حاوية العقارب والقردة

حجم الخط
0

صبحي حديدي

تصلك ـ إلي بريدك الإلكتروني، باللغة الإنكليزية، ومن صديق موثوق ـ رسالة محوّلة، يُراد منك توزيعها علي أوسع نطاق ممكن من أصدقائك، بغرض تعميم الفائدة. النصّ يتحدّث عن تصريح عنصري مذهل، وصاعق بالفعل، صدر عن فلان الفلاني (الذي نحجب اسمه هنا لكي لا نمارس الدعاية غير المباشرة)، وهو مصمّم أزياء أمريكي شهير، وصانع عطور وأحذية وملابس رياضية ومجوهرات وموادّ تجميل، للرجال والنساء والأطفال، ومخازنه الفاخرة منتشرة في أربع رياح الأرض.

وتحت عنوان فلان الفلاني يكرهنا، تقول الرسالة ما يلي: هل رأيت الحلقة الأخيرة من برنامج أوبرا الذي استضافت فيه فلان الفلاني؟ أوبرا سألته عن صحة التصريحات المنسوبة إليه بصدد الملوّنين، حيث اتُهم بقول أشياء مثل: لو علمت أنّ الأفارقة ـ الأمريكيين أو الهسبان أو الآسيويين سيشترون ملابسي، لما صنعتها علي هذا النحو الجميل. أتمني علي هؤلاء أن لا يبتاعوا ملابسي، لأنها مصنوعة للطبقة الراقية من البيض؟ فماذا ردّ حين سألته أوبرا إذا كان قد تفوّه بمثل هذه الأقوال؟ أجابها: نعم! وهكذا طلبت منه أوبرا أن يغادر البرنامج علي الفور. القسم الثاني من الرسالة، وهو بيت القصيد، فإنه يحثّك أكثر من مرّة علي مقاطعة قمصان الرجل وعطوره وأحذيته، بغية دفعه إلي وضع مالي يصبح بعده عاجزاً هو نفسه عن دفع الأسعار الغالية المضحكة التي يضعها علي ملابسه. ولا تنسي الرسالة تأهيب المرسَل إليه: إذا كان عددنا قليلاً، فلنوسّع دائرتنا عن طريق تعميم الرسالة علي كلّ الجماعات غير البيضاء، أو البيضاء ولكن من طبقة غير راقية، وسنحصد أفضل النتائج.

وبالطبع، إذا جاءتك الرسالة من صديق عربي، فراهنْ أنّك ستجد عبارة أو العرب مضافة إلي لائحة الأفارقة ـ الأمريكيين أو الهسبان أو الآسيويين، لأسباب شتي لا تقتصر علي حسّ التضامن الأممي المعتاد في مثل هذه السياقات، ولا ينأي بعضها عن عقدة التذكير بأننا في صفّ مضطهدي الأرض، شاء أهل الإضطهاد أم أبوا! هنالك، إلي هذا، تفصيل آخر هامّ: البرنامج المقصود ـ لمَن لا يعلم بعد ـ هو برنامج الـ Talk Show الأشهر في الولايات المتحدة وفي العالم بأسره ربما، وتعرضه أكثر من قناة، وتديره النجمة السوداء أوبرا وينفري منذ عام 1986، وعقدها في تنفيذه مستمرّ حتي العام 2011. وللوهلة الأولي، ليس دون مسوّغ مشروع تماماً في الواقع، قد يفور دمك حين تقرأ تلك السطور الحقيرة (لكي نستخدم التعبير الشهير للرئيس الفلسطيني محمود عباس!)، ثمّ قد ينتقل الفوران إلي أصابعك فتبادر دون تردد إلي تعميم هذه الرسالة علي كلّ أصدقائك، وغير أصدقائك، في دفتر العناوين. من الحكمة، مع ذلك، لو أنك تأنيت قليلاً فقط، وحاولت تدقيق الحكاية بعد طرح السؤال التالي، ليس دون مسوّغ مشروع تماماً هنا أيضاً: أليس من المحتمل، مجرّد احتمال واحد في المئة، أنّ الأمر مختلَق جملة وتفصيلاً، خصوصاً وأنّ التنافس بين كبري الشركات ـ ومن هذا الطراز الصناعي تحديداً ـ قد يبلغ في إساءة السمعة مستويات دامية، أشبه بالحرب الضروس؟

والحال أنك لو جنحت إلي هذه الأناة فإنك من المحظوظين الناجين، إذْ ستقع علي واحد من نماذج تلك الحروب، وستدرك أنك كنت قاب قوسين أو أدني من الانخراط، طائعاً متطوّعاً بالمجّان، في حرب ليست حربك بأية حال. ذلك لأنّ الحكاية تلفيق في تلفيق، جملة وتفصيلاً، ومختلقة علي نحو بالغ الخبث يشتغل علي استنفار مشاعر السخط التلقائية ضدّ أية نزعة عنصرية محضة مكشوفة. هو، من جهة ثانية، خبث يتلاعب بسخط آخر، دفين ضمني ربما، يتصل بإثارة الفوارق الطبقية ـ وليس العرقية وحدها ـ بين البيض وكلّ من السود والهسبان والآسيويين. أكثر من هذا، إذا وصلتك الرسالة مؤخراً، اليوم أو بالأمس أو قبل أسبوع، فها هنا مفاجأتك الثانية: الحكاية ليست بنت اليوم أبداً، بل هي تُستعاد وتُستأنف وتُجدّد، لأنها ببساطة تعود إلي… العام 1997! وآنذاك، حين انتشرت الرسالة كما النار في الهشيم، لم تفلح كلّ جهود صاحبنا فلان الفلاني في نفي التصريحات وإطلاق نقائضها التي تتقرّب من السود والهسبان والآسيويين (ولكن ليس العرب، وا أسفاه)! ، فاستمرّ انحدار مبيعات مخازنه، واتسعت أكثر فأكثر دائرة المطالبين بمقاطعة منتوجاته. حتي وينفري نفسها، التي أحسّت بفداحة مسؤوليتها غير المباشرة عمّا حدث، لم تنجح في تبديد الشائعة رغم تخصيص حلقة لنفي الحكاية، والتأكيد أنّ الرجل لم يظهر في برنامجها أبداً. وكان مارك توين هو القائل: الكذبة تبلغ نهايات الأرض، قبل أن تفرغ الحقيقة من ربط الحذاء استعداداً للمسير!

ويبقي أنّ باعث كتابة هذه السطور مزدوج: أنّ الرسالة وصلتني بالفعل، يوم أمس، من صديق كاتب وباحث وإعلامي عربي معروف، وأنها تذكرة جديدة بحاوية القمامة المرعبة التي تنقلب إليها شبكة الإنترنت بين حين وآخر، حيث تختلط الديماغوجيا السياسية بالبهلوانية الفكرية، ومساخر الأدب بقبائح الفنون، وحيث ينشط الحواة علي شاكلة العقارب تارة، والقردة طوراً!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية