافادات التي تقدم بها الناجون من معسكرات الاعتقال (يهودا وغير يهود)، وكانت افادتهم جميعا تؤكد علي ان القمع الجسدي هو جزء يومي من برنامج الاعتقال الذي عادة ما ينتهي في تلك الغرف الاسمنتية المربعة التي يدخلون الناس اليها ولا نعود نراهم ابدا .الغرف الاسمنتية المربعة تلك، هي غرف الغاز، كما ستعرف المحكمة يومها وتعرف البشرية لاحقا. والضحايا هم من اليهود بنسب كبيرة، اضاف لاعداد غفيرة من المعارضين السياسيين الالمان واعضاء من فرق المقاومة في الدول المحتلة، والغجر من الدول ذاتها وبعض المثقفين والمثليين الجنسيين. فالنظام الشمولي، عسكري المنطق والسلوك، الذي بناه النازيون لم يميز في اسباب القمع بين يهودي او غجري، بين شيوعي او مثقف يساري، او بين معارض الماني او مقاوم تشيكي. فالاخر، الذي تستهدفه آلة القمع هو كل معارض لذلك النظام ورافض لوجوده، مع التأكيد هنا علي ان نظرية ـ التفوق العرقي ـ التي شكلت رافدا فكريا هاما للفلسفة والدولة النازيتين، قد لعبتا الدور الاساسي في تأجيج عمليات القمع ضد الاقليات كما حدث فعلا تجاه الغجر واليهود الذين جاء ترتيبهم العرقي وفقا لتلك النظرية في مراتب دنيا، وكان ادولف هتلر (1889 ـ 1945) صاحب تلك النظرية قد ضمن كتابه الشهير كفاحي قائمته للترتيب العرقي والتي يجيء فيها العرب (من باب التذكير فقط) في مرتبة اكثر سوءا من جيرانهم اليهود والغجر وافضل قليلا من اخوانهم الافارقة! صاحب كفاحي يصبح رئيسابعد اقل من عقد واحد علي صدور كفاحي 1924 سوف يتمكن صاحب الكتاب نفسه ادولف هتلر، وعلي اثر انتخابه مستشارا لالمانيا في 30 كانون الثاني (يناير) 1933 من وضع نظريته سيئة الذكر موضع التنفيذ، لتبدأ من هناك رحلة العذاب لمواطني القارة العجوز، ثم لاجزاء اخري عديدة من العالم، تلك الرحلة التي انتهت بسقوط الملايين من الضحايا، سقط بعضهم علي جبهات القتال. واعدم بعضهم في السجون ومعسكرات الاعتقال ومات بعضهم الاخر خنقا بتأثير الغازات السامة التي رشحت بها غرف الغاز في اوشفيتز وماوتهاوزن وغيرهم، وكان لليهود النصيب الاكبر من طريقة الموت الاخيرة هذه حاملة الاسم الشهير: هلوكوست. اوروبا والهلوكوست حين بدأت اوروبا تخرج من دمارها الشامل بعد عام 1945، علي اثر سقوط النظام النازي في برلين واعلان الحلفاء عن نهاية الحرب العالمية الثانية في 8 ايار (مايو) من تلك السنة، كان الدمار الاخلاقي الذي احدثته الحرب قد حفر عميقا في الذات الاوروبية العائدة لتوها من رحلة الموت الطويلة، والباحثة في الوقت ذاته عن اجوبة ممكنة للعديد من الاسئلة الصعبة، والتي ليس اقلها سؤال الضمير الذي راح يطرح منذ نهاية الحرب وحتي يومنا هذا: كيف سمحنا لزعيم الحزب الوطني الاشتراكي ادولف هتلر بفرض الحرب علي القارة والعالم؟ كيف سمحنا لذلك النظام العنصري بارتكاب مجازر جماعية ضد مواطنينا من رعايا الاقليات؟كيف هبطنا من علياء المبادئ التي جاءت بها الثورة الفرنسية، الي الانحطاط الفكري الذي انتج الهلوكوست؟! وكيف وكيف.. وعشرات الـ لماذا الاخري التي ادت الي صدور مئات الكتب والمراجعات النقدية ناهيك عن الناتج الفني بفروعه المختلفة، والتي انشغلت جميعها بسؤال الضمير ذاك، لتنتهي غالبا، الي الاجابات، او الحلول ذاتها، والتي يمكن اختصارها في النقاط التالية:1 ـ دراسة اسباب الحرب والنتائج التي افرزتها، بمنهج نقدي شديد الصرامة والشفافية في آن، يطمح به ومن خلاله في الوصول الي شكل من اشكال التصالح مع الذات والتاريخ، من ناحية، وتعميق مباديء السلام، داخل حدود القارة، بحيث يغلق الباب امام امكانية العودة الي الحرب، وبشكل نهائي، من ناحية ثانية.2 ـ اعلان مبدأ الاعتراف بالخطيئة، حين يتعلق الامر بمراجعة ملف الهلوكوست تحديدا. كوسيلة لاستعادة الطمأنينة المفقودة للذات الجماعية الرازحة تحت وطأة الاحساس الثقيل بعقدة الذنب. وبناء جسور جديدة، عبر الجلد الدائم للذات، مع الاخر.تنوعت الطرق التي جلدت بها اوروبا ذاتها، وتوزعت لتشمل كافة ميادين الناتج الانساني، فهي ثقافية تبدأ من الشعر والرواية ولا تتوقف عند حدود الرسم والمسرح او الموسيقي والسينما.وهي سياسة تعكس احساسها بالذنب من خلال قرارات احزابها الحاكمة المتعلقة بتسيير شؤون رعاياها اليهود: توفير الحد الاقصي من وسائل الراحة القانونية والاجتماعية للتنظيمات اليهودية المدافعة عن اسرئيل، او تلك التي تدور في فلكها. وتسهيل شروط الاقامة والعمل امام الوافدين اليهود، وعلي اختلاف منابتهم .اما علي صعيد السياسة الخارجية لتلك الاحزاب فان علاقة الود الراسخة مع اسرائيل منذ قيامها في عام 1948 وحتي اليوم، فهي المثال الساطع علي طبيعة تلك السياسة. ويمكن لأي قاريء لهذه السطور ان يعدد بشكل تلقائي عشرات الامثلة عن علاقة الود التاريخية تلك.جلد الذات الثقافي والسياسي رافقه بالطبع جلد ذات اقتصادي لا يرحم، فاوروبا التي نهضت من رماد الحرب بسرعة مثيرة، وحققت فورتها الاقتصادية العجيبة مع مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت منذ ذلك الوقت، وعلي الفور، في التكفير عن ذنوبها ماديا من خلال الدعم غير المحدود لاسرائيل، والتي اصبحت مع الوقت، المستفيد الاول من خيرات القارة في الخارج، واصبحت التنظيمات المذكورة اعلاه والرعايا اليهود من كبار المستفيدين من خيراتها في الداخل قروض بلا فوائد. وتعويضات كبيرة ولهذه القصة ايضا يمكن استحضار العشرات من الامثلة. التي لا يتسع المجال لذكرها الان.ربما نجحت اوروبا في تحقيق بعض الغايات المذكورة في النقاط اعلاه، فقد تمكنت، علي سبيل المثال، من منع الحروب علي اراضيها (اوروبا الغربية تحديدا) واصبح السلام قناعة وسلوكا، هو خيارها الوحيد للخروج من ازماتها الداخلية، كما تمكنت من زرع الهلوكوست، كحدث مقدس غير قابل للمس او النقاش، في صلب ناتجها الفكري والثقافي.ولكنها اخفقت ايضا علي صعيد اخر، علي ذلك الصعيد الذي يمس روح رسالتها الانسانية مباشرة، فأوروبا التي اخذت بمباديء الاعتراف بالذنب، وعملت علي تعميقها في وجدانها العام، لم تكن تدرك.. او لا تريد ان تدرك ان ابناء الضحايا واقاربهم الذين قدر لهم الهروب من المصيدة النازية، قد شرعوا علي الفور بالمشاركة في صناعة هلوكوست جديد ضد الشعب الفلسطيني، في بلاده البعيدة عن اوشفيتز وماوتهاوزن وغيرهما.ظلت اوروبا لا تدرك ولا تريد ان تدرك ان قيام اسرائيل في تلك الايام من عام 1948 كان ممكنا فقط، من خلال جهودها، هي، في قمع رعاياها اليهود وتشريد من بقي منهم علي قيد الحياة، ليصبح الهلوكوست الاول سببا حقيقيا ومباشرا للهلوكوست الثاني، فلولا بشاعة الاول لما كانت لفجائع الثاني ان تصبح واقعا يوميا ندفع ضريبته العالية منذ ستة عقود.استمرت حالة عدم الادراك تلك، او الرغبة بها، قائمة بشكل او بآخر حتي عام 1967، حين بدأ العمل الفلسطيني المسلح بالانتشار فعليا علي اثر الهزيمة، فاتحا الطريق امام العمل السياسي الذي تعمد بوقوف الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات امام الجمعية العامة للامم المتحدة في عام 1974 ليلقي خطابه الشهير.من هناك، وكنتيجة فعلية للعمل المشترك.. العسكري والسياسي، راحت التراجيديا الفلسطينية تفرض نفسها وتفاصيلها، مرغمة الضمير الاوروبي علي التعاطي معها، من بعيد اولا، قبل ان يشرع شيئا فشيئا بالاستماع الي نبضها الداخلي، ليجد نفسه.. ذلك الضمير المزين بشعارات لا حدود لها حول حقوق الانسان، متورطا في ازمة مزدوجة، فهو المسؤول فعليا واخلاقيا عن الهلوكوست الاول، وهو المسؤول اخلاقيا ومنطقيا عن الهلوكوست الثاني، وعليه الخروج من المأزق.. فكيف؟ معتمدة علي ضعف الجبهة العربية، السياسي والثقافي والعسكري ايضا، اختارت اوروبا حلا بسيطا للخروج من مأزقها الاخلاقي، يتمثل باغلاق الباب امام حقائق الهلوكوست الفلسطيني، وابعاده عن حسابات الضمير اياها، وذلك مقابل الحفاظ علي ذلك الباب مشرعا كما هو، امام مطارق الهلوكوست الاول وعذابات الضمير التي انتجها.صحيح ان العذاب الفلسطيني قد ادي ببعض الكتاب والمثقفين في اوروبا للوقوف الي جانب القضية الفلسطينية. وصحيح ان العنف الاسرائيلي يدفع ببعض قادة الدول الاوروبية لتوجيه انتقادات خجولة لاسرائيل، بين الحين والاخر. ولكن الصحيح ايضا وايضا هو ان قدسية الهلوكوست ما زالت تقف بشكل غير منطقي امام البحث عن حل عادل لضحايا الهلوكوست الثاني، وما تهمة معاداة السامية التي يقذفها الاعلام الاوروبي، عالي السطوة، في وجه كل منتقد لسياسة اسرائيل سياسة اسرائيل فقط وليس معتقداتها الدينية او هوياتها العرقية، سوي دليل بسيط علي عمق الهوة بين اوروبا رقيقة القلب ولسلوك تجاه ضحايا الهلوكوست، وغليظة القلب والسلوك تجاه ضحايا الهلوكوست الثاني ليصبح منطق القوة، والمال هذا، هو الاداة الوحيدة الممكنة لتفسير هذا الكيل الفج بمكيالين؟!منطق القوة هذا، والذي تسبب بحروب كونية وعذابات انسانية لا حصر لها، يجعل من السؤال حول حقيقة عقدة الذنب الاوروبية هذه وعذابات الضمير برمتها، مشروعا؟ فهل يعقل ان ينقسم الضمير الانساني الي معسكرين، يقبل احدهما بالضحية الاولي، ويقدس مرورها في التاريخ، ويرفض في الوقت ذاته حقيقة وجود الضحية الثانية.. وجودها الفعلي حاليا.. ويستريح بذلك؟!هل كذبت اوروبا علي نفسها وعلينا، وعلي راهب التاريخ الذي اعترفت امامه بذنوبها؟!هل كانت عقدة الذنب هذه، وتداعياتها التي نجلد بها صباح مساء مجرد خديعة سياسية، لا نعرف ماذا تريد، او الي اين ستقود؟الا يبدو الضمير الاوروبي، وذلك المقدس هو الاخر، مسؤولا اليوم كما كان بين الاعوام 1933 ـ 1945 عن العديد من الاسئلة الشائكة التي تمثل القضية الفلسطينية الان اهمها دون ادني شك؟إسرائيل والهلوكوستنادرة للغاية هي الامثلة التي نقلها التاريخ الانساني المكتوب عن علاقة استغلال ممنهجة للفجائع البشرية، كما هو حال العلاقة بين اسرائيل والهلوكوست. ونادرة ايضا اخبار المجاعات السكانية الصغيرة التي تمكن من تحويل الضحايا الي مشاريع اقتصادية وثقافية واخلاقية كبري، كما فعلت الجماعات الصغيرة التي شكلت منها اسرائيل، كما ان التاريخ المكتوب ذاك لم يخصص لضحية دون غيرها، موقعا مميزا ومحظورا يشبه المكانة والمزايا الخاصة التي تحاول اسرائيل فرضها علي ضحايا الهلوكوست، في الوقت الذي تناست فيه البشرية، او تكاد، مزايا وخصوصيات الضحايا الاخرين، الذين لم يكن الهنود الحمر في امريكا اولهم، ولم يكن الارمن الذين تعرضوا للابادة علي أيدي الدولة التركية اخرهم؟!علي ثلاثة اصعدة مركزية، لا يقل احدها اهمية عن الاخر، استفادت اسرائيل، والي الحد الاقصي، من حكاية الهلوكوست:1 ـ رفد الهلوكوست، بما هو مشروع ابادة وتشريد، الوجود اليهودي في فلسطين بعشرات الالاف من القادمين الجدد الذين ارغموا، وبطرق مختلفة، علي الفرار من ديارهم الاوروبية. فأمام قمع الدولة النازية الشديد من ناحية، وسياسة بث الرعب التي مارستها المنظمات الصهيونية الناشطة انذاك من ناحية ثانية، لم يعد امام اليهودي العادي (غير الصهيوني) من خيار اخر سوي الفرار، بحثا عن وجهة جديدة آمنة، كانت فلسطين، التي جعلت المنظمات الصهيونية، علي توجيه الهجرة اليها، احداها.شكل الهلوكوست مصدرا حيويا للطاقة البشرية استعانت به المنظمات الصهيونية العاملة انذاك في فلسطين علي الشروع ببناء وطنها المزعوم.كما استعانت به ومن وحيه الدولة العبرية، لاحقا، في رفد قوتها السكانية بدماء جديدة، وما زال الهلوكوست يلعب، وحتي يومنا هذا دورا نفسيا كبيرا في احداث حالة من الشرخ بين اليهودي وعلاقته، غير السوية تماما، اصلا بوطنه الاوروبي الام، الذي يدفع، بتأثير ذلك العامل النفسي، الي جانب مؤثرات عديدة اخري (اقتصادية علي الاغلب)، الي تركه والهجرة الي اسرائيل، حيث الامن والامان والرخاء الاقتصادي الموعود، في حضن القبيلة هناك؟!2 ـ مثل بقرة مقدسة، دائمة القدرة علي العطاء، تحول الهلوكوست علي أيدي الدولة العبرية والمنظمات الصهيونية المنتشرة في ارجاء الارض، فهو مصدر اقتصادي من طراز خاص ورفيع، وهو البضاعة المحملة دائما بجاذبية سحرية لا ترفض او ترد، ولا يراد لها ان تتلف ابدا.باعت اسرئيل ومنظماتها الصهيونية العديدة، بضاعة الهلوكوست علي شكل اتفاقيات تعويض كبيرة، كانت المانيا ولا تزال هي الطرف الاساسي فيها، فهي الدولة التي تسبب نظامها النازي القديم بوقوع الكارثة. وهي، لحسن حظ اسرائيل، الدولة التي تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير، لن تضعفه بحال بنود التعويض التالية:ـ دفعت المانيا دية عن كل ضحية من ضحايا الهلوكوست الذين اتفق علي ان عددهم هو ستة ملايين انسان.ـ دفعت المانيا تعويضات سخية عن الممتلكات اليهودية (عقارات، مصانع، عيادات، الخ) التي صودرت في العهد النازي. كما دفعت تعويضات تقديرية عن فترة استغلال تلك الممتلكات (تشغيل العقارات والمصانع.. الخ) في ذلك العهد.ـ دفعت المانيا تعويضات عن استغلال الايدي العاملة اليهودية (عمال السخرة) التي استخدمتها الدولة النازية في مشاريعها العديدة والمتنوعة (مصانع الاسلحة بشكل خاص)، بدون مقابل.ـ قامت المانيا ببناء العشرات من المشاريع الاقتصادية التي تعود خيراتها علي ورثة الضحايا داخل اسرائيل. كما تقدم المانيا، وفقا لسياق التعويضات هذا، مساعدات سنوية سخية لاسرائيل.اتفاق التعويض الالماني ـ الاسرائيلي اعلاه، تبعه اتفاق نمساوي ـ اسرائيلي، تعهدت بموجبه النمسا، وبصفتها الشريك الاساسي لالمانيا في الجريمة، بتنفيذ كافة البنود التي وافقت عليها جارتها الالمانية، وقد التزمت النمسا ولا تزال بتلك البنود سابقة الذكر.اما الدول الاوروبية الأخري فقد التزمت من جانبها بالبند الثاني من الاتفاقيات، حيث قامت بدفع تعويضات عن مرحلة استغلال الممتلكات اليهودية، في ظل غياب اصحابها ابان سنوات الحرب.علي الجانب الاخر من المحيط، داخل الولايات المتحدة الامريكية تحديدا، تمكنت المنظمات الصهيونية من تحويل الهلوكوست الي صناعة حقيقية علي حد تعبير الكاتب اليهودي الامريكي (نورمان فنكلشتاين) تمتد سطوتها الي حقول عديدة، ليس اولها صناعة السينما، وليس اخرها مراكز جمع التبرعات التي تفعل فعلها المؤثر هناك.نحن نعرف ان هوليوود لاعب اساسي في الدورة الاقتصادية للولايات المتحدة، ومشارك فعال في بناء الرأي العام الامريكي وبلورة مواقفه حول قضايا العالم الخارجي، الي جانب كونها مركزا استثماريا ضخما لرجال الاعمال اليهود الذين يتمتعون بنفوذ مالي وفكري كبير داخلها.اعتمدت هوليوود هذه وبصورة مستمرة علي وقائع الهلوكوست كمصدر لا ينضب لانتاج القصص واعادة انتاجها او تأويلها احيانا، فقامت باخراج العشرات من الافلام الخاصة بالكارثة، او المستمدة من روحها، والتي اعتمدت دائما حبكة واحدة تبدأ عادة من تسليط الضوء علي براءة الضحية وعمق نبالتها، لتنتهي غالبا، عند تحول ورثة الضحية تلك الي ابطال جدد، لهم القدرة علي رد الاعتبار للضحايا وتخليدهم بالنصب التذكارية مرة، والتحذيرية مرات اخري. في حين غابت وتغيب الي الان عن تلك الافلام صورة الضحايا الجدد، الذين يبني الورثة في اسرائيل انصابهم ومعابدهم المقدسة فوق اراضيهم المغتصبة.الي جانب هوليوود يحتل الهلوكوست موقعا هاما في وسائل الاعلام الامريكية المختلفة (هي الاخري تلعب دورا هاما في الدورة الاقتصادية من جهة، وفي صناعة الرأي العام من جهة ثانية)، فالهلوكوست مبرر هام، بالنسبة لتلك الوسائل الاعلامية، للدفاع عن اسباب قيام الدولة العبرية: حاجة الضحايا لبيت آمن ـ والدفاع عن سياساتها غير الانسانية تجاه الفلسطينيين بمنطق: حماية ذلك البيت من وحشية البرابرة . كما ان هناك دورا خاصا يقوم به الاعلام الامريكي في عملية جلب المزيد من الدعم المادي لصالح اسرائيل المهددة بخطر الفناء من خلال البرامج الدعائية والسياحية وحملات جمع التبرعات، الي جانب الكثير الكثير من الوسائل المختلفة التي تصب مجتمعة في خانة دعم الدولة العبرية من جهة، والتأثير المباشر علي صانعي القرار السياسي في الادارة الامريكية، من جهة ثانية.لقد نجحت اسرائيل في تحويل الهلوكوست الي وسيلة انتاج شديدة النفع، وعرفت كيف تحافظ علي تلك الوسيلة السحرية كمصدر مالي عظيم، لعب دوا حاسما في مد الدولة العبرية، ابان ولادتها تحديدا، بالقدرة علي الوقوف، ثم ساعدها علي الاستمرار.3 ـ ارتبط النجاح الذي حققته اسرائيل علي الصعيدين المذكورين اعلاه ارتباطا عضويا بحزمة شائكة من الركائز الثقافية والفكرية ذات الطابع الاخلاقي، والتي اصبحت مع الوقت وحسن العناية دستورا مقدسا تشرعن به الدولة العبرية اسباب وجودها ومنطقها العنيف، محولة الهلوكوست من حدث مأساوي كبير ومؤلم، الي ايديولوجيا دولة، لا يتواني البعض، الاسرائيلي واليهودي الاوروبي او الامريكي، عن رفعها لمراتب العقيدة، الي توراة حديثة، صنعوا لها ما للمقدس من خشية وحضور، وجعلوا لها ما للمقدس من فروض الطاعة، ولها، كما للمقدس اولا واخيرا، القدرة والحق علي الوعظ وتقديم الدروس الاخلاقية القاطعة والملزمة في آن.كان الدرس الاخلاقي الجوهري الذي حبكته اسرائيل من وحي الهلوكوست هو: تحريم النظر الي اغتصابها فلسطين، الا من وجهة نظر واحدة. تلك التي تري فيها، بما هي الوريثة الشرعية الوحيدة للضحايا، تجسيدا لحق اولئك الملايين الستة، في الدفاع عن اسباب خلودهم شبه الاسطوري، وفي حق ورثتهم في البحث عن مكان آمن لا تهدده مخاطر نازية، او معسكرات اعتقال جديدة.تغلغل هذا الدرس الاخلاقي الحديدي، الذي رافق قيام الدولة في عام 1998، في جميع ميادين الانتاج الثقافي الاسرائيلي، واصبح مع مرور الوقت وتوفر العوامل المساعدة ليس مجرد وجه سافر وجوهري لتلك الثقافة بل شكلا من اشكال الفلسفة المتكاملة للحياة وفنون البقاء علي قيدها ايضا.وكانت الفلسفة تلك، وهي الحافلة بالمتناقضات والهشة من الداخل، قد اكتسبت مدا معنويا هائلا، بوقوف، ثقافة عقدة الذنب الاوروبية الي جانبها، ليشكلا معا قلعة فكرية غارقة في المحرمات والمقدسات واسباب العقاب. هذا، ناهيك عن الثقة الاسرائيلية العمياء بالنفس، الثقة التي اكتسبت من وحيها، ومن وحي حقيقة الانتصارات التي حققتها الدولة العبرية في صراعها حروبها مع محيطها العربي.ادارت اسرائيل اذن كارثة الهلوكوست بمهارة وحرفة عاليتين فقد تمكنت المنظمات والعصابات الصهيونية من توجيه خطر الهجرة اليهودي الاوروبي 1933 ـ 1945 نحو فلسطين، فتقوي وضعها الديمغرافي هناك، ثم نجحت الدولة في توظيف الهلوكوست اقتصاديا وجني ربحا عظيما من وراء ذلك، ولكن الصهيونية اخفقت ايضا، في الميدان ذاته الذي اخفقت فيه اوروبا حين وظفت حسها الانساني الجمعي في خدمة الهلوكوست وجمدته حين تعلق الامر بمأساة الفلسطينيين.كان لا بد لاسرائيل، بما هي قوة اقتلاع وقوة اغتصاب كثيفتين، ان تخفق اخلاقيا وفكريا في جعل الهلوكوست سببا لقيامها هي، فلا رابط منطقيا او اخلاقيا يجمع طرفي الكارثتين، الا ذلك الرابط الانساني العادي الذي يجعل من فلسطين، حتي في عام 1945، ملاذا آمنا لمجموعة بشرية تتعرض للاضطهاد، وما عدا ذلك، هو مجرد احتيال مرعب علي جوهر المعاناة الانسانية التي يتم تحويلها، اعتباطا، الي سبب مباشر لخلق معاناة انسانية جديدة.لقد قامرت اسرائيل بعظام الملايين الستة الذين ورثتهم بأثر رجعي، وحولتهم الي احجار اساس لـ مشروعها الوطني ، وراحت تمارس دور الرقيب والمحاسب لكل وجهة نظر تخالف وجهة نظرها المذكورة اعلاه. ولم تعِ اسرائيل فداحة الخسائر التي تسببها هي ذاتها لضحايا الهلوكوست. ولم تع ان وجودها ذاته هو النقيض تماما لحق الضحايا في الكرامة والخلود، وان سياستها ومنطقها القائمين علي ضرورة الغاء الاخر يشكلان تدنيسا لتلك الارواح التي ازهقت في الغرف الاسمنتية المربعة . ولم تع اسرائيل، مرة اخري واخري، ان الوقوف الاخلاقي الي جانب الضحية هو فعل مطلق، متكامل، وهو لا يقبل التفرقة. وان الوقوف الي جانب ضحايا الهلوكوست هو وقوف اجباري ضد الفكر العنصري الذي تسبب بسقوطهم، وهذا الفكر العنصري، هذا الكم الهائل من القدرة علي البطش، وهذه الرغبة بنفي الاخر ـ الفلسطيني، هما من ابرز السمات التي تميز المشروع الاسرائيلي في فلسطين.فأي مشروع اضطهاد، اي مشروع لالغاء الاخر هو حامل بالضرورة لتلك السمات العنصرية، وهو بالضرورة مجرد استعادة واستحضار للمشروع النازي ذاته، لتكون اسرائيل والحال هي، قد ورثت الي جانب وراثتها المريبة لضحايا الهلوكوست، دوافع الاضطهاد النازية ذاتها، والتي شرعت بتنفيذها منذ عام 1948 وعلي أكمل وجه. العرب والهلوكوست حين بدأت ملامح هذه المادة تتشكل الي حد ما في ذهني، رحت افتش علي الفور عن مراجع عربية، كتب او مقالات، يشكل الهلوكوست موضوعها المركزي، فلم اجد الا القليل، القليل الذي لا يتمتع بقيمة دراسية او توثيقية، ولا يشكل في النهاية مرجعا يعتد به. وقد كان بحثي عن تلك المراجع مضادا لمعرفتي شبه اليقينة بلا جدوي البحث اصلا، فلا يوجد شيء كثير او مصير خاص بالهلوكوست لأعثر عليه في حقل الثقافة العربية الواسع.كنت ابحث عما هو غائب، فتوقفت مكتفيا بما لدي من معلومات متواضعة حول موقف العرب وثقافتهم من موضوعة الهلوكوست، معتبرا، في الوقت ذاته، تلك الكتب والمقالات التي ظهرت في العالم العربي، علي قلتها وتواضعها، ممثلا صادقا لموقف العرب من المحرقة.كما انها حاملة لاشارات صريحة تدل علي عمق العلاقة الاشكالية بين الثقافة العربية بمختلف فروعها والهلوكوست بوجوهه المتعددة.اذا كان غياب الهلوكوست، موضوعا وبحثا، عن حقول الثقافة العربية، هو التجلي الاول للعلاقة الاشكالية تلك، فقد خلق ذلك الغياب المتعمد فراغا معرفيا انتهج بدوره عددا من المواقف الفكرية والسياسية النزقة والحاملة لردود فعل سطحية قادت مع الوقت الي تبين وجهات النظر التالية:1 ـ إنكار الهلوكوست:انسجاما مع نظرية المؤامرة اليهودية العالمية تميل طائفة كبيرة من العرب، تمثلهم الثقافة والمواقف السياسية، الي اعتبار الهلوكوست مجرد فكرة خبيثة للصهيونية العالمية التي اوجدتها واكسبتها حضورها الواقعي، ولان الفكرة هي دائما وليدة الخيال فهذا يعني ان الهلوكوست وفقا لذلك هو تخييل صهيوني يراد منه النيل من فلسطين واجتذاب تعاطف العالم مع اليهود، ليس اكثر.2 ـ التشكيك بوقائع الهلوكوست:تعتبر وجهة النظر العربية الثانية، هذه، ان الهلوكوست قد حدث فعلا، ولكنها تعرض في الوقت ذاته انواعا لا حصر لها من التصريف والتحريف، ادت مجتمعة الي تضخيم ارقام الضحايا وصولا الي عددهم الشهير (6 ملايين). وحتي تكتمل النظرة تلك، يسارع اصحابها الي حذف صفر، او صفرين احيانا، من رقم الستة ملايين، ويعلنون صراحة عن تشكيكهم بحقائق غرف الغاز وافران الحريق.3 ـ تأييد المانيا النازية:اذا كانت وجهات النظر الواردة اعلاه، علي الرغم من سطحيتها وابتعادها عن الحقيقة، تدور في فلك الحق في حرية الرأي والتعبير عنه، فإن الرأي القائل بـ نعم للهلوكوست و يستحق اليهود ما حل بهم علي يدي الالمان هو الاخطر بلا شك. فهذا الرأي الذي يعترف بوقوع المحرقة، ينزلق علي الفور في مستنقع الاسباب التي اوجدتها، ليقف بذلك في خندق واحد مع الفكر النازي الاوروبي، قديمه وحديثه، دون النظر الي جوهر ذلك الفكر الذي لا يري في غير المسيحي الابيض سوي مرشح دائم لمحارق جديدة.يدفن الخطاب العربي، بشقيه الشعبي والنخبوي، رأسه في الرمل حين يتعلق الامر بمناقشة الهلوكوست او اتخاذ موقف واضح منه او من تبعاته، معمقا بذلك اسباب الخلاف، او العلاقة الاشكالية بعبارة ادت، مع حدث انساني كبير، ومتيحا في الوقت ذاته الفرصة اكثر فأكثر امام اسرائيل لاستغلال ذلك الحدث بشكل اكبر. فإنكار وقوع الهلوكوست او التشكيك بحجم وقائعه، وصولا الي حد تأييد المانيا النازية هي مجرد آراء ومواقف سطحية لا تقلق اسرائيل (علي اعتبار ان المواقف تلك، في نهاية المطاف، هي تعبير عاطفي عن الرغبة في مقارعة اسرائيل، او رفض التسليم بوجودها، ليس اكثر).فالحقيقة ان المواقف والاراء النزقة تلك تدعم حجة اسرائيل التي تعلن عن وصايتها وحدها علي المأساة، وترث بصرف النظر عن الطريقة حقوقها وضحاياها.كان جديرا بذلك الخطاب العربي ان يبحث لنفسه عن موقف انساني يليق بحجم الثقافة التي يمثلها، وهي، كما يعرف الجميع، ثقافة غنية ومتنوعة، عرفت عبر مراحل نموها وتطورها الكثير من دوافع التسامح والتضامن والقدرة، بين ما عرفت، علي احترام الاخر.كان الاجدي بذلك الخطاب ان يعمل علي كشف الفارق الهائل بين الهلوكوست، بما هو مأساة انسانية عامة تخص الجميع، وبين اسرائيل، بما هي قوة احتلال، حاملة هي ذاتها للكثير من الدوافع النازية التي تسببت بهلوكوست الشعب الفلسطيني، وان الربط العنيف هذا، والذي اصبح منطقيا تماما بين قوة احتلال تتخذ من اليهودية مرجعا وسلاحا لها وبين جماعة يهودية تعرضت للاضطهاد في موطنها الاوروبي، ما هو الا ربط عشوائي، ولعب غير بريء بتاريخ القهر الانساني الذي يراد له ان يصب في سوق صناعة الهلوكوست التي تديرها الدولة العبرية بنجاح باهر، ومما لا شك فيه ان هذا النجاح يستمد بعض مقوماته من عصبية ذلك الخطاب الذي يعلن عنه العرب، وذاك العنصري الذي تعلن عنه الحركات النازية الجديدة في اوروبا والعالم.ان سحب بساط الهلوكوست من تحت اقدام اسرائيل، لا يتم، بأي حال، دون الاقرار الكلي والصريح بحقيقة تلك المأساة. مع ضرورة التأكيد مرة اخري واخري، علي ان نقطة الالتقاء التي تجمع اسرائيل بالهلوكوست تتمثل، وفقط، في قدرة الدولة العبرية علي استغلال الحدث ذاك لصالحها كليا، ثم اعادة انتاجه بشروط وادوات جديدة ضد الشعب الفلسطيني، فهي تستلهم منذ قيامها، والي اجل غير مسمي، جوهر ذلك الفكر النازي، فتجعل فكرة الغاء الاخر، مركزية الحضور والسيطرة، في ذلك الفكر، مركزا لفكرها هي ولسياساتها هي، وموجها لقدراتها علي البطش والغاء الاخر. الإشكالية اشكالية الهلوكوست، او التعاطي معه بعبارة ادق هي في كل ما تقدم. هي في عجز الضمير الاوروبي، بأدوات تعبيره المتنوعة، عن النظر الي المأساة الانسانية بصورتها الكلية غير المجزأة، واصراره، ثقافيا وسياسيا، علي التمييز، وللعقد السادس علي التوالي، بين ضحية كان هو جلادها، وضحية اخري كان هو المسؤول الاول عن دوافع جلدها الحالي.كما ان اشكالية الهلوكوست، عربيا، هي في عصبية الخطاب الذي تناوله وعجزه عن استيعاب الخط الاحمر الفاصل بين ضحايا المحرقة وجرائم اسرائيل، وعدم قدرته بالتالي علي الارتقاء بادوات الصراع الفكري مع الدولة العبرية الي الحد الذي يمكنه من ضرب الاعمدة، الرخوة اصلا، التي اقامت عليها تلك الدولة كيانها، والتي كان الهلوكوست الذي استخدم بغير وجه حق، واحدا منها.الاشكالية بمعناها العميق، بتداعياتها وعنفها، هي تلك التي خلقتها اسرائيل، هي تلك التي لا تزال تتغذي يوما بعد يوم باسباب ودوافع اسرائيلية بحتة. فلولا ظهور اسرائيل في عام 1948 لما كان لضحايا الحرب العالمية الثانية من اليهود ان يستثمروا وكأنهم اسهم تجارية في اسواق المال. ولا كان لهم ان يصبحوا مادة دائمة للخلاف السياسي والثقافي.لولا وجود اسرائيل لما شكك احد في حق الضحايا في الخلود ولما ألبس هؤلاء بدل قدسيتهم الحقيقية، الثوب المقدس الزائف، الذي جعلته المتاجرة بالمأساة، عابقا بروائح الكذب والمصالح السياسية.ولولا وجود اسرائيل، مرة اخري واخري، لما سقط الضمير الاوروبي في ازمته المذكورة. ولا كان للخطاب العربي ان يصبح سطحيا وغير مبال، تجاه كارثة انسانية كبيرة، اسرائيل، اخيرا، هي الاشكالية الحقيقية للهلوكوست، هي التي سلبت الضحايا حقهم في الخلود، وهي المسؤولة بالتالي عن رد الاعتبار اليهم. وهو الامر الذي لن تتمكن اسرائيل من الوصول اليه. فرد الاعتبار لضحايا الهلوكوست لا يتم ابدا الا من خلال الاعتراف الحقيقي بضحايا الهلوكوست الثاني ـ الفلسطيني، وبدون ذلك سوف تبقي الكارثة التي تسبب بها الحزب الوطني الاشتراكي ضد مواطنيه اليهود في المانيا النازية وفي غيرها انذاك، مصدرا دائما للاشكاليات التي تبدأ مرة بانكارها ومرات عديدة اخري بتأييد اسبابها.ہ كاتب من فلسطين يقيم في فيينا7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية