صحافيو العراق
صحافيو العراقمحمد كريشان التفاصيل الوحشية الدنيئة التي نشرتها الصاندي تايمز وقالت إنها تتعلق بجريمة قتل الزميلة أطوار بهجت تفاصيل، إذا ما تأكدت صدقيتها فعلا، لا يمكن تصورها حتي في أكثر أفلام الرعب قسوة وتخويفا، تفاصيل لا يمكن أن تصدر إلا من أناس سقطوا إلي ما دون درك الحيوانية فبات مكانهم الطبيعي داخل الأقفاص أو في مستشفي للأمراض العقلية شديد الحراسة، فحتي في أكثر النزاعات تاريخية أو دموية لا أتخيل أن يمثل عدو بعدوه بهذا الشكل القذر فكيف يمكن أن يفعلها أحدهم بآنسة مسالمة أولا وبنت جلدته ودينه ووطنه ثانيا.ما ورد في الشريط المصور الذي تحدثت عنه الصحيفة البريطانية بغض النظر إن كان تعلق فعلا بالمرحومة أطوار أو بسيدة أخري، كما يجزم آخرون اعتمادا علي شهادات مختلفة بعضها مستقي من عائلة أطوار نفسها التي نفت تماما وبقوة أن يكون ما ورد في الشريط المزعوم يتعلق بها أصلا، يفترض أن يكون الصرخة المدوية الأخيرة إلي كل الطبقة السياسية الجديدة في البلاد لتفيق من سباتها وأوهامها وتسأل نفسها عن هذا الدرك الأسفل الذي وصل إليه العراق الجديد في عهدهم الميمون، فحين تتحول الأخبار اليومية من العراق إلي تكرار صيغة عثر اليوم علي كذا جثة مجهولة الهوية وعليها آثار تعذيب وحين تصبح الجثث المكتوفة الأيدي إلي الخلف والمعصوبة العينين تتكدس في الشاحنات كالأكياس، وحين يتكرر أن هؤلاء اعتقلتهم أو اختطفتهم أو داهمتهم عناصر ترتدي زي الشرطة العراقية فلا بد من وقفة شجاعة لتحديد المسؤوليات والإشارة بأصبع الاتهام الثابت والموثق إلي هذه الجهة أو تلك عوض التكهنات والترجيحات وتبادل الاتهامات دون تحقيق جدي أو اعتقال واحد مدو لمشتبه بهم ناهيك عن محاكمات عادلة تكشف المستور وتحاسب المجرمين. كل المنظمات الدولية باتت تقول ان عدد من قتل في العراق من الصحافيين فاق أي نزاع أو حرب في التاريخ الحديث كحرب الفيتنام أو التصفيات التي حدثت في أمريكا اللاتينية أيام الدكتاتوريات العسكرية أو غيرها، فيما قالت نقابة الصحافيين العراقيين أن 101 صحافي قتلوا في البلاد منذ الغزو الأمريكي، كما أن لا شيء في التاريخ العربي الحديث يشبه ما وقع للصحافيين في العراق اللهم ذاك الذي جري تقريبا للزملاء في الجزائر الذين سقط منهم أيام الاقتتال الداخلي في تسعينات القرن الماضي ما بين ستين وسبعين، بعضهم سقط في البداية باغتيالات ثم تطور الأمر إلي اختطاف وتعذيب وقتل ليتم العثور بعد ذلك عن جثث مقطعة الأوصال أو مفصولة الرأس. ما قاله أمين سر نقابة الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي من أن الصحافي العراقي في زمن النظام السابق كان مقهورا وجائعا وفقيرا وعليلا لأنه لا يستطيع أن يكتب ما يريد، أما الآن فالصحافي العراقي قاصر أيضا بسبب الخوف ، والخوف من ماذا؟ من القتل وليس من مجرد الاعتقال والمضايقة، يذكرني بما قاله لي ذات يوم صديق عراقي في بغداد قبل عامين، فقد قال لي مهموما ومكسور الخاطر ان النظام السابق كان يعاملنا كالقطيع ولكن هذا القطيع كان علي الأقل لا ينام جائعا ولا يخاف أن يقتل بعضه عبثا في الشارع يوميا كما هو حاصل اليوم. هذه هي قمة مأساة العراقيين اليوم: المفاضلة بين دكتاتورية غابرة وعهد أمريكي جديد بأدوات محلية ليس فيه سوي النهب المنظم واسع النطاق والقتل العشوائي أو علي الهوية.9