ما البديل… ومن يملأ الفراغ السياسي والأمني في العراق؟
حكمت العانيما البديل… ومن يملأ الفراغ السياسي والأمني في العراق؟ثمة تتبع بسيط لأداء الاحزاب السياسية ـ المذهبية في العراق، كيف تعمل وتتعامل وتتصرف، وكيف تكوٌن رؤاها وتمرر ثقافاتها المذهبية بين اوساطها، منذ الاسابيع الأولي للاحتلال، يؤكد انها تنتهج سياستين متناقضتين احداهما: ذات منهج حواري ويدعي الديمقراطية موجه الي الداخل من اجل الحشد، والي الخارج لاثبات الأمر الواقع، لكي يحقق الحد الأدني من القبول والصدقية في عالم شديد الحساسية من التيارات الدينية واحزابها وعناصرها، طالما برزت في فلسطين المحتلة (حماس)، وتربع مقاعد البرلمان في مصر (الأخوان المسلمون). اما السياسة الثانية: فانها ذات منهج خفي احكامه مطلقة وتكفيرية وشمولية، ويصر علي انه يحتكر الحقيقة المطلقة دينياً ودنيوياً، فهو بهذا الوجه لا يؤمن بالتعددية ولا بالديمقراطية ولا بحقوق الأنسان، ويعمل علي سيادة افكار دينية او بالأحري أدلجة الدين في صيغة سياسية يكتنفها الدهاء والخداع في سعيها الي مقاربة تتيح لأفكارها التدرج للوصول الي التحكم بمصير الشعب العراقي.وما بين هاتين السياستين يبرز التناقض، بين الشكل والجوهر، بين الماضي السلفي والحاضر السياسي، بين العلني والباطني، في شكل خداع باسم الدين وباسم الفقه وباسم أئمة آل البيت العظام. وتلك واحدة من احتكار الحقيقة. والمتتبع لسلوكيات الاحزاب المذهبية ـ السياسية هذه (حزب الدعوة والمجلس الأعلي للثورة الاسلامية والتيار الصدري)، يستطيع ان يلمس أداءً يخالف باطنه ظاهره، والمسعي الحقيقي ينصب علي النفوذ وتقاسم المغانم وتخطيط جغرافية الجنوب السياسية وتحديد آبارها النفطية، وتجسير ترابط جيو ـ ستراتيجي مع ايران ليشكل ثقلاً ونفوذاً كبيرين علي المنطقة وتوازنات (القوة والمصالح) فيها. ففي اطار الخداع، وكما كشفت عنه الوقائع والحقائق المذهلة في العراق، كيف كذبت قيادات هذه الأحزاب في مؤتمر لندن قبل سقوط النظام السياسي السابق، علي الأدارة الأمريكية في تمرير المبررات غير الحقيقية وكيف شجعتها علي تسريع تنفيذ مخططاتها في السيطرة علي نفط العراق وبتحريض صهيوني لتدمير الدولة العراقية. وكذبت الادارة الأمريكية، وهي ليست افراداً، انما هي دولة قانــــون ومؤسسات ومجسات استخبارية فاعلة، كذبت علي شعبها.. وحين وصلت الي العراق لم تجد من تعتمد عليه سوي هؤلاء من الدعاة واللصوص لتأسيس دولة الأحتلال.. ثم بدأ التورط الفعلي الأمريكي يجد نفسه بين المطرقة والسندان، مطرقة المقاومة الوطنية الباسلة، وسندان مليشيات تسلحت من ايران، ومن سرقة بعض مخازن الجيش العراقي، وكل يوم يمر علي الأحتلال تغوص الأقدام الامريكية والبريطانية في وحول العراق، حتي وصلت الي مستوي شل الحركه او يكاد!! نعود الي فحص السلوكيات التي تنتهجها الاحزاب المذهبية ـ السياسية ومليشياتها في العراق، كما قال أحدهم من الذين عايشوها وعرفوا بواطنها وخفاياها، يمكن استعارة ما كتب في احدي صحف العراق: تدخل المرجعيات الدينية في السياسة، وفي كل توجهات البلاد (وتدعي انها لا تتدخل في السياسة).السيطرة علي الأموال وعوائد السياحة ـ الدينية والهبات في المدن.موقفها غير الواضح بشأن فصل الدين عن الدولة.محاولة فرض الحجاب علي النساء في المدارس والجامعات وفي الشوارع ايضا! محاولة الغاء قانون الأحوال الشخصية الذي أثار جدلاً قوياً في حينه.محاولة فرض شكل جديد للتدين والزي الديني، سواء للرجال ام النساء، في بعض منه يشبه شكل الزي الايراني، كلما سنحت الفرصة في مكان ما يجري تطبيق ذلك كنموذج للحكم، كما يحصل الآن في البصرة والنجف وكربلاء.التضييق علي الديانات الاخري، واشاعة جو ارهابي بوجهها، وخاصة عند ممارستها لطقوسها الدينية، ومنها الصابئة والمسيحيين.مهاجمة وغلق محلات بيع الخمور، ومصادرة حق الناس في شكل الحياة.دخولهم الجامعات والمدارس والدوائر، لالقاء المواعظ الدينية والسياسية.دفع رواتب ورشاوي للناس، ومحاولة استغلال اوضاعهم الاقتصادية السيئة، بهدف زيادة المؤيدين والأعضاء، مثال علي ذلك ما يفعله التيار الصدري ومنظمة بدر الايرانية التدريب والتوجيه.الانتهاكات التي تعرض لها طلاب جامعة البصرة علي وجه الخصوص والجامعات الأخري، وتكفير الاختلاط والمظاهر العامة فيها.حرق مقرات الأحزاب الأخري ومهاجمتها مثل الحزب الشيوعي العمالي في الناصرية، واغتيال عدد من اعضائه في اماكن مختلفة بحجة كونهم كفره. وكذلك مقرات احزاب وتجمعات اخري. ومساجد وجوامع علي اساس ان عناصرها من التكفيريين والصداميين والارهابيين، وكل ذلك محض إدعاء.التضييق علي الآخرين اثناء الانتخابات، وبطرق مختلفة، وتزوير نتائج صناديق الانتخابات.التصفيات الجسدية والتهديدات التي تعرض لها عدد غير قليل من الحلاقين.التصفيات الجسدية التي تعرض لها العلماء والأكاديميون، والقادة العسكريون من الجيش العراقي المنحل.تغيير اسماء المدارس والمدن بالقوة الي اسماء دينية مذهبية معينة، مثال صارخ علي ذلك تغيير اسم مدينة الثورة الي مدينة (الصدر).في مدن الجنوب لا تتم التعيينات الوظيفية إلا بكتاب تأييد من حزب الدعوة او المجلس الأعلي للثورة الأسلامية او التيار الصدري.فرض اتاوات في دوائر الدولة لجمع معونات مالية لشهداء القوي الدينية ـ المذهبية، وإهمال شهداء القوي الأخري، وكذلك جمع الأموال في بعض مناطق الريف العراقي بحجج مختلفة.استخدام اماكن العبادة كمكان للدعاية السياسية، وهي طريقة ايرانية.محاولة التستر علي التدخل الأيراني في الشؤون الداخلية العراقية، ويستخدم مبدأ (التقيه) عند الأحراج في الحديث.فرض صور لرموز دينية في اغلب المدن العراقية، في الساحات والمؤسسات العامه.السعي الحثيث للسيطرة علي وسائل الأعلام المحلي في المحافظات العراقية وجعلها تابعاً كلياً لهم، مع محاولة التضييق علي الاعلاميين ورجال الصحافة عند تمشية اعمالهم بين الناس في مدن النفوذ تحديداً.التخطيط والتربص لاغتيال الصحافيين الناشطين الذين يسعون الي اظهار الحقيقة، وتصفية بعضهم كلما سنحت الفرصة (ومراسلة العربية أطوار بهجت وزميلاها دليل علي ذلك).تدخل قوي المرجعية المذهبية في النشاط الاداري والقضائي لمؤسسات الدولة في مناطق نفوذها وبشكل سافر ومفضوح.ممارسة دور الشرطة دون تكليف من أحد سوي مرجعياتهم الحزبية والمذهبية!! التركيز علي ان يكون لهذه المليشيات اليد الطولي في مؤسسات الجيش والشرطة والحرس (الوطني)، عبر دفع اعضائها للتطوع. والهدف هو السيطرة علي مراكز القوة في البلاد (وقد تكشفت الآن سلوكيات هذه الزمر الاجرامية في الاعتقالات المنظمة والعشوائية للمواطنين وتصفيتهم والقاء جثثهم في اماكن متفرقة، معصوبة الأعين وموثوقة الأيدي واطلاقات في الرأس.!!هذا ماكتبه أحدهم في الصحافة العراقية قبل بضعة اشهر، يعكس سلوكيات اجرامية وعابثة بارواح البشر ومقدرات الوطن، تؤكد بشكل واضح مع قياداتها الميدانية يومياً، اصرارها علي مواصلة نهجها الدموي في ظل فراغ السلطة وغياب الامن كلياً. ان نماذج السلوكيات والممارسات التي استعرناها، هي نماذج كما يقول كاتبها بسيطة ومعروفة وغير مخفية، ولكن الأخطر من ذلك هو اسلوب التطهير المذهبي الذي تمارسه هذه الفئات يومياً، يمهد الأرض ويقسمها لأغراض مذهبية وعرقية.. وهذا يعد الجانب الباطني العملي.. اما التصريحات فهي (العراق الجديد في ظل الديمقراطية)!! فالمشكلة الأساس تكمن في ان الاحتلال يعاني من الفشل الذريع، كما يعاني من نزيف قتلاه وجرحاه يومياً، وهو يسعي الي بلورة تيار (علماني ـ براغماتي)، ليس دينياً ولا سلفياً تكفيرياً.. فهل ينجح في خلق توازن معقول وقابل للاستمرار علي اساس ما هو قائم من مكونات وقوي سياسية ذات تأثير في مجريات الأحداث، لاختيار الصيغة المناسبة التي تتلاءم مع واقع سياسي ـ اجتماعي هو ركام دولة تم تدميرها بالكامل، ويسعي لبنائها من عناصر وقوي لا تخدم مصالح العراق والعراقيين جميعا، وكأن العراق، الدولة والحضارة، لم يكن قد بلغ شأناً كبيراً ومؤثراً في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليجعل من هؤلاء الفاشلين واللصوص قوي وعناصر لبناء الدولة؟!فالمشكلة اذن، تكمن في كيفية ايجاد البديل… فما هو البديل عن النظام السياسي الذي تم اسقاطه بالقوة في 9/4/2003، ومن يملأ الفراغ السياسي والأمني بعد هذا السقوط؟ هل البديل نظام ديني ـ سياسي يشكل نموذجاً يتلقي توجيهاته من طهران و(قم)؟ وهل ان مثل هذا النظام يمثل العراق ويحمي مصالح العراق والعراقيين من الانتهاك والابتزاز والعدوان؟ وهل ان هذا النظام سيجعل من منطقة المشرق حتي المغرب العربي واحة للاستقرار، بعد ان تبنت ايران منهج تصدير الثورة عن طريق أدلجة الدين في اطار بروتوكول يمتد الي خمسين سنة، تتوزع علي عشر سنوات مرحلية، من اجل السيطرة علي المنطقة؟ وهل ان مثل هذا النظام سيؤمن مصالح جميع الفرقاء المعنيين بالمنطقة؟ان الأجابة علي هذه التساؤلات ليست صعبة، بل هي ممكنة وتقوم علي العودة الي ما كان يحقق الاستقرار والأمن في العراق من توازن طبيعي، يتأسس علي الوطنية وليس الطائفية والعرقية، والابتعاد عن فرض صيغ ونماذج للسلوكيات المذهبية علي انها عامة، واعتماد مبدأ الاختيار علي اساس النزاهة والوطنية والكفاءة، في اعادة بناء الدولة.. وعدا ذلك فان الفوضي ستستمر.. والتصفيات علي الهوية تستمر.. والخراب سيطال كل بيت.. والنار ستمتد الي خارج الحدود!!9