حول نظرية حلال علينا وحرام عليهم

حجم الخط
0

حول نظرية حلال علينا وحرام عليهم

محمد لمسوني حول نظرية حلال علينا وحرام عليهم هي في الحقيقة ليست بالنظرية الجديدة في حقل السياسة والعلوم السياسية بل تعتبر كالبغاء (أقدم مهنة في العالم) أقدم نظــــرية منطقية إنسانية في التاريخ. وبالإمكان تصنيفها داخل بــــاب منطق القوة بمعـــــني أن الإنسان الأول الــــذي خول لنفسه مكتسباً بالقوة الجســــمانية أو السلاح أو عن طريق العصبية القبلية حلل علي نفسه ذلك المكتســــب وحرمه علي الآخرين وســـــوغ ذلك بمبررات منطقية تجيز له حق التصــــرف تارة باسم السحر أو باسم الدين وتارة باســـم العقل والفلسفة. وبطبــــيعة الحال يندرج كل شيء في إطــــار مرجعيته الفكرية المبنية علي القوة والقهر. وهذه كانت وما زالت سنة الحياة!ففي نهاية القرن الثامن عشر ظهرت للوجود الأفكار القومية في أوروبا (من بينها إيطاليا التي توحدت علي أنقاض دويلات صغيرة) بموازاة تصاعد شهية الإستعمار الغربي وتصميمه علي تقطيع أوصال الدولة العثمانية الشاسعة الأطراف (الرجل المريض!) وتقسيمها بين الدول العظمي آنذاك بالإضافة إلي استعمار دول أخري من إفريقيا وآسيا، وبلغ الفكر القومي أوجه بإعلان وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود وقيام دولة تركيا العلمانية. ولم يكن غريباً بتاتاً أن تتسرب تلك الأفكار إلي العالم العربي عن طريق مثقفين احتكوا بالغرب الذي كان النموذج يحتذي به في مجال الديمقراطية والتقدم الإقتصادي والإجتماعي. وكانت الناصرية و صوت العرب والمد القومي العربي الكاسح الذي لا ينكر فضله إلا الذين في قلوبهم مرض من العرب والمسلمين. ورأي الغرب في هذا تعصباً وشوفينية وتطرفاً ونعلم ما لاقته هذه الظاهرة من مقاومة عنيفة أدت فيها الأمة العربية ثمناً فادحاً (حروب 1948 و1956 و1967 و1973) وإلي بعثيي صدام وسورية الحالية المهددة بدياجير القصف الشرعي المركز. ومن هنا ترعرع في الفكر الغربي ما يمكن أن نسميه من الآن فصاعداً وبكل صراحة نظرية: حلال علينا وحرام عليهم .فأن يتوحدوا هم علي غرار الإتحاد الإوروبي وتكون لهم عملة واحدة ويتعاونون متخذين المواقف والقرارات الموحدة التي تهم مصيرهم بل مصير البشرية جمعاء فهذا حلال، ولكن أن يتحد العرب أو المسلمون أو حتي دول المغرب العربي فالأمر خطير جداً وينبغي حظره وردعه بكل وسيلة أي أن المسألة دخلت باب الحرام وعلينا بالعودة سالمين إلي الخيام. و لما قامت الثورة الخمينية سنة 1979 وتأسست علي أعقابها الجمهورية الإسلامية بإيران قامت قيامة الغرب واشمأزوا من دولة توطد دعائمها علي قواعد دينية غير أنهم لم يحركوا ساكناً حينما أنشأ اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين سنة 1948 وسموه إسرائيل. وأن تمتلك هذه الأخيرة مع دول أخري السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل فهذا من صلب الحلال ولكن أن يمتلكه العراق أو إيران أو أية دولة عربية أو إسلامية فهذا هو الحرام بعينه وينبغي أن نشن الحرب عليهم ونخرب بيوتهم ونستحيي نساءهم ونصدر لهم الديمقراطية علي رؤوس الدبابات والصواريخ. عابوا علي العرب والمسلمين غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان والإنتخابات الحرة النزيهة وفي كل آونة وحين كانوا يرفعون عقيرتهم بأن إسرائيل دولة ديمقراطية علي العرب السير علي منوالها وهب الشعب الفلسطيني إلي صناديق الإقتراع وصوتوا بكل حرية أمام العالم أجمع لصالح حماس لم تعجب الغرب هذه الديمقراطية لكونها في هذه الحالة حراما وفي هذه الحالة الأجدر بالفلسطينيين ديكتاتور يساوم ولا يقاوم تحت راية الجوع والخنوع. إنها مواقف ظاهرة للعيان وداخلة في سياق شفاف تنم عن استعلاء فكري تفرضه سلطة الإستعمار الذي هو أعلي مراحل الرأسمالية. وبعبارة أوضح: منطق السوق هو السائد. ففي بداية الإستقلال المغربي، شاءت حكومة عبد الله إبراهيم التقدمية إنشاء صناعة ثقيلة غير ان فرنسا رفضت المشروع بقوة (الإستعمار الجديد). فإذا قام المغرب بذلك فلمن تبيع فرنسا بضائعها؟ وبالأمس وصف الإستعمار الفرنسي بطل التحرير المغربي محمد الخامس بالإرهابي وكانت المقاومة الجزائرية إرهابية . وها هو التاريخ يعيد نفسه علي نفس الوتيرة وتعود حليمة إلي عادتها القديمة. حرام تحديد أسعار الفوسفات والبترول والقهوة أما أن يبيعوا لك أسلحتهم وآلاتهم بالأثمنة الخيالية التي يريدون فنعم الحلال!إن ما نخشاه هو أن تتغلغــــل هذه النظرية في أنفسنا ونحن الذين تغربـــــنا وتغرنا الأفكار الغربية العظيمة والمتقدمة ونطبقها في بلداننا وعلي بعضنا بل إنها تفشت فيــــنا وأصبـــح بعضنا يمارسها ويوظفها سياسياً: يكفرون ويهمشون ويتسلقون الأمجاد باسم نظرية الحلال والحرام هذه وتناسوا لا إكراه في الدين ونحن أمـــة وسط واحصلوا علي العلم حتي ولو في الصين و خلقتم سواسية كأسنان المشط و الله غفور رحيم وعليم بما في الصدور الخ… وماذا بعد؟ فمنذ أكثر من أربعة عشر قرناً وبالضبط منذ العصر الجاهلي ولسان حالنا الفصيح المليح يقول ولا حرج لو أن الفتي حجر! … وماذا ونحن من لحم ودم، وليس لنا سوي الشعر والبلاغة في ساحة الوغي!؟؟اللهم ارحم!.. و ارحم!… فلقد بلغ السكين العظم!ہ كاتب من المغرب يقيم في ايطاليا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية