عبد المعطي حجازي: نحتفي بانفسنا والشعر الذي يتجدد مع كل قصيدة
المجلس الأعلي للثقافة بالقاهرة يحتفل بسبعينية عفيفي مطرعبد المعطي حجازي: نحتفي بانفسنا والشعر الذي يتجدد مع كل قصيدةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: احتفلت لجنة الشعر بالمجلس الاعلي للثقافة بسبعينية الشاعر محمد عفيفي مطر ، وعلي مدار يوم كامل بدأ في الصباح وانتهي في المساء تضمنت الاحتفالية عددا من الابحاث والدراسات والشهادات والقراءات الشعرية.وقد جاءت الاحتفالية ـ في معظمها ـ خالية من الحضور الرسمي رغم ان المجلس الاعلي للثقافة هو راعيها، فحيث كان من المقرر ـ حسب البرنامج المعلن ـ أن يحضر حفل الافتتاح الدكتور جابر عصفور الامين العام للمجلس، اعتذر نيابة عنه الشاعر محمد ابراهيم أبو سنة مشيرا الي ان ثمة ظروفاً حالت دون حضوره، وتحدث الي جانب أبي سنة كل من الشاعر احمد عبد المعطي حجازي والناقد والكاتب محمود أمين العالم.وفي كلمته الافتتاحية قدم ابو سنة تقديرا خاصا من لجنة الشعر لعفيفي مطر باعتباره احد رواد الشعرية الحديثة، وقال: قدم مطر عددا من الكائنات الشعرية التي تصطرع بالواقع والخيال والاسطورة، وهو شاعر استطاع ان يرسم ملامحه لا ملامح أنبادوقليس في كل مشروعه، ولم يتوقف عن التجديد والابداع والجسارة سواء كان علي مستوي الموضوع أو الخيال، نحن نعتز به وبتأثيره لدي جيل السبعينيات، ومن تلاهم من الشعراء، واختتم أبو سنة تقدمته بالقول ان الاحتفال بعفيفي مطر من لجنة الشعر يعد تكريما من لجنة الشعر للحرية والجمال والشعر، وما أحوجنا هذه الايام للدفاع عن الشعر.اما الشاعر احمد عبدالمعطي حجازي فقد قدم كلمة قصيرة محكمة ومحتفية اشد الاحتفاء بعفيفي مطر قال فيها: أيها الشاعر الكبير نحتفل اليوم ببلوغه السبعين اي نحتفل بأنفسنا وقد بلغتها مثلك، أو مثل فاروق شوشة أو أبو سنة، أقصد الذين جايلوك والذين سيقرأونك في الايام القادمة، اننا نري انفسنا فيما يقوله شعراؤنا، ننصت الي انفسنا وخطرات احلامنا في سطوره وإذا كنا نحتفل بهم اليوم فذلك لاننا نحدق الي اجمل ما فينا.ومطر شاعر يمثل هذا المعني ويصوره في أحسن صورة، يمثل جيله ولغته وشعبه، شاعر يجدد نفسه كلما تعلم قصيدة جديدة، يجدد الشعر ويجدد الزمن، يكتب الكلمة بحقها، تعلم من الفلاحين المصريين الذين انحدر من أصلابهم ان الكلمة هي الوحي وهي النهر والطمي والجميز والصلصال باعتبارها أرواحا فكلمات مطر ليست كلمات منتزعة من عالمها، انما هو ينقل لنا العالم بروائحه وأشواقه.واختتم حجازي كلمته قائلا لمطر: ايها الشاعر الكبير انك تعلم ما آل إليه الشعر والفكر والكلام، نحن اليوم أحوج إليك اكثر من اي وقت مضي.اما الناقد والكاتب محمود امين العالم فقد قرأ العديد من المقاطع الشعرية من قصائد مختلفة وتوقف طويلا امام قصيدة عندما كنت شاعرا من ديوان ملامح الوجه الانبادقليسي، والتي يبدأها بقوله لو كنت شاعرا يا سادتي القراء، لاغتسلت احرفي في قرارة الاشياء .ويقول العالم ان القصيدة تأتي ـ مضمونيا ـ عكس منطوقها المباشر، فهي ليست مجرد كلام فصيح ولكنه يمثل تحديا ومرورا بالضرورة بين المزالقة الجامدة ولا يعني هذا تخليا عن القيمة الجمالية. ويضيف العالم: إن مرجعية الفلسفة الاشراقية التأملية تبدو ظاهرة للعيان في العديد من قصائد الشاعر، واضاف ان مطر شاعر فيلسوف وهو اقرب في تراثنا العربي الي ابي العلاء المعري وفي الأدب الغربي الاقرب الي عغوتة.وقد تلا ندوة الافتتاح ندوة نقدية أدارها الشاعر عبد المنعم عواد يوسف، وتغيب عنها الناقد والكاتب إدوار الخراط والدكتور محمد عبد المطلب وتحدث فيها عدد من الباحثين والنقاد بينهم الناقد عبد الناصر حسن، ومحمد سعد شحاتة ووليد منير، وفي بداية الجلسات المسائية عرض بالقاعة الرئيسية للمؤتمرات بالمجلس الاعلي للثقافة الفيلم التسجيلي الذي أخرجه الشاعر علي عفيفي عن محمد عفيفي مطر، وعقب الفيلم تحدث محمد عفيفي مطر عن تجربته وألقي شهادة مطولة عنها، حيث قدمه الشاعر محمد محمد الشهاوي نيابة عن الشاعر حلمي سالم الذي كان موجودا باليمن وكان مقررا ان يدير الامسية.وفي شهادته استعرض عفيفي مطر حياته منذ لحظة ميلاده علي ترعة النعناعية بقرية رملة الانجب بمحافظة المنوفية، مرورا بالمؤثرات المهمة في حياته، وقال مطر: انتظمت حركة الدائرة الاولي في: مجمرة البدايات، الجوع والقمر، من دفتر الصمت، يتحدث الطمي، وهي الدواوين التي تشكل بطاقة تعريف أولي بنفسي وأهلي وظروف ولادتي الشعرية بين الارض والنهر ومسلمات الحواس الخمس ومعطيات التعرف المباشر علي معاني الوجود في عالمي، وتأسيس ملامح ماهيتي وهويتي عند افتتاح القول، وهي التي ستنضح منها وتمتد انساغ وعروق لا فكاك منها طوال حياتي، تنقيبا ونقضا وعودا علي بدء، إلحاحا واكتشافا وتوسعة لرقعة الرؤية والتأمل ومحاولات الاعلاء الدائية الي آفاق المعني، نشرت الدواوين المذكورة كغيرها من الدواوين نشرا عشوائيا حسب مقتضيات الحصار والحذف والمطاردة والمتاح من فرص النشر خارج مصر، والديوان الاول لم ينشر إلا في عام 1994 بعدما يقارب الاربعين عاما من كتابته.ويضيف مطر: في حركة الدائرة الاولي كانت القراءات المتسعة تجعلني اشعر بالانتماء لعائلة الكلام الجميل وانتسب لمجامعها المتلاطمة انتساب صاحب الحق في الجدل والتأثر والنقض والمشاغبة، في لوامع تتشظي هنا وهناك من التراث المصري القديم والثقافة الاغريقية والتراث العربي ومدارس الجدل والتفلسف والتصوف الاسلامية، علي أرضية ومهاد شاسع من التراث الشعبي من خرافات ومواويل وملامح فدخلت في معمعة التأويل وإعادة القراءة لكل ما اعرف، في ظل سؤال باطش غلاب حول السلطة التي ازدادت فداحة كراهيتي لها ولشخوصها وتقاليدها وممارساتها، لا في زمن محدد، بل منذ الملوك الآلهة حتي عسكري المرور أبو شلن ، ومن قتلة سقراط وهيباتيا حتي قتلة سيد قطب، ومن حلف التعصب القومي والعنصرية عند أرسطو ووحشية السيناتور الروماني ومحاكم التفتيش ووحوش فرسان الصليب حتي مجازر عصبة الامم المتحدة والأمم المتحدة، ومن الدم النازف السيال من صفحات التوراة حتي مجزرة الخامس من يونيو، إلخ.ويضيف مطر: كان السؤال الباطش المتوحش الذي تتحول كل اجاباته الي اسئلة أشد هولا، يحرمني الهدوء والنوم ويشوش علي القصائد ويدفعني من صراخ مباشر فج الي فظاظة السخرية الكئيبة الي اليأس المقهور من كل ما أري وأسمع الي نزوع انتحاري في الصدام، وكانت تجليات هذه المكابدة القاسية في الدواوين الأربعة: ملامح من الوجه الأنبادوقليسي، رسوم علي قشرة الليل، كتاب الارض والدم، شهادة البكاء في زمن الضحك.ويردف عفيفي مطر في شهادته قائلا: كانت انتفاضة الطلبة والشباب في العالم عام 1968 غمامة رفرفت في قلبي بطهارة الينابيع ودهشة الاسئلة وعنفوان التحديق البكر في كل شيء من جديد، كانت لحظة من الغضب الملهم والغنائية الكونية تعيد سبكي وتنفخ في روحا كالبعث من بين الأموات، وتؤجج نيران الشاعر ـ الملك ـ الملهم المشتعل في رمادي، فكانت بدايات الدائرة الثالثة بديوان والنهر يلبس الأقنعة، وهو الفاتحة الاولي لعنف الطيران الحر في أجواء الشعر والفلسفة والموسيقي والتصوف، وعنف الغوص في حقائق الأمة وتجليات حياتها وحضارتها المكنونة واحلامها التي لا تنهزم إلا لتفتق عنها أكفان الوقائع والمرحليات، واتسعت خطاي في باعية الفرح بالخيال والتجربة والتأويل، وصولا الي شد الوتر الي القطع وتحطيم المعزف عند مجانين النغم في أنت واحدها وهي اعضاؤك انتشرت الذي استنزفني وأبهجني وتركني معتصرا منهكا حتي ظننت انني لن أقوي بعده علي ورق أو كتابة، وظللت خمس سنوات أهديء من انتفاضات جسدي كأنني عدوت عمري كله لأكتبه، وأتملي دبيب الراحة والسكون بعده، حتي اغلقت هذه الدائرة بديواني فاصلة ايقاعات النمل ، ووضعت علي هامش هذه الدائرة ديوانا يكاد يكون رصدا وقائعيا وبيانا مقتضبا حول تجربة الاعتقال والتعذيب في أقبية لاظوغلي، وكأن السلطة أبت إلا أن تكون مصدقة لما تقدم من سالف الكراهية المبدئية التي لا شفاء منها.ويقول مطر في ختام شهادته: لقد كانت السنوات الأخيرة علي خلاف ما يقوله العرب عن العشر الفاصلة بين الستين والسبعين: دقاقة الرقاب، لما يتوالي فيها من وهن الشيخوخة وضعف الجسد والذاكرة وخمود الروح، فقد كانت ـ رغم كل شيء ـ سنوات فتح من البهجة العجيبة بالكتابة لم أعهدها من قبل، وفي النهاية يقول مطر: في تلويحة الوداع اقول: حياتي مغسولة بعرقي، ولقمتي من عصارة كدحي وكريم استحقاقي، لم أغلق بابا في وجه أحد، ولم أختطف شيئا من يد أحد، ولم اكن عونا علي كذب أو ظلم أو فساد .وبعد ان انهي مطر شهادته قدم الشاعر محمد الشهــاوي الشعراء الذين ألقوا عددا من قصــــائد عفيفي مطر، حيث قرأت الشاعرة شيرين العدوي قصيدة درعية مديح وقـــرأ الشاعر سماح عبد الله الانور قصيدة امرأة ما لوقت ما .ثم قرأت الشاعرة سهير المصادفة جزءا من قصيدة أنت واحدها وهي اعضاؤك انتشرت ، ويبدو أن سوء الإلقاء الذي بدا عليه معظم الشعراء دفع الشاعر فاروق شوشة الي إلقاء قصيدة بصوته لمطر، مؤكدا علي ان صعوبة وخصوصية تجربته تجعلان قراءته عملا صعبا، لذلك فهو حسب رأي شوشة الذي يصلح لقراءة شعره، ومع ذلك قرأ كاتب هذه السطور قصيدة مطر رباعية الفرح، وأعصم نفسي بالطبع من الحكم علي من قرأ لمطر في هذه الامسية حيث كنت واحدا منهم.0