المثقف الليبي علي فهمي خشيم: رحلة في تاريخ الكلمات وأصول اللغة والحلم العربي

حجم الخط
0

المثقف الليبي علي فهمي خشيم: رحلة في تاريخ الكلمات وأصول اللغة والحلم العربي

ابراهيم درويشالمثقف الليبي علي فهمي خشيم: رحلة في تاريخ الكلمات وأصول اللغة والحلم العربيعلي فهمي خشيم باحث ليبي معروف ومن الجيل المؤسس للثقافة الليبية التي نشأت بعد الاستقلال حيث اسهم في تطوير ودعم البني الثقافية الليبية في بلاده سواء من خلال ابحاثه ودراساته الطريفة والعميقة في حقل اللغات وعلاقاتها النسبية وأولوية العربية علي غيرها من اللغات، او من خلال دأبه علي حضور المنتديات والملتقيات الفكرية والثقافية، العربية والعالمية او من خلال توليه عددا من المناصب الرسمية في الدولة. والحديث مع خشيم كما يقولون ذو شجون خاصة عندما يتعلق الامر بمصير اللغة العربية ودورها الثقافي. علي فهمي خشيم من الباحثين المهتمين بمقارنة اللغات ويؤمن باصالة اللغات العالمية وعلاقتها النسبية بمجموعة اللغات العروبية التي تضم المصرية والليبية والكنعانية وغيرها. وكتابه المهم رحلة الكلمات الاولي والثانية ينم عن معرفة باصول الكلمات ومقارنتها باللغات الاخري، ففي مقدمة كتابه رحلة الكلمات الجزء الاول منه اشار الي اتجاهين في علاقات اللغات بعضها ببعض، الاولي التي تأتي عن طريق النقل والاستعارة والثانية التي تبحث في صلات الشبه بين جذور الكلمات وهو ما قام به علي فهمي خشيم في عدد من كتاباته، حيث يرجع الكثير من الكلمات المعروفة الي اصولها العربية، فاسماء المدن الاوروبية مثل روما، وقرطبة هي عربية في اصولها، والنشيد الوطني الفرنسي، والبرجوازية، وحمض الامونيا، واسماء الاباطرة الرومان كلهم، والنيتروجين هي اسماء وكلمات عربية الاصول والهوية، ويعلق قائلا في تخريجه لكلمة نيتروجين قائلا ان اربعة اخماس الهواء الذي يتنفسه البشر هو عربي. ابحاث خشيم طريفة وهو واع ان هذه الطرافة قد تقود الي الاتهام بالمبالغة في رد الكلمات الي اصولها العروبية. فهو مثلا يشير الي كتاب عبد الحق فاضل مغامرات لغوية وكتابات عبد العزيز بنعبد الله، ومغامرات لويس عوض اللغوية، حيث يصف كتابات الاخير بانها تتمسح بمسوح الاكاديمية ولا هم لها الا الطعن باصالة وسلامة اللغة العربية. خشيم الذي يستند علي معرفة واسعة في اللغات يسوق الكثير من الادلة والظواهر والشواهد اللغوية والاركيولوجية لاثبات وجهة نظره عن اصالة المجموعة العروبية وهي تسمية غير تقليدية حيث تبتعد عن التقسيم اللغوي المعروف بين العربية الشمالية والعربية الجنوبية.الاستاذ خشيم كان في زيارة للندن للاستشفاء وقد كانت مناسبة لزيارته والحديث معه، وهو رجل متواضع، سمح النفس، اريحي، حاضر البديهة، وقادر علي الامساك بزمام الحديث ونقله من دائرة لاخري، وهذا ينم عن موسوعية ثرة، فمذكراته هذا ما حدث التي يشي عنوانها بانه يقرر ما حدث ويسرده تظل بمثابة شهادة عن الحياة في ليبيا في منتصف القرن العشرين، قبل وبعد الاستقلال، وهي شهادة ثرية عن ملامح التشكيل لدي الجيل الذي نشأ علي الهم العربي والاستقلال، ومعاداة الاستعمار، وكغيره من ابناء جيله فقد جرب في التيارات العربية والاسلامية التي كانت محل انتشار بين النخب المثقفة في العالم العربي، والاهم من ذلك فشهادة خشيم التي نحسبها ذات علاقة بالهم الثقافي وتجادله مع السياسة، هي عن المؤثرات وجيل الاساتذة الكبار، واول جيل من المتعلمين الليبيين بعد الاستقلال، حيث نشأت الجامعة التي جلبت لها احسن العقول العربية في مجال الفلسفة واللغة. خشيم يقول انه جرب في الهموم العربية السياسية ولكنه يظل متمسكا بالحلم العربي الذي حمل معه الكثير من الطموحات وجسد الكثير من الاحلام رغم الاخفاقات الكثيرة التي اصابته فيما بعد. ويقدم هنا ملاحظة ذات دلالة لها علاقة باستقرائه للتاريخ ونظرته فيه، حيث يقارن كعادته في عقد المقارنات بين وضع الامة العربية اليوم ووضعها عندما سقطت بغداد فبين سقوط بغداد في يد المغول 1256 وبين سقوطها في يد المارينز بالمناسبة الكلمة عربية، علي الرغم من موقفه الشاتم لهم عام 2003 حالة ذات دلالة، فعندما سقطت عاصمة الخلافة الاسلامية كان جزء الامبراطورية الغربي من مصر وما بعدها سليما، ولهذا السبب مارست مصر دورها التاريخي، وكان انتصار عين جالوت ليعيد للامة العربية ثقتها بنفسها، اما علي ابواب القرن الحادي والعشرين فالامة العربية في طرفيها الغربي والشرقي وقلبها محطمة. وهي ملاحظة علي الرغم من صدقها الا انها مدعاة للكآبة. حضّرتُ في ذهني عددا من الاسئلة حول مصير اللغة العربية في زمن العولمة، وعن اثر الانترنت التي تنتج رطانات مختلفة تجمع احيانا بين العربية والانكليزية، بل ان المزج واضح علي شاشات الفضائيات خاصة بين مقدمات البرامج الشابات التي تتكلم كلمة بالعربية وبعدها بالانكليزية او الفرنسية، وغيرها من الاسئلة عن مصير العربية التي اعتقد انها من اللغات التي لم يخدمها اهلها كثيرا مع ان اكثر من مليار مسلم يحتاجون اليها في الصلاة والدعاء، ولكن الدكتور خشيم وضع الامور في منظورها الخاص، فهو وان آمن بما تراه الابحاث اللغوية في تاريخ واجتماع اللغات بكون اللغة كائنا حيا، الا ان اعتقاده بأولوية اللغة العربية علي بقية اللغات واعتماد اللغات الاخري عليها، علي الاقل من ناحية المشارك والاشتراك بالجذور الاولي، فهو واثق من مستقبل العربية. وكثيرا ما انتقد الباحثون والمراقبون تأخر العرب عن كتابة معجمهم التاريخي وهم الذين كان لهم السبق والحظوة في كتابة وتأليف المعاجم في كل الانواع، وفي رأي الدكتور خشيم فان تأسيس معجم تاريخي للغة العربية مهمة طويلة وصعبة نظرا لتجذر العربية في التاريخ، ومقارنة مع لغات حديثة النشوء فمعجم اللغة التاريخي للغة العربية يحتاج الي جهد كبير. طبعا بدأت الجهود في ثلاثينات القرن الماضي وعادت من جديد في الفترة الاخيرة. في مذكراته هذا ما حدث اضاءة مهمة علي التاريخ الثقافي اللييبي والحركة الادبية العربية في خمسينات القرن الماضي، وفيه سرد لاحداث شارك فيها المؤلف، كاتبا او باحثا ومتحدثا وصانعا للاحداث الثقافية. وخشيم الذي جاء للغة من باب المعتزلة واعمال الجبائيين وتأثر كثيرا باساتذة الجيل الاول من الباحثين الفلسفيين المصريين، محمد علي ابو ريدة، وابو ريان وعبد الرحمن بدوي الذي لم يكن من اتباع مدرسته كثيرا وكتب عن الصوفية والشيخ احمد زروق الليبي، مع انه كان يود اعداد اطروحة الدكتوراة عن حركة افلاطونيي كامبريدج التي رأي انها تأثرت كثيرا باعمال مفكري المعتزلة، وافلاطنيو كامبريدج هم حركة فلسفية نشأت في انكلترا في القرن الثامن عشر. تمنح المذكرات القارئ فرصة للاطلاع علي تشكل رؤي شباب صاروا شيوخا حول الحلم العربي الكبير الذي تداعي، ونري ايمان الشبان هؤلاء بالحلم الناصري، حيث يذكر الكاتب انه توقف عن الكتابة في مجلة لانها هاجمت الزعيم، سيري خشيم الزعيم الكبير، ويلتقط له صورة عندما زار طرابلس بعد ثورة الفاتح. والاهم من ذلك، هي تجادل الحلم العربي هذا وسط تيارات متشابكة، وتشي تجربة خشيم ان هذا الجيل كان مفتوحا علي التجارب الفكرية، الاسلامية. قرأ مثلا سيد قطب، والاشتراكية، والشيوعية، والقومية والبعثية. كانت ليبيا في هذه الفترة مركز جذب واستقطاب للعديد من الوجوه الفكرية والثقافية، كما ان انخراط الكاتب في حركة النشر الثقافي، واصداره مجلات ثقافية اهمها قورينا ، وتعامله مع الكتابة كقدر محتوم تعطي صورة عن هذا التجادل. وفي الكتاب اضاءات كثيرة عن رموز فكرية وثقافية عربية مهمة، من الشرق والغرب. وقد دهشت عندما اكتشفت ان المثقف الجزائري مالك بن نبي الذي حاضر في ليبيا، واستمع له المثقف الشاب، كان لديه حس او رهاب من الملاحقة الامنية، ليس من نظام عربي ولكن من القوي الامنية الكبري. وكنت ولا زلت اعتقد ان مالك بن نبي المثقف الذي كان مشغولا بفكرة الحضارة، وقابلية الدول للاستعمار، وعوامل نشوء الدول، وبداية التاريخ ونهايته، مثقف لم يلق حقه من العناية والبحث والتنوير، ربما لتجربته في فرنسا ومصر، وعودته للجزائر ثم عزلته عن العمل العام وتفرغه للكتابة والنقاش مع الاجيال الشابة. يكشف خشيم عن تيارات كثيرة في الشعر العربي واسماء كثيرة، فهو يسرد الاخبار والاحداث كما حصلت، واحيانا يكتب بلغة ساخرة ومثيرة للضحك. ولكن ما يجذب في مذكراته هو مرحلة التكوين الفكري وعلاقته بالجغرافيا والفضاء، فهو الذي زار العديد من العواصم والمدن، والتقي بأرباب الفكر والثقافة، لا يني يحن لزمنه في زنقة بوشلاكة ، وبحثه عن الاماكن القديمة، او اماكن الطفولة. وتظهر مذكراته صورة عن كاتب ومثقف ليبي قلاق بحسب تعبير صديقه، الفقيه ابن المدارس الدينية الذي سافر لامريكا للدراسة، عمر التومي الشيباني. يستعيد خشيم، حركة الحياة في المدن الليبية في دكان الحاج السوسي صاحب محل العطارة الذي كانت تنفذ منه روائح البهارات قرنفل وجاوي ووشق، وقماري، وقرفة، وفاسوخ .. مثلما يستعيد محلات الطليان ورطانتهم ، وزوايا الصوفيين التي كانت تنطلق منها حلقات الذكر، وقهوة البرعي، والسينما التي كان يملكها فلسطيني اصله من بلدة الجاعوني، وهي التي كتب عنها المفكر والكاتب الفلسطيني الراحل احمد صدقي الدجاني، الذي عمل وصاهر اهل ليبيا. المثقف الليبي هنا كان منخرطا في النشاط الثقافي العربي، يعرف الكثير من الاسماء، يوسف السباعي، وعن اليونسكو ومعارك احمد مختار امبو مع امريكا، معارك نزار قباني الذي ينحاز اليه والي غنائيته، والمجلات الثقافية العربية المهمة، ويرصد صورة عن المجلات العربية التي كانت تصدر للناشئين ونوادي الكتابة واصدقاء القلم الذين كانوا يجتمعون حول مجلة عربية من المجلات المهمة التي شكلت وعي الجيل الجديد بالعالم. كما يتحدث عن مدن اخري، ومرافيء في اسبانيا، ولندن، ودرهم، واوكسفورد، وعن رحلات في الشرق الاقصي مع الفنان الكاريكاتيري الزواوي . كان خشيم شاهدا علي انهيار الحلم العربي بهزيمة حزيران (يونيو). هذا ما حدث هو عن الجيل الذي يصفه الكاتب بانه نحت طريقه بالاهداب في طريق الصوان السوداء، وجعل من عيونه جسرا تعبر عليه الاجيال القادمة الي مستقبل افضل وارفق وارحب واحلي واجمل، جيلي عاش بالامل وتغذي علي الحلم وسار ببصيص من نور الرجاء.. ولا يزال ، وحياته وحياة جيله عن رحلة الزمن التي يشعر ان خمسمئة عام مضت عليها استضأت بفتيلة الزيت، وها انا اسبح في نور الكهرباء الغامر، تعلمت اول حرف بقلم من الغاب علي لوح مطلي بالطين، واذا بي اتصل بالدنيا كلها بشبكة الانترنت.. مشيت حافيا وامتطيت احدث الطائرات الاسرع من الصوت وافخمها، بت علي الطوي ونزلت في افخم الفنادق.. اكلت الجراد ايام المسغبة وطعمت اشهي الاطعمة واشهرها واغلاها ثمنا. عاصرت ضروب الحكم في بلادي، مستعمرة، فمملكة متحدة، فمملكة موحدة، فجمهورية وجماهيرية، وخالطت اهل مختلف الايديولوجيات والافكار وارباب شتي السياسات والاتجاهات، وتعاركت وتصارعت وخاصمت وصالحت ورافقت وداخلت وصاحبت وعاندت وقبلت ورفضت وتفاءلت وتشاءمت ويئست ورجوت، ضحكت وبكيت، نجحت واخفقت، احببت وكرهت، سعدت وحزنت… . خشيم خاض غمار تجربته الثقافية هذه، مراقبا ومشاركا، ومفتعلا احيانا معارك يعتذر عنها، تماما عندما كان طالبا وهاجم كلمة القاها الباحث الاردني ناصر الدين الاسد، الذي اصبح صديقه فيما بعد، كما خاض معركة نقد ضد الشيخ الشعراوي الذي يري انه لمع اكثر من اللازم، ولغته وطريقته في الاداء التلفزيوني مناسبة فقط للعامة والاميين، وهي ما جلبت عليه عددا من الانتقادات، كما يعتقد ان الكاتب الليبي الصادق النيهوم الهيبي الذي اهتم بمقارنة الاديان والف عددا من الكتب اهمها اسلام ضد اسلام كتب بلغة غامضة ادت لسوء فهمه. في جل انتاج خشيم الفكري والثقافي، نري انه ركز علي فكرة حركة اللغة، تواصلها واصولها، وسلسة كتبه، ومعجمه عن اصول الامازيغية البربرية ودفاترها، وعن الاباطرة الرومان واسمائهم العربية، و الكلام علي مائدة الطعام وغيرها تعطي صورة عن مثقف مقنع في عرضه لفكرته مع ان الكثيرين قد يختلفون معه في تأكيده علي اولوية اللغة العربية او المجموعات العروبية، اضافة لكتاباته عن الفلسفة وعلم الكلام والتصوف خاصة اعماله عن احمد زروق شيخ الطريقة الزروقية، والتي كانت موضوع دراسته للدكتوراة، وقراءته في التاريخ الليبي القديم والفرعوني، كلها تعكس الهموم والاهتمامات لمثقف عربي ليبي، هي رحلة بدأت من زنقة شلاكة في طرابلس وطافت العالم وانتهت في نفس الزنقة التي تغيرت قطعا بفعل الزمن.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية