إدوارد سعيد في كتاب متأخر عن الأسلوب المتأخر عند الفنان: العمل الإبداعي كرمز للمنفي والتشظي واعادة تفكيك الذات والكارثة
ابراهيم درويشإدوارد سعيد في كتاب متأخر عن الأسلوب المتأخر عند الفنان: العمل الإبداعي كرمز للمنفي والتشظي واعادة تفكيك الذات والكارثة كل واحد منا، قادر علي تقديم ادلة علي ان الكتابات المتأخرة او الاخيرة تتوج المغامرة الجمالية للكاتب، رمبرانت، ماتيس، باخ وواجنر، ولكن ماذا عن الاسلوب الفني المتأخر الذي ليس عن التوازن والقرارـ ولكن عن اللاتنازل والصعوبات والمتناقضات العصية علي الحل، وماذا عن فنانين مثل غلين غولد، الذي اخترع اسلوبه عن العمل المتأخر، من خلال الخروج من عالم التمثيل، وهو المتمرد فيما بعد او المابعد، في الوقت الذي ظل فيه ناشطا . ادوارد سعيد المفكر والناقد المعروف الذي توفي في ايلول (سبتمبر) 2003 كان يطمح لنشر هذا العمل عن الاسلوب المتأخر: الموسيقي والادب ضد التيار ، في كانون الاول (ديسمبر)، كما تقول ارملته مريم سعيد، حيث قالت انه كان مشغولا في عدد من المؤلفات، ووضع اجندة لاتمام كتابه الانسانية والنقد الديمقراطي (2004) من من اوسلو الي العراق وخطة الطريق (2004)، ولكن الناقد الكبير لم يعش طويلا حتي انهاء كتابه هذا الذي صدر نهاية الشهر الماضي بمقدمة من مريم سعيد، واعداد مايكل وود، وهو عبارة عن تجميع للمواد والمقالات والتعليقات التي كتبها الراحل عن فكرة العمل المتأخر والاعمال الاخيرة التي يكتبها الفنان، الموسيقي او الاديب والفيلسوف. فالنظرة العامة ان الكاتب عندما يكتب اعماله في المراحل الاخيرة من حياته او في ظل الموت والمرض انما يكتب اعمالا تنم عن النضج وعن الحكمة بفعل التجربة وتقادم الايام، ولكن سعيد وعبر نموذجه الذي يقدمه في هذا الكتاب يتحدث عن عدد من المستويات النقدية والفكرية التي يمكن من خلالها قراءة طبيعة الاعمال المتأخرة او الاعمال الاخيرة التي يكتبها الكاتب والمثقفون. وهو هنا يتكئ كثيرا علي عدد من المقالات والدراسات التي كتبها الناقد اليهودي المعروف تيودور ادورنو (1903 ـ 1969). فكرة النهاية او الاعمال الاخيرة عند الفنانين هي الشاغل الاهم الذي انشغل به اداورد سعيد في السنوات الاخيرة من حياته، بل تقول مريم سعيد ان الناقد بدأ بالانشغال بالفكرة في الثمانينات من القرن الماضي، حيث اخذت الافكار حولها تتراكم من خلال احاديثه مع زملائه وعبر تدريسه مساقا في الجامعة للطلاب، وفي المقالات المتفرقة التي كتبها سعيد في مجلات وصحف ومواد اعدها خصيصا للكتاب الذي لم ير النور في حياته. في هذا العمل النقدي الخالص يبرز سعيد في اعلي تجلياته النقدية، ناقدا قادرا علي الامساك بتلابيب الفكرة، ويقدم معرفة جديدة في الاعمال الموسيقية وعلاقتها بالزمن والحاضر التي قد تكون خارج الزمن، ففي فصل العودة الي القرن الثامن عشر يقدم قراءة نقدية في اعمال شتراوس، الذي ارتبط تاريخه بالنازية والنازيين مع ان القراءة النقدية لاعماله تشي برجل كان يعيش عالمه الفني الخالص، وكان متمردا بنوع خاص، فالعودة للقديم او ما قبل الحداثة، حتي الحداثة نفسها هي خروج عن الزمن الحاضر والعودة للماضي. العمل المتأخر في احد تجلياته قد لا تكون له علاقة بالزمن، العجز والكبر والشيخوخة، بل يخلق زمنه الخاص، وهو كما يقول وود في مقدمته، اي العمل الاخير، طريق لتذكر الزمن، سواء الزمن الضائع او الزمن الذي يتعثر في طريق الفنان، هذا ما اسماه سعيد نفسه الحوار مع الزمن في داخل الفضاء ، فضاء الكتابة والابداع، فالعمل الاخير او العمل المتأخر هو بمثابة الانفتاح الكرونولوجي علي مشهد او فضاء يحسن من خلاله النظر، التجربة والامساك والعمل مع الزمن، كما في فضاء ادورنو المتشظي. فالعمل هنا او الفنان قد يكتشف كما اكتشف كتاب مثل براوست وهوبكنز وغيرهم من الذين يقدم سعيد تجلياتهم، طزاجة في اللحظة. ولكن العمل المتأخر ليس عن اخر نص يكتبه الكاتب ولكن الملامح المميزة للعمل او كما يقول سعيد في المنهاج الذي رسمه للمساق الذي درسه في جامعة كولومبيا كتاب/ فنانون تعبر كتاباتهم عن ملامح متأخرة تظهر مزاياها في الاسلوب . التأخر قد يعني الجدة او الدهشة، دهشة اكتشاف جديد في خريف العمر، والاسلوب المتأخر قد يكون عن محاولة الفنان او الكاتب التصارع مع الزمن لتمثيل الموت الذي قال عنه صموئيل بيكيت الموت لا يعطينا فرصة اخذ حتي ولو اجازة ، الموت هو الاطار الذي يحدد حياتنا وينظمها، فالموت يتمثل من خلال مزاج متغير وهو ما يحبذه سعيد في العمل المتأخر لان الاسلوب كما يقول وود ليست له حياة ابدية والعمل الابداعي لا حياة عضوية له لكي يفقدها. هذا لا يعني فصل الاسلوب عن فكرة الموت، فالاخيرة تحضر في اعمال الفنانين خاصة مع اقتراب الموت، ويبدو الفنان هنا، ادورنو الذي ألهم الفكرة لسعيد، وتوماس مان وجان جينيه، وغويسبي وريتشارد شتراوس وكفافي ، فهؤلاء تظهر اعمالهم انهم استطاعوا علي الاقل تصفية الحساب مع الزمن. سعيد في تحليله لاعمال الكتاب او فكرة العمل المتأخر، مدين كما اسلفنا الي ادورنو حيث قال في مقابلة صحافية انه التلميذ الحقيقي لادورنو . تلمذة سعيد علي ادورنو لا تعني انه كان متفقا معه او مقلدا له، فهناك الكثير من الملامح الخلافية بينهما، خاصة ان ادورنو المتشائم، تعامل مع المجتمع باعتباره تهديدا وليس واقعا او حقيقة. وفي الفصل الاول من كتابه هذا يشير الي ان ادورنو كان يكتب بمرجعية لا تحتفل بالمراجع او الحواشي، فالقارئ لديه كان ثانويا، اضافة الي انه وفي عصر التخصص التفت الي كل الموضوعات، فكتب في الموسيقي والفن والتاريخ والفلسفة. العمل الاخير او المتأخر هو عن فكرة المنفي التي تحضر كثيرا في اعمال سعيد، فان كان الناقد الراحل قد عاش في ظل الموت لاثني عشر عاما بعد اكتشاف اصابته بسرطان الدم، فقد صارع في كتاباته ومعاركه النقدية والجدلية مع اللوبي اليهودي الذي استهدفه، فكرة المنفي، فهو كان يراوح دائما بين فكرة المابين، ولهذا اهتم بكتابات جوزيف كونراد. فيما يتعلق بفكرة التأخر وعلاقتها بالمنفي الذي يوجد في مكان، فالاسلوب المتأخر هو في الداخل، ولكن بشكل شاذ منفصلا عن الحاضر هو في الحاضر وليس فيه، وعليه تعني فكرة المتأخر لادورنو النجاة والعيش خارج ما هو مقبول وما هو عادي، وليس بعد فكرة المتأخر فكرة .. ومن خلال هذه التحليل يمكن فهم اعمال شتراوس الذي قدم اعماله الفنية في اطار غير تاريخي غير حاضر لانها تعتبر بمثابة المعادل الاخر لزمن قاس وشرس. يقول وود ان خيال سعيد المعطاء او الثر يتعامل مع البهجة كنوع من المقاومة، ويعلق وود قائلا ان سعيد كان قادرا علي هذا الفهم لان البهجة مثل المتعة والخصوصية لا تحتاج الي المصالحة مع الوضع القائم او النظام السائد. وفكرة التأخر التي تدل علي او تعلم عن المقاومة هي ما تجمع تلابيب او الياف هذا العمل الاخير. هنا يتحدث سعيد عن فكرة اللامصالحة مع الواقع، هناك نوع من الرفض او التمرد، ادورنو لاحظ هذا في مقاله الذي نشره عام 1937 عن بيتهوفن انه رفض مواءمة اي صورة مع ما لا يمكن مواءمته، سعيد يعلق علي هذه النظرة عند ادورنو قائلا اثمن شيء اجده عند ادورنو هو التوتر، والقدرة علي الاشارة ومأسوة ما اطلق عليه ما لا يمكن مصالحته . هنا فرق واحد بين ادورنو وبين سعيد ان الاخير لا يقبل يأس الاول ويرفض الجمود السياسي والثقافي. فكرة التأخر والمنفي تبدو واضحة في تحليل وقراءة سعيد لاعمال الشاعر السكندري ـ (1863 ـ 1933) اليوناني قسنطين كفافي، الذي عاش في الاسكندرية ولم ينشر في حياته ولو قصيدة واحدة، واختار 154 مقطوعة شعرية قصيرة في مفاهيم الشعر الحديث، او شعر القرن العشرين، حيث تبدو المقطوعات مثل اشباح تلاحق خيالاته، ويشير سعيد هنا الي قصيدته المدينة ، التي يهجو ويشكو فيها من قدره في هذه المدينة التي لا تحمل اسما، ولكنها تعني في النهاية هذه المدينة المصرية. ومع ان كفافي عاش في المدينة/ الجسد والشارع والمقهي والساحل الا انه عندما تتم موضعته في سياق ادب نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فالقارئ لشعره يدهش كيف تجنب الشاعر او تحاشي ملاحظة العالم العربي المعاصر الذي يتحرك حوله، فالمدينة/ الاسكندرية تظهر احيانا بدون اسم كمكان لحركة الشاعر وظلاله وابطاله او المدينة المستعادة من التاريخ الماضي، الاغريقي، الروماني والعربي. ومن هنا فقصائد كفافي مغروسة في الماضي لا مستقبل فيها وان تمت الاشارة اليه فبعد حدوثه او لانه حدث. هنا عالم كفافي داخلي، اشعاره تظهر حالة من المنفي او الانكار للذات الذي يعكسه علي حركات الاخرين، والمنفي هنا هو المعادل او حالة من الحلول لوجوده المقلق والغريب في مدينة فقدت حسها وطابعها الهليني القديم، حيث ينتظر كما في قصيدته المشهورة التي اخذها جي ام كويتزي الروائي المعروف عنوانا لاحدي رواياته بانتظار البرابرة ، اي بانتظار الكارثة التي ستهبط علي باب المدينة وقلبها، ولكن هذا الاحساس سرعان ما يتبخر في حس الشاعر من ان البرابرة لن يحضروا. ويري سعيد ان واحدا من اهم انجازات كفافي هي قدرته علي اعطاء التأخر المتطرف للعمل الفني، المأساة الجسدية، والمنفي شكلا ابداعيا مهما وهادئا في الوقت نفسه، ومن هنا فالمدينة/ التاريخ تعطي الشاعر مصدرا مهما للعودة والاستلهام منه. يري وود ان اهتمام سعيد بفكرة النهاية او العمل المتأخر عند الفنان والكاتب بدت واضحة في كتابه عن الموسيقي وفهمها الذي اصدره عام 1990، حيث طور الكثير من الافكار والاشارات الي مفاهيم واسعة وقدمها في هذا العمل الاخير بتوسع اكثر، ويشير هنا الي الفصول، الاول والثاني والخامس، وما عزز اهتمامه في هذا المجال هو تشخيص مرضه ووفاة والدته اللذان اشرنا اليهما في بداية هذه المقالة، حيث بدأ مباشرة بالعمل علي سيرته الذاتية التي ترجمت للعربية تحت عنوان خارج المكان ، ومع ان سعيد كتب قائلا لم اكن في وعيي خائفا من الموت الا انه كتب تحت ضغط فكرة نهاية الوقت المتبقي لديه، او فكرة الكاتب الذي لا يستطيع التخلص من حس النهاية، حيث يضيف قائلا بدأت بالوعي بأن الوقت المتبقي قصير ، ولهذا كانت السنوات الإثنتا عشرة الاخيرة من حياته مليئة بالعمل والنشاط، حيث كتب اضافة لمذكراته تأملات عن المنفي (1998)، نهاية العملية السلمية (2000)، السلطة، السياسة والثقافة (2001)، التوازن والتناقضات الظاهرية (2002)، الانسانية والنقد الديمقراطي (2004)، من اوسلو الي العراق وخطة الطريق (2004)، اضافة للمحاضرات والرحلات والمقابلات التلفزيونية، وكما يقول كان علي ما يبدو دائما علي الهاتف. وعلي الرغم من انشغال الناقد بالكتاب الا ان وود يعلق قائلا لم اكن اصدق انه كان يريد انهاء الكتاب، ولكنه كان يريد اتمامه وكان ينتظر الزمن الذي لن يأتي لاكماله فزمن هذا الكتاب هو اللازمن نفسه، ولهذا لم تحن ساعة انهاء الكتاب، فكتابة الكتاب كانت تعني وضع الختم الاخير علي النهاية الطبيعية للكاتب، اي ختام الحياة التي بدأت في عالم النقد في كتابه المهم والاهم البدايات ، بل وقبله في كتاباته عن جوزيف كونراد الذي انشغل به وكرس له رسالة الدكتوراه.الكتاب هو في النهاية مفتاح لكتابات سعيد المتأخرة، وحديثه عن اعمال الكتاب والفنانين الذين اختارهم، لتوسيع المفهوم تصلح في مجال التطبيق لقراءة اعماله، وهنا ماذا عن اسلوبه المتأخر، يقول وود ان ما حكم او ظلل هذه الاعمال هو فكرة السياسة كموقف والاخلاقية والتكريس للحقيقة، حقيقة العلاقات التي تجد صعوبة للتصالح، وعليه يمكن موازنة هذه القراءة بالاعمال، الروايات، الاشعار، الافلام خاصة اعمال فيسكونتي التي يتحدث عنها، باعمال الناقد نفسه. ونشعر هنا ان فكرة العمل المتأخر هي مفتاح للمأسوة والاضاءة ، لاعمال الناقد الذي حاول مساءلة واعادة توضيح العلاقة بين الموسيقي بالنسبة للاداء وعلاقته بالمجتمع او العالم. ولكن ما يلاحظه وود انه علي الرغم من انجذاب سعيد لفكرة العمل المتأخر، ووعيه بتلاحق الوقت وقرب نهايته، لم يكن في يوم من الايام منجذبا لفكرة العمل الاخير الذي يتماهي مع النفس ويمحوها، فقد بقي مثقفا مكرسا للحقيقة ودور المثقف ولم يكن يكتب راثيا لحالته ، فقد ظل حتي وفاته منشغلا باعادة تشكيل نفسه كمثقف، ومن هنا اذا اردنا ان نمرحل حياته، بداية ونهاية وما بين، فقد كان حين وفاته في لحظة المابين او الوسط، وهي مرحلة مبكرة لكي يكتب الناقد عمله المتأخر او الاخير. فالنهاية كما يقول سعيد في نهاية هذا العمل المكثف، ليست عن النضج ولكن عن تفكيك علاقات المثقف بالواقع او السلطة، تفكيكها من اجل الحفاظ عليها و في تاريخ الاعمال الاخيرة في الفن، فانها تعبر عن الكارثة ، وهو ما لاحظه في فصله الجميل عن اعمال الكاتب الفرنسي جان جينيه، الذي ارتبط بفلسطين في لحظة من لحظات حياته القاسية، فاعماله وكتابات كتاب آخر القرن العشرين هي عن المخاطر العظيمة للكارثة والغنائية الرقيقة للرد الفاعل عليها، الذي يبقي بدون خوف وكبيرا.كتاب سعيد الاخير الذي يصدر بعد ثلاثة اعوام من وفاته تقريبا، لا تقترب هذه المقاربة السريعة من حسه، وثراء المادة واللغة به، والقراءة هذه ان كانت قراءة ما هي الا محاولة متواضعة جدا لاضاءة العمل الذي يحتاج الي اهتمام وقراءة اوسع، وهو مع البدايات يشكل رؤية عن مشروع سعيد النقدي، ففيه الكثير من التساؤلات ومحاولات الاجابة عليها، وفيه يبدو سعيد ممسكا بزمام الموضوع، متجليا في اعلي تجلياته الاخيرة .. ہ ناقد من اسرة القدس العربي On Late Style:Music and Literature Against the GrainEdward W. Said Forwarded by:Mariam C. SaidIntroduction by:Michael WoodPantheon Books, New York/ 20060