هجاء للتطوير والاعلام الحر ومعارك للتصويت ضد الجميع!
انور بدرهجاء للتطوير والاعلام الحر ومعارك للتصويت ضد الجميع! حين كانت الأنظمة العربية تدير محطاتها الوطنية للبث التلفزيوني، كنا نتمني ان تندحر هذه الهيمنة، وان تفك الأنظمة احتكارها عن الاعلام المرئي والمسموع والمقروء، اسوة بأمانينا التي ذهبت الي فك كل احتكار او هيمنة في حقول المعرفة والاقتصاد والسياسة. لكن، وما ان اطلت علينا الفضائيات العربية التي تكاثرت في العقد الاخير بأسرع من آلية التكاثر بالانشطار الذاتي، فأصبحت لدينا العشرات منها في اغلب الدول الخارجة عن ربقة الحصار الايديولوجي، حتي خرج علينا دعاة الاعلام الموجه وحماة العقائد المتباينة، وحراس الاخلاق والفضيلة يبشرون بالويل والثبور وعواقب الامور فيما لو استمرت الحال. وهي متفاقمة، فعصر الفضائيات هو الشيطان الاكبر الذي امتطته الامبريالية الامريكية في عصر العولمة لتقضي علي ثقافتنا وحضارتنا، بعدما عجزت عن القضاء علي الانظمة الوطنية. المشكلة تبدو مركبة، اذ ان فضائيات الانظمة العربية لا تريد ان تتحرر من خطابها الرتيب ومقولاتها الجاهزة، ولا هي تستطيع المنافسة مع الاعلام الحر او الذهاب الي مراميه، فتقف عاجزة عن استقطاب جمهورها الذي بدأ ينفض عن سامر الحيّ الذي احتكرنا جمهوراً له لسنوات وعقود. لذلك نجد من تربع علي مائدة الاعلام السابق يندب الحال ويشكو المآل في هجاء للفضائيات العربية التي خرجت عن ثوابت الآباء والاجداد، واستعارت برامج الواقع واغاني الفيديو كليب الشبابية، وحتي برامج الحوارات السياسية التي تُعني بالرأي والرأي الآخر، وكأن الدولة المركزية في اقطارنا قد فقدت هيبتها، او اصبحت كـ الحيط الواطي يقفز من فوقه كل من شاء، وهم كثر. عجز القنوات الرسمية عن التطوير، وتناقض مصالحها مع اتجاهاته، دفع بالقائمين عليها الي البحث في الخندق الآخر، ليتحولوا هجائين للتطوير والاعلام الحر، ورافضين لأي تعامل معه، او انتقاد يوجه اليهم علي اساسه، والمصيبة هي ان هذا الرفض يصل في بعض الاحيان حدّ الاجراءات الادارية، فاذا كان السيد علي عقلة عرسان ـ رئيس اتحاد الكتّاب العرب قبل رحيله ـ قد افتي بمنع اعضاء اتحاده من اي تعامل مع قناة الحرة علي سبيل المثال، والا سيكونون تحت طائلة المسؤولية والعقاب، فان الهيئة العامة للاذاعة والتلفزيون في سورية، وجدت ضرورة الرد علي الانتقادات الموجهة اليها عبر صفحة اسبوعية يتيمة باسم فضائيات اجترحتها احدي الصحف الرسمية. فكيف يمكن للتلفزيون السوري ان يتطور، وهو لا يقبل الانتقاد من الصحافة الرسمية في سورية، وكأنها مسألة وطنية. واي انتقاد لمسؤول اعلامي هو انتقاد للوطن، يستدعي المحاسبة والعقاب؟! الاشكالية الثانية ان الفضائيات العربية المتناسلة من بعضها البعض، محكومة بقانون السوق والمنافسة، لذلك يغلب عليها طابع الاثارة والتشويق، سواء أكانت اخبارية او فنية، كما تتسم بالجهد لتقليد البرامج الرائجة عالمياً، عبر تعريبها، او اعادة انتاجها محلياً. وهذا كله محل انتقاد، فكيف اذا كانت المادة الدرامية او البرنامجية هي مادة اجنبية اساساً؟! يشير تقرير لاتحاد الاذاعات العربية، ان اكثر من 90% من البرامج الاجنبية التي تعرض في الفضائيات العربية مليئة بصور العنف والتدخين والادمان علي المخدرات والسلوك الجنسي الشاذ، مع ملاحظة ان تكرار مثل هذه المشاهد يكسب الشباب قيماً وسلوكيات تتناقض مع المعايير التربوية السائدة. وحتي باقي النسبة من البرامج المستوردة تتسم غالبيتها بالجانب الترفيهي المستند الي خلفيات ثقافية، يشير احد التقارير الرسمية ان هدفها احداث آثار سلبية في نفسية المشاهد العربي، ولا سيما جيل الشباب، حيث توجه اليهم ما نسبته 52.3% من هذه البرامج المستوردة فاذا علمنا ان التلفزيونات العربية تستورد سنوياً ما بين 40 الي 60 بالمئة من مجموع ساعات البث لديها من الدول الغربية وامريكا بالذات، اكتشف القائمون علي الاعلام الرسمي حجم المصيبة المحيقة بهم، خاصة وانهم فقدوا القدرة علي احتكار البث الفضائي، وبالتالي علي احتكار المشاهد الوطني. ولكن لو نحن تركنا جانباً البرامج المستوردة وعدنا الي ما يقدم من برامج محلية سوف نكتشف اننا امام نوعين من البرامج، النوع الاول ما زال يقسم المجتمع الي طلائع وعمال وفلاحين وطلاب وجنود وبالتالي يقدم لهم برامج فقيرة لم تستطع في يوم ما اجتذاب اي من هذه الشرائح، حتي في رسائل المحافظات او ما يطلبه المستمعون، بينما النوع الثاني يقدم برامج ترفيهية او حوارات مقلدة لما هو معروف في كل الفضائيات التي تستضيف مهتمين في مسألة ما، وهذه البرامج الحوارية اما تبحث عن الصبغة الترفيهية كهالة شو ، او تنكفيء الي صبغة تقليدية في بحث اي موضوع، كبرنامج هموم مهنة في التلفزيون السوري الذي يتمتع مقدمه بمعرفة تؤهله للاستغناء عن معلومات الطرف المحاور، ولكن اذا لم يكن من بد لوجود هذا الطرف، فلا بأس ان يسأل مقدم البرنامج ثم يتولي الاجابة بنفسه، وكأن الضيف مجرد شاهد او عنصر لاستكمال اللوحة، وقد رأينا شبيهاً بذلك برنامج مصارحات . ما بين هذه الصبغة او تلك تتقدم برامج الرياضة والفلك ومعرفة الطالع وكشف الحجب ومائدة اليوم واخبار الطقس، لكننا في النهاية متيقنون ان معركتنا ليست مع الاعلام الحر وليست مع عصر الفضائيات، الذي انتشلنا من الاعلام الموجه ومن الصوت الواحد. ويبقي السؤال الملح حتي نطور اعلامنا؟ ماذا نقدم في برامجنا؟ ولمن نقدم هذه البرامج؟ المعركة الخلّبية منذ أن بدأ برنامج سوبر ستار العرب في البث من تلفزيون المستقبل ونحن نشهد منافسة لا تنحصر بين الاصوات المتنافسة، بل تمتد لتشمل بلداناً وشعوباً انجرّت الي اللعبة من موقع الانتماء للقبيلة. ليس لأن البرنامج يعتمد علي التوصيت بل لأن التصويت لعبة جري تسييسها، ووقفت وراء ذلك حكومات وشركات اتصالات واجهزة لا داعي لتوصيفها، وقد امتدت اللعبة لتشمل كل برامج المنافسة التي تعتمد علي الاتصالات، وتأخذ رأي الجمهور في تقرير النتيجة.خرجت رويدا عطية كما خرجت شهد برمدا من المسابقة الاخيرة لـ سوبر ستار العرب، وقد يكون او لا يكون هذا الخروج عادلاً لكنها قوانين اللعبة التي قبل شروطها المتسابقون انفسهم. لكن ما هو ليس عادلاً بالضرورة ان تخرج المنافسة ابعد من حدود استساغة الصوت وتقدير جمالياته، لنكتشف اننا مع رويدا عطية كسوريين مقابل المنافسة الاردنية. ثم نكون كسوريين مقابل السعودية مع شهد برمدا، وهكذا سنكتشف في يوم ما اننا كسوريين ضد كل العرب الذين نافسونا او سينافسوننا علي لقب سوبر ستار !! ولنعترف ان العرب الآخرين ليسوا افضل حالا مما لدينا.وليت الاشكالية تقف عند برنامج سوبر ستار ، فهذه روتانا موسيقي تفتح لنا باب التصويت كل احد في برنامج X factor علي متسابقين جدد في حقل الغناء، وكان لنا في سورية فضل المشاركة بصوت جميل ايضاً لمطربة يافعة اسمها هالة الصباغ، بدأت تغني منذ كانت طفلة، وقد يُمثل هذا البرنامج فرصة انطلاقة جميلة لها طالما عجز التلفزيون السوري عن اطلاقها ومثيلاتها من ذوات الاصوات الجميلة.لا بأس بذلك. لكن الملفت للانتباه في ادارة الحملة الاعلامية التي تدعو كل السوريين للتصويت تحت عنوان واحد صوت لصوت سورية ، واعترف بأن هالة الصباغ تتمتع بصوت شجي يُمكن ان يكون له مستقبل في عالم الغناء العربي، واعترف انها جارتي في ضاحية صحنايا ايضاً، لكنّ ما لا اعترف به ضرورة ان اصوت لها لمجرّد انها صوت سورية!! وان هذا التصويت هو معركة وطنية اما ننتصر بها كسوريين او ننهزم شرّ هزيمة.لذلك اقول سلفاً انني لن اشارك في هذه المعركة الخلبيّة التي شغلت مئات الناس واستنفدت الملايين من الليرات والدولارات لصالح شركات الاتصال، ولأنه لم يخطر ببالي في يوم ما ان اعتبر صوت المرحوم فهد بلان مثلاً اجمل من صوت وديع الصافي لأن هذا الاخير لبناني!! او ان اقول بأن صوت هويدا اجمل من صوت ام كلثوم لأن هذه الاخيرة مصرية!! حتي انه لم يكن ممكناً لاي مواطن ان يُفكر بهذه الطريقة في ظل هيمنة ايديولوجية بعثية وقومية، لكن فيما يبدو ان المرحلة انحطت بنا الي درك اكتشاف الهوية والانتماء من خلال بعض الاصوات الطربية. واذا كانت هذه البرامج تنتمي لتلفزيون الواقع، فلنعترف حقيقة ان واقعنا بائس لهذا الحد، واننا افتقدنا كل الرموز القومية والتاريخية، وكل الاهداف التي يُمكن ان نجتمع حولها باستثناء بعض الاصوات الجميلة، التي لم يُفكر اصحابها ان يخوضوا من خلال اصواتهم معارك الانظمة العربية.ہ كاتب من سورية