آخر ايديولوجيا عربية: ترسيخ ثقافة العجز كعقيدة انتصارية
مطاع صفديآخر ايديولوجيا عربية: ترسيخ ثقافة العجز كعقيدة انتصاريةأزمة الحصار الفلسطيني تلعب دور المرآة المضخمة العاكسة لعمق الحالة العربية التي تتخطي أعراض السياسة اليومية بالرغم من كل الهول والفجيعة المزمنة في وقائعها، تتخطاها الي حجم اشكالية لا يريد الاعلام الشائع أن يتواجه معها. ويمكن تلخيصها دائماً تحت مصطلح واحد هو العجز. تقف معالجة مختلف المصاعب عند حد اكتشاف هذا العجز. صار اللفظ مبرراً لكل ما يُبني عليه من التفسيرات والتأويلات. مثلاً: ان تجويع فلسطين يكشف أو يبرهن علي وجود هذا العجز. مجرد ترداد هذه العبارة يعفي القائل والسامع من أية هموم أخري اضافية علي همّ التسمية وحدها. صار العجز نفسه عاجزاً عن تعيين أو توصيف دلالته. فلا حاجة الي وضعه موضع السؤال لا عما يعنيه فقط، وليس عن أسبابه القريبة والبعيدة، بل عن أية طريقة ناجعة في معالجته.ليس جديداً أبداً القول ان العجز العربي مسؤول عن تجويع الفلسطينيين، لأنه المسؤول الأزلي عن نكبة فلسطين من بدايتها حتي هذه الدرجة الراهنة من الانهيار الحالي. لكن ما الذي يحدث حقاً لو انزاح حديث العجز قليلاً نحو حديث المسؤولية ـ ليس بمعناها الجذري، البنيوي والتاريخي، وهو موضوع يخص الفلسفة السياسية، ولا مجال له هنا ـ لو حصل شيء من هذا الانزياح هل يتغير (الموقف) في شيء. فان كان الجواب المباشر والمعهود يحمّل الاستعمار والنظام العربي أعباء المسؤولية كما جرت عادة القيل والقال السياسوي، هل يتحقق الخروج من سلطة المصطلح. هل يكتشف القارئ أو المستمع شيئاً جديداً لا يعرفه. ربما أمكن القول بصوت هامس: ان المصطلح جاوز اللفظ ليصير هو الحدث نفسه. وبالتالي يغدو التعامل مع الحدث، مهما كان هوله وسخريته معاً، استمراراً عقيماً لذات عادات الاجترار لمصطلحاته ومفرداته. أي أن المفردة لا تعود تختصر مسماها أو تحجبه وراء الحرف والصوت فحسب، بل يصير المسمي لاغياً لوجوده، حتي باستقلال عن أفعال تسميته.هكذا يتعايش انسان الوطن مع كوارث الوطن. هذا التعايش لا يبطل ردود الفعل الطبيعية علي تحديات الشر فقط، بل راح يخرجه من علاقة الجلاد والضحية. لم يعد هو الضحية، ولا حتي شريكاً (موضوعياً) لجلاده ـ حسب القول الاصطلاحي كذلك ـ انه واقع علي مسافة من طرفي هذه العلاقة معاً. ليس شاهداً ولا متفرجاً. انه غير موجود بكل بساطة. هل تخطي (مرحلة) الجلاد والضحية، فأمسي خارج أية مرحلة. صار العجز أصمَّ أبكمَ أعمي، لا يكشف عن أسبابه ولا ينبئ عن عقابيله.العجز ليس هو كذلك الا لأن العاجزين لا يعرفونه. عدم المعرفة لا يرادف اللااقرار بالحال، أو استقصاء التعبير عنه، أو رفض التعبير، أو ادعاء الجهل به لدرجة تجاهله. كل هذه الأوصاف تطارد، بل تطرد موصوفها وهي تعتقد أنها تحاصره. ذلك أن العجز لغوياً يعني، بكل بساطة، انفقاد القدرة علي انجاز عمل ما يهمّ صاحبه. بل قد يوحي المعني كذلك بما هو أخطر، بانعدام امكانية الدفاع ضد تهديدات الخارج في البقاء أو الزوال. وهناك تفريعات أخري كثيرة لمعني العجز، لكنها جميعها ترتبط بمسألة توفر القدرة أو عدمها. وفي الحالة العربية يغدو العجز مفهوماً غريباً بالنسبة للامكانيات الهائلة والمتنوعة التي يزخر بها العالم العربي سواء بثرواته الطبيعية أو الانسانية. وعلي هذا فقد لا يكون العجز منطبقاً علي توفر الامكانيات هذه، بل علي استثمارها. هنالك فواصل عديدة بين امتلاكها والقدرة علي استثمارها. ومن أهم الفواصل ما يرجع الي الذات المتملكة وهي كثيرة ومتجذرة، وأخري تأتي من تدخلات الغير عبر هذه المسافة ما بين الامتلاك والاستثمار. وقد اشتغل التوصيف والتحليل والنقد بصورة انتقائية، بالتركيز غالباً علي العوامل الدخيلة، مع تناسي العوامل الذاتية. فكان من السهل دائماً تعيين تهديدات الخارج، واغفال اكراهات الداخل. كان الكلام وفيراً حول توصيفات العجز، الي درجة أن تقارير التنمية الانسانية المستدامة التي اشتغل عليها مثقفون عرب لصالح مؤسسات الأمم المتحدة، أوحت بانجاز مهمة المسح الشامل لظواهر العجز في شتي حقولٍ منتقاةٍ من نواتئ الاشكالات القائمة والملحة، حتي لكأن الاثبات الأخير الذي تريد الوصول اليه، يتمثل في تركيز العجز كواقع (مستدام) هو الآخر، مانعاً لنقيضه فيما يعينه مصطلح (التنمية المستدامة).أتينا بهذا المثال لغرض التوضيح حول تلك القصدية العفوية أو المتعمدة، في (تصنيم) العجز، كما لو كان نتاجَ نفسه، والحاكم المطلق بأمره، عازلاً ومعزولاً سواءً عن الامكانيات المكبوتة المقموعة وراءه، بجهلها أو الامعان في تجهيلها لدي أصحابها أنفسهم. وبذلك يتم تكريس العجز صنواً آخر لمصطلح التخلف؛ يصيران معاً تعريفاً جامعاً مانعاً للحالة العربية، كواقع هو (المستدام) الفعلي، مقطوع تماماً عن امكانية امكانياته، أي تغييره. لا يسقط (التغيير) فحسب في الحلقات المفرغة من متواليات النجاحات الصدفوية والمتبوعة غالباً بالهزائم والخيبات المعهودة، لكنه يصير ذريعة للارتداد واعادة تفعيل وتعزيز الأحوال المتردية التي كان يستهدفها. فأين هي اليوم دعوات التغيير للديمقراطية والانتهاء من نموذج الدولة الأمنية في الوقت الذي يتبني النظام العربي شعارات الحرب علي الارهاب، ليضاعف مجدداً من سلطات أجهزة الرقابة علي مجتمعاته وقمع البوادر الأولية لبعض الحريات النسبية الوليدة.في مصر يأتي توقيت العودة الرمزية والمشبوهة للارهاب مع اشتداد الضغط الديمقراطي علي الحكم في المجلس النيابي لعدم تمديد قانون الطوارئ. لكن يحصل التمديد وتندحر الديمقراطية وفي مجلسها العتيد ذاك نفسه. في فلسطين يتم تعجيز حكومتها الديمقراطية بتجويع شعبها، كما يتم شلها، ومن لحظاتها الأولي، عن المباشرة في أية عملية اصلاحية لتعديل توازن القوة قليلاً مع اسرائيل السائرة قدماً ليس الي تصفية القضية، ولكن الي سرقة بقايا الوطن الأخيرة.في العراق تقترن ديمقراطية الاحتلال الأمريكي بأخطر وأبشع نكباته التاريخية منذ اجتياح المغول التي يجري انبعاثها بخبث تقني غير مسبوق، يستهدف اعادة العراق الي أسوأ مراحل العجز المطلق، بحيث يغدو كل رد فعل ضد التعجيز الاحتلالي سبباً آخر في تفعيل العجز الذاتي. فعوضاً عن اشتداد اللحمة الوطنية في وجه العدوان الأجنبي يجري تفجير فتن التمزيق والتشرذم من كل نوع وفي كل مجال أهلي وشعبي. وبدلاً من التفاف الجميع حول محورية المقاومة والمشاركة المنسقة في مختلف جبهاتها العسكرية والمدنية؛ بدلاً من انتاج التاريخ للشعب المناضل ضد مشروع تدميره الشامل، يبرز الشعب المتقاتل فيما بين مكوناته المذهبية والفئوية والجهوية.تلك هي من أعراض جدلية التعجيز الخارجي أو (الموضوعي)، مع مفاقمة العجز الذاتي وتكون الحصيلة في سيطرة ثقافة الانتكاب العام، فلا يبقي بعدها الا سياسة الرضوخ لاكراهاتها، والتعامل مع ظروفها اليومية بمفردات الاستسلام المقنَّع، من مثل التكيف والتلاؤم، وهذا التعويض بما يُدعي بالعملية السياسية البائسة والمتعثرة، ولكن المرصودة فقط لترجمة واقع الاحترابات علي الأرض، وشرعنة حصائلها في مؤسسات سلطوية زائفة وتابعة أبداً لارادة حاكمها الأصلي: المحتل، أو لمن سيخلفه من صنائعه فيما لو اضطر الي اجلاء جيوشه يوماً ما.خلاصة القول ان العجز في الحالة العربية النائمة ليس سوي قوة سلبية هائلة، وقد تكون هاجعة، ولا تُستثار أفاعيلها الا بتحويلها الي قوة تعجيز للذات بفعل الذات أو الآخر، وبهما معاً غالباً. والتعجيز ليس سوي تحييد للقدرات والامكانيات، وخلق المعيقات دون تشكلها. فيشتغل التدمير الخارجي كأنه تدمير ذاتي وبالعكس. تمسي قصة النهضة نفسها عبارة عن سلسلة انقلابات علي النهضة. حتي يتشكك أكبر النهضويين بأبسط قدرات المجتمع علي التغيير. فقدان الأمل بالتغيير قد يعادل التنازل طوعياً عن امكانية الامكانيات، حينئذ يكون قد تحقق المحظور الأعظم وهو تعجيز النهضة الا عن اعادة انتاج الانحطاط؛ يصير كما لو كان هو الحال الطبيعية المزمنة.9