الأزمة السودانية ـ التشادية: هجوم أنجمينا الأخير، اتهام الخرطوم: حسابات الربح والخسائر
عبد الغني احمد إدريسالأزمة السودانية ـ التشادية: هجوم أنجمينا الأخير، اتهام الخرطوم: حسابات الربح والخسائرالحركة المسلحة او الهجوم العسكري الخاطف الذي شنته الجبهة المتحدة للتغيير الديمقراطي في تشاد علي العاصمة أنجمينا صباح الخميس الماضي والتي قال عنها القائد محمد نور زعيم المعارضة التشادية المسلحة (انها حققت اغراضها المرجوة منها) (صحيفة الرأي العام السودانية السبت 14/4)، جعلت نظام دبي في وضع لا يحسد عليه، فبعد ضربة تلقاها النظام التشادي في خاصرته وانسحب المهاجمون الي منطقة دربالي (12 كلم جنوب شرق العاصمة) أو كما قال الناطق باسمهم اعادوا تجميع قواتهم وتعزيز مواقعهم في طور الاعداد لهجوم جديد وما صاحب ذلك من حركة انسلاخ لكبار الضباط في جيش ادريس كما تفيد بعض التقارير الصحافية والاعلامية من هناك.الخطة العسكرية التي اعتمدتها المعارضة المسلحة للنظام التشادي – كما اشارت اليها تقارير ميدانية – لحملتها العسكرية تقوم علي مهاجمة العاصمة انجمينا وثلاثة مدن متزامنه (ابشي الاستراتيجية وأدري) بالاضافة للعاصمة، قام المتمردون بالتوزع علي ثلاثة محاور، الأول يقوم باحتلال مباني البرلمان وتعطيل أي محاولة لانعقاده او تجميع اعضائه الذين يشكل الحزب الحاكم (جبهة الانقاذ) الاكثرية ومنع أي شكل للتظاهر او التجمع سواء كان نوعه مدنيا او عسكريا، الثاني يتجه إلي القصر الرئاسي وتتلخص مهمته في تأمين القبض علي الرئيس إدريس دبٍي مع تعليمات مشدده بعدم المساس باسرته او شخصه او محاولة ايذائه، المجموعة الثالثة تتجه الي مباني الاذاعة وتحاول محاصرتها بغرض تامينها من أي محاولة تسلل لاعضاء النظام الحاكم ومنعهم من الوصول اليها او استخدامها، ومن ثم في مرحلة لاحقة بعد التاكد من نجاح العملية خُطط لأن يعاد استخدامها في خدمة الثورة كما كان مرجوا لها قبل ان تاتي الرياح بما لا تشتهي سفنهم. المجموعات الثلاث جاء وصولها الي مواقعها بعد احتلالها في الايام الثلاثة السابقة للعملية خمس مدن كبيرة وحيوية هي (حراز منقد، قوز بيضة، منقو، ام التيمان، اتيه، تيسي) وهي ما يشبه شريطا او حزام وسط يتدلي في شكل قوس الي الجنوب علي هيئة حزام وسط من الغرب الي الشرق ليصل حدود الدولة الغربية من النيجر الي السودان تتبقي فيه مدينتان الاولي ادري والثانية أنجمينا بالإضافة إلي أبشي في وسط الشرق وهو ما قدم لهم دفعه معنوية غير محدودة الاثر علي اثره وهو ما جاءت العملية الاخيره لانجازه بالهجوم علي المدن الثلاث المتبقية وهي انجمينا وادري وابشي في صبيحة الخميس 12 نيسان (ابريل).تشير ذات التقارير الي انه ومنذ فجر الخميس بدأت العجلة تدور، المجموعة الاولي نفذت مهمتها بنجاح كامل وظلت متمسكه بمواقعها في انتظار وصول المجموعات الاخري التي كان مقررا لها فاصل زمني لا يتجاوز الساعة، غير عثرات الطريق منعت مجموعات التمرد من التقدم فالمجموعة الثانية كانت علي مشارف المدينة عندما صدرت لها التعليمات بالتوقف وعدم الدخول بل وتم تغيير مهمتها الي تامين انسحاب المجموعة الاولي التي كانت قد نجحت بصورة منقطعه النظير وهي ذات التعليمات التي صدرت للقوة التي استولت علي مدينة ادري بشرق تشاد والتي كانت قد اجلت الجيش الحكومي عنها والثالثة التي توقفت علي مشارف ابشي.بعد ساعات تكشفت اسباب التوقف المفاجئ للعملية التي بدات فيما يبدو بنجاح وتأييد شعبي كبير، السبب الرئيسي في التوقف كان الموقف الفرنسي الذي كان علي اعلي مستوي من التنسيق مع النظام الحاكم في انجمينا حيث قام بتسريب المعلومات التي التقطتها شبكة التنصت وأجهزة المراقبة في الليلة السابقة للهجوم قبل اكثر من عشر ساعات برصد سيارات محملة بالجنود علي مسيرة ساعة ونصف الساعة من العاصمة التشادية وقامت بنقل المعلومة للسلطات التشادية التي لم تكن تتحسب لهذا الانتقال السريع للمعارك الي حيز العاصمة في مثل هذا الزمن الوجيز وهو ما جعل الرئيس ادريس يأخذ باسباب الحيطة التي لم تكن لتسعفه وذلك بسبب حشد وتكديس قواته في شرق البلاد مسرح العمليات النشط، مما اقتضي من حلفائه الفرنسيين التدخل بخطوة اخري ناجزة لاعادة توازن الموقف وإنقاذ النظام حيث قامت بنشر جنود وتعزيزات في مدخل العاصمة انجمينا حتي تحول دون وصول تعزيزات للقوة التي دخلت من المعارضة وهو ما جعل محمد نور يقوم بتغيير خطته للمجموعة الثانية التي لاحظت انتشار الجنود الفرنسيين في مدخل المدينة انجمينا الي تبديل مهمة القوة من اكمال الهجوم والاستيلاء علي العاصمة الي تأمين انسحاب اخوانهم الاوائل. الخطوة الثالثة التي اختطتها القوات الفرنسية هي التحليق بطائراتها في أدني مستوي مخترقةً حاجز الصوت مع اطلاقها قذائف في الهواء – فيما بعد قالت الحكومة الفرنسية ان طياريها اطلقوها بغرض التحذير-.تلك الخطوات المتتابعة والسريعة جعلت المعارضة التشادية تعيد حساباتها بانها ليست في مواجهة ادريس بل باريس وشتان ما بين الحسابين، اصبحت فرنسا بجيوشها وخيلائها في قلب المعركة علي حد وصفهم فصدر أمرهم بالتوقف والعودة الي مربع واحد او الي ما خلفه وهو الاكتفاء بموقفهم الميداني الذي حققوه في المساء السابق وتجميد العملية االجديده، ولكن هل دخول الحمام مثل خروجه كما يقــــول المثل الدارج ام ان للامر ما بعده وهل لغزوة انجمينا كما اسمتها مواقع المعارضة في الانترنت هي النهاية ام انها خطوة في طريق محفوف؟ وما هي علاقة الذي حدث بالحكومة السودانية حتي يكيل لها النظام التشادي الاتهامات في تصعيد غير مسبوق؟ مما لا شك فيه ان هذه الحركة اصبح واضحا انها غيّرت كل الموازين والحسابات السياسية والدبلوماسية علي الطريق بين الخرطوم ـ أنجمينا الذي بات ملغوما بل ومسكونا بالأشباح والأرواح الشريرة من متمردي دارفور الي متمردي تشاد الي قوات افريقية واخري دولية تدلي علي حافة الافق، هذه الاوضاع جعلت الكثير من المراقبين يعيدون امعان النظر في عملية خلط الاوراق هذه ومحاولة التكهن بمآلات الأوضاع وتأثيراتها علي الاقليم والمنطقة باسرها أولا: لما لها من موقع جيوبولتيكي يؤثر ويتأثر سياسيا وعسكريا وما هو معروف عن التسابق المحموم للقــــوي العظمي في المنطقة خاصة أمريكا المتعطشة والباحثة عن تامين النفط الافريقي كما تراه بديلا للزيت العربي وفرنسا صاحبة القواعد والتاريخ في المنطقة (او التنافس الانجلو فوني الفرانكفوني بحسبان تشاد قلعة فرانكفونية في المنطقة) ثانيا الاهتمام ياتي لما نالته قضية دارفور من صيت في المحافل الدولية والاقليمية وما يترتب علي ذلك من نتائج. اولي نتائج هذا الخلط في الاوراق هو حالة التوتر التي نجمت عنه في الاقليم من قطع ثلاث دول لعلاقاتها الدبلوماسية وقفل الحدود فيما بينها مع تهديد تشادي بطرد اللاجئين السودانيين المقيمين عندها وهي سابقة لاول مرة تحدث في العالم ان يهدد نظام حكم بطرد لاجئي حرب مدنيين في مواجهة العالم، قبل ان يتراجع النظام عن ذلك.القراءة المتمعنة لما وراء السطور لاستشفاف اجابة علي السؤال السابق تكشف عن حقيقة الامر انه من الواضح أن الجناح المتشدد في نظام الرئيس دبي قد بلغ الغاية التي كان يلهج لها منذ أكثر من أربع سنوات هي عمر التوتر الذي طرأ تحت السطح بين السودان وتشاد عشية اشتعال أزمة دارفور والتمرد فيها، وكانت نصيحة الرئيس ادريس لهذا الجناح باستمرار من دروس التاريخ القريب او البعيد ان السودان دائما في مقدوره ويمكنه ان يغير نظام الحكم في انجمينا ولكن العكس مستحيل وغير ممكن او صحيح، وفي هذا لم يفتر الرجل بل يتذكر انه ما كان له ان يجلس علي كرسيه هذا خلفا لاقوي رئيس حكم تشاد ـ حسين هبري ـ لولا دعم السودان، الا ان المعسكر المتشدد داخل النظام كان يعمل في تكتم علي الاقل مهابة الرئيس وقد بني هذا الجناح من دائرة القرار الضيقة حول الرئيس إدريس بقيادة شقيقه دوسه إستراتيجيتهم علي استثمار ازمة دارفور في مستوياتها المتعددة (محليا، اقليميا ودوليا) بتقديم دعم غير محدود الامكانات والسقف سياسيا وعسكريا ولوجستيا وحتي دبلوماسيا ان لزم الامر كما حدث بعدها للتمرد الناشئ وقتها لما تربطه به من اواصر قربي عرقية ومصالح باتت مشتركة نمت وتكاثفت حتي منحت سانحة لشانئيهم بان يتهموهم بانهم يسعون لاقامة امبراطورية عرقية في الاقليم وقاموا بتقديم البرهان علي ذلك من عملية التغيير التي تمت في افريقيا الوسطي وما كان وراءها من تدخل لنظام الحكم في تشاد بصوره واضحة غير مستترة من خلال جنود واليات واسناد فني لوجستي للعمليات بل وتولي عقب نجاح الحركة وزارة الدفاع في افريقيا الوسطي شخص تشادي هو القائد احمد يحي، حركه الزعزة لاقليم دارفور كانت ذات ابعاد اخري حيث جري تنسيق سياسي دبلوماسي مسنود بدوائر غربيه، مع اخر لوجستي عسكري لدول في الاقليم من بينها اريتريا ودولة اخري في الجنوب في محاولة لحشد خصوم الخرطوم علي صعيد واحد.الخرطوم كانت تتحرك من قراءة خاطئة بالنظر الي ان التمرد في دارفور ومن خلال الادلة الدامغة والبينات الجلية تفيد ان النظام التشادي متورط من دون راسه وحتي اخمص قدميه في دعمه ومساندته بل والمشاركة فيه باستثناء شخص الرئيس او قمة الهرم مع تورط كل الاجهزة والمؤسسات من الامن الي المخابرات الي الجيش الي البعثات الدبلوماسية بالخارج، ومن هذا المربع تحركت الخرطوم ترسم مواقفها علي هذه الفرضية التي تبين خطلها بعد اشهر قليلة من اطلاقها فمنذ زيارة الرئيس ادريس للفاشر في مطلع العام 2003 وخطابه للجماهير فيها وادعاء محاربة التمرد سويا مع السودان، عقد اتفاق مع البشير بانشاء قوات مشتركة لمراقبة الحدود ومطاردة التمرد في دارفور تبين بعد اسابيع ان هذه القوات المشتركة تعمل كحصان طروادة للتمرد في دارفور من خلال توفير الدعم والتسهيلات الفنية في الحركة تحت غطاء الوحدات المشتركة ومن خلال خدمة استخبارية متمثلة في متابعة ورصد مواقع الجيش السوداني من داخل قيادات مناطقه ومتحركاته وهي خدمات لا تقدر بالنسبة للتمرد بثمن، الشيء الذي ادي بعد اكتشافها الي حل هذه الوحدات بعد اشهر قليلة من تكوينها. اصبح بعد ذلك اللوبي الموالي للتمرد في دارفور يحيك ويكيد المعلومات والشروح والتحليل لكل المواقف والقرارات والتحركات التي تقوم بها حكومة السودان تجاه ازمة دارفور او الموقف من تشاد وما يوالي ذلك من تتبع العثرات والسقطات وتقديمها الي الرئيس ادريس بقصد السير في الاتجاه المعاكس من اجل منح هذه المجموعة شرعية اكبر وغطاء رسميا لموالاة التمرد بالدعم الاكبر وقد وصلت الي غايتها في حدثين الاول توحيد صفوف المعارضة المسلحة في دارفور تحت مسمي تحالف الغرب (مقصود به غرب السودان) في مطلع هذا العام في فندق لوشاري بالعاصمة انجمينا وما تلاه من تداعيات وضغوط علي قيادات الحركات المسلحة اشرف عليها الرئيس ادريس بنفسه بل واقام له مادبة عشاء رسمي مفتوح وساهر نقلته وسائل الاعلام عقب وصولهم لصيغة اتفاق لم يكتب له ان يدوم، علامة النجاح الثانية الذي قدر ان تحققه هذه المجموعة كان عشية انعقاد القمة الافريقية في الخرطوم في كانون الثاني (يناير) الماضي حيث نشطت تشاد في تخذيل القادة عن حضور القمة وعندما فشلت في ذلك استخدمت كرت دارفور وجرحها النازف في خاصرة حكومشة السودان للضغط علي مجموعات غرب افريقيا في مسألة الرئاسة والتي تعتبر عديمة المضمون الا انها تمثل رمزية كسر لنشوة النجاح الذي حققته الخرطوم في استضافة هذا المحفل ومن بعد والت الدولة الرسمية تشاد اتهام السودان بزعزعة اراضيها بصورة متوالية وبعثت الوفود الي القاهرة ونيجيريا ودول المحيط بل وحتي مجلس الامن في محاولة لاحراج السودان، وكانت نصيحه الرئيس اوباسانجو لمبعوث ادريس باستمرار هي التاكد وتقديم الادلة قبل الشروع في الاتهامات وهو ذات الشيء الذي كررته الجامعة العربية علي لسان امينها العام قبل ان ينطق بها وزير دفاع فرنسا الحليف الاستراتيجي لدولة تشاد والحالي لنظام ادريس في ما نقلته عنه وكالة (AFB) الفرنسية انه لا توجد ادلة تفيد بتورط السودان في هذا العمل، وباقل نظرة عاجلة علي الخريطة يتبين ان الموقع الذي جري الهجوم عليه (العاصمة انجمينا ومنقو) تبعد اكثر من 1700 كلم عن حدود السودان الغربية وان خط سير الجنود المتمردين في الهجوم والانسحاب انطلق من الناحيتين الجنوبية والجنوبية الشرقية مما يعني انقطاع الاواصر بالحركة من داخل الحدود المعروفه او نقاطها المتمركزه، الامر الاخر وصول المراقبين المعينين من اتفاق طرابلس لنقاطهم قبيل الهجوم بمدد كافية وصلت في بعضها الي اسابيع دون الحديث عن اختراقات او حتي اتهام وشبهة بذلك. غير ان الواضح كما ذكر محمد نور عبد الكريم زعيم الحركة في تصريحه المشار اليه هو محاولة النظام التشادي تصدير ازماته وافتعال المعارك الاعلامية والدبلوماسية مع دول الاقليم كبديل لمعالجة قضاياه الداخلية فكما هو معروف ان الرئيس يواجه ازمة شرعية خاصة بعد محاولته الالتفاف بصيغ قانونية ضعيفة علي الدستور الذي اقره هو بنفسه والذي يمنعه من الترشح بعد استنفاد مدده القانونية المقرره له بمدتين وقوله انه سيترشح لفترة جديدة مهما كلف الامر وهي الانتخابات المقرر انعقادها بعد ثلاثة اسابيع، ثانيا الانشقاقات التي وقعت في القاعدة الصلبة للحكم والقائمة علي العرقية التي ينتسب اليها الرئيس وفقدان وخروج اخلص اعوانه من حوله مثل رئيس اركانه الذي قتل قبل ايام في معارك شرق البلاد او تمرد ابناء اخواته وخصائه (حسن فضل، تيمان، اردمي، ….الخ) شكل تهديدا مباشرا بخلق حالة من فقدان الثقة في من حوله او الاحساس بعدم الامان مما يؤدي الي ربكة في صناعة واتخاذ وانفاذ القرار وهو الشيء الذي يقود الي التخبط والتعجل في استصدار القرارات والاحكام ومن بينها زج اسم السودان في اتهامات لحوادث قد يبدو ظاهريا السودان مستفيدا منها او تتطابق مع مصالحه الا انها تبقي استراتيجيا في خانة نشر الفوضي والسلاح المقاتل في الاقليم وما يمكن ان يجره من تبعات سالبة علي ازمة دارفور التي تستحث الخرطوم الخطي لوأدها وفك عقدها باسرع صورة.ہ صحافي من السودان8