بعد الغاء قانون التجمعات: الكويت تواجه إشكالية البادية و الحضر

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي جاء قرار المحكمة الإدارية الكويتية الاسبوع الماضي بعدم دستورية قانون التجمعات للعام 1979 متأخرا ثلاثة عقود تقريبا، ولكنه استقبل بارتياح في الاوساط الكويتية لأنه يمثل سابقة مهمة في نمط الحكم في هذا البلد الخليجي، ودفع الي شيء من التفاؤل بامكان تطوير انظمة الحكم في الخليج، وهي أشد الانظمة في العالم جمودا وتخلفا بالمعايير الديمقراطية الدولية. فالغاء ذلك القانون القمعي تطور ايجابي من شأنه ان يضغط علي الدول المجاورة التي ما تزال تحرم مواطنيها من الحريات كافة ومنها حرية التجمع. فليست هناك دولة خليجية واحدة تسمح بالاعتصامات او عقد الندوات بدون اذن من السلطات. وحتي الدول التي تدعي انها أدخلت اصلاحات سياسية في نمط حكمها، مثل البحرين، ما تزال ترفض السماح بحرية التجمع الا ضمن الاطر الرسمية والاملاءات السلطوية. وما اكثر الاعتداءات التي تعرضت لها التجمعات الشعبية المعارضة للعائلة الحاكمة، وما اكثر المصابين الذين سقطوا برصاص قوات الامن لمشاركتهم في تجمعات سلمية للمطالبة بحقوقهم. ولذلك لم يكن غريبا ان يبدأ الاعلام الدولي المستقل بالتشكيك في ادعاءات الحكومة. الكويت، وهي اعرق دول الخليج في ممارستها الانتخابية، بدأت في الفترة الاخيرة السعي لتطوير تجربتها، وذلك لأسباب منها: اولا التغيير الذي تم في رأس السلطة بعد وفاة اميرها السابق، الشيخ جابر الاحمد الصباح، وصعود الشيخ صباح الاحمد الي سدة الحكم. وثانيها: الانتقادات والضغوط الامريكية بسبب بطء التطور والمطالبة بالخروج من الجمود السياسي الذي لف التجربة أكثر من اربعين عاما، وثالثها: العمل الدؤوب من داخل الكويت لحسم الوضع السياسي، فاما ان يكون علي قدر معقول من الممارسة السياسية او ليواجه احتمالات التمرد والاضطراب السياسي الداخلي. ورابعها: التحولات السياسية في المنطقة وما تتطلبه من تقوية الاوضاع الداخلية لبلدان الخليج لمواجهة استحقاقات التغيرات في العراق وايران (بعد فوز احمدي نجاد بالرئاسة وتصاعد الازمة المرتبطة بالمشروع النووي الايراني) وبقية دول الخليج، خصوصا المملكة العربية السعودية، وخامسها، صعود التهديد المنبعث من تنظيم القاعدة الذي يستفيد من التناقضات المجتمعية والسياسية لفرض نفسه بديلا بعنوان الدين. وتحت الضغوط الخارجية تم اقرار السماح للمرأة بممارسة دور سياسي بالانتخاب والترشح لعضوية مجلس الأمة. جاء ذلك بعد اكثر من عقدين من النشاط النسائي الذي ميز الكويت عن اغلب دول الخليج. بعد هذه التطورات، هل يمكن القول ان الكويت اقتربت من الممارسة الديمقراطية الحقيقية؟ للاجابة علي هذا السؤال لا بد من استحضار مقولة اساسية في تعريف الديمقراطية مفادها ان جوهر الديمقراطية يتمثل بالتداول علي السلطة، وقدرة المواطنين علي اختيار حكوماتهم. وهذا ما لم تحققه التجربة الكويتية حتي الآن، ولا ينص عليه دستور البلاد. فعائلة آل صباح هي الحاكمة، يرأسها الامير الذي يعين رئيس الوزراء الذي يقوم بدوره بتعيين اعضاء حكومته. وبرغم تطور التجربة الكويتية، فما تزال الوزارات السيادية بأيدي افراد العائلة الحاكمة، وما يزال الصراع علي المناصب داخل الحكومة قائما. حق المواطن الكويتي في المجال السياسي ينحصر باختيار عضو مجلس الأمة، وليس من حقه الاطاحة بالحكومة او اشتراط الشراكة السياسية مع العائلة الحاكمة. مع ذلك لا بد من الاعتراف بأن عائلة آل صباح قامت علي اساس التشاور مع اعيان الكويت علي نمط الحكم، ولم تحد عن ذلك الا في فترات محدودة، كما حدث عندما قامت بحل مجلس الأمة في 1976 حتي 1981، ثم 1986 حتي 1991. في هاتين الفترتين شهدت البلاد ظروفا عصيبة، وتوترت اوضاعها وشهدت اعمال عنف ادت الي اعتقالات واسعة وممارسة التعذيب. وبسبب هذه المسيرة المضطربة لم تستطع التجربة الكويتية قطع خطوات كبيرة علي طريق تطوير تجربتها حتي الآن. ولكن ذلك لا يعني نهاية الطريق فيما لو وجدت النية لتحقيق التغيير. فالعلاقة بين آل صباح وشعب الكويت تميزت، عموما، بقدر من التفاهم والابتعاد عن التطرف والعنف، وبالتالي فالوضع الكويتي ليس مرشحا لانفجار امني واسع وفق المعطيات الحالية. هذه الحقيقة لا تعني انتهاء التراشق الاعلامي والسياسي بين العائلة الحاكمة والنخب السياسية، كما لا يعني قدرة العائلة الحاكمة علي لملمة شملها بالطريقة التي تؤهلها للحكم المتواصل بعيدا عن التحديات الداخلية والخارجية. وقد اثبتت التجربة ان الكويت مستهدفة في أمنها من الخارج، وما تزال تجربة الاجتياح العراقي للاراضي الكويتية في 1990 ماثلة في الاذهان. وثمة أزمة جديدة ـ قديمة تواجه التجربة الكويتية في الوقت الحاضر، تتمثل بتوسع نفوذ من يسمون البدو علي حساب النفوذ التقليدي لـ الحضر. هذه مشكلة تهدد التوافق المجتمعي وقد تكون لها تبعات غير محدودة الآثار، كما انها ليست جديدة. فمنذ اكثر من عشرين عاما، اتضح وجود شرخ في الهيكلية السياسية الكويتية، وهو شرخ مرشح للتوسع اذا لم يتم التعاطي معه بقدر من الحكمة والجدية. ويؤكد الساسة الكويتيون انها قضية مفتعلة من جانب الحكومة التي رأت مصلحتها علي المدي البعيد تقتضي التحالف مع القبائل البدوية لضمان حضورها السياسي الفاعل بمعدلات تفوق النفوذ الحضري. وبعد الاستقلال مباشرة، اقدمت العائلة الحاكمة علي مشروع التجنيس كمخرج من التوازن القلق بين العائلة الحاكمة ومكونات المجتمع الكويتي الذي اتسم بالوعي والمعرفة والثقافة. وتواصلت عملية التجنيس علي مدي العقود الاربعة الماضية، حتي اصبحت نسبة البدو الكويتيين تتجاوز نصف السكان. ويري بعض الساسة المخضرمين، مثل الدكتور احمد الخطيب، عدم امكان المواءمة بين الظاهرة القبلية والممارسة الديمقراطية. وفي الفترة الاخيرة طرحت هذه القضية نفسها علي الساحة الكويتية بقوة، ويتم حاليا التعاطي في سبل تجاوز اشكالياتها، ان كان ذلك ممكنا. وينصب النقاش الجاري حول الدوائر الانتخابية وضرورة اعادة النظر فيها لتوفير مناخ متساو للجميع للمشاركة في العملية السياسية. في العقدين الاولين من التجربة السياسية بعد الاستقلال (1961 ـ 1981) كانت الكويت مكونة من عشر دوائر انتخابية يمثل كلا منها خمسة اعضاء بمجلس الامة. وبعد فترة حل المجلس الاولي (1976 ـ 1981) تم تحويل الكويت الي 25 دائرة انتخابية يمثل كلا منها عضوان بمجلس الأمة. ادي هذا التوزيع الي زيادة نفوذ القبائل علي الحضر، واستطاعت الحكومة الاستفادة من الوضع، اذ انها تعتبر البدو اقرب الي سياساتها من بقية الكويتيين، وانها اكثر قدرة علي استمالتهم من بقية الكويتيين. منذ العام 1992 بدأ صراع خفي حول كيفية ادارة المشروع الانتخابي في الكويت، لان الرموز المعارضة مثل الدكتور احمد الخطيب، تري ان سياسة العائلة الحاكمة التي اعتمدت تجنيس البدو في العقود الثلاثة السابقة، تهدف لافراغ مجلس الأمة من قدراته الرقابية والتشريعية، وذلك بملء مقاعده بالعناصر القبلية. ويتمثل ذلك الصراع بالحديث الخجول في السابق حول توزيع الدوائر الانتخابية، وظهور ذلك الحديث الي العلن مؤخرا بشكل واضح. ويمثل الاعتصام الذي قام به الوطنيون قبل بضعة ايام امام قصر السيف (بيت الامارة) للمطالبة بتقليص الدوائر الانتخابية الي خمس مؤشرا لعمق الشعور باهمية مسألة الدوائر الانتخابية. هذا برغم ان هذا المقترح جاء اساسا من مجلس الوزراء بعد دراسة مستفيضة قامت بها لجنة خاصة تم تشكيلها للنظر في التقسيم الافضل لتلك الدوائر. وروعي في هذا التقسيم تحقيق امرين: ضمان توزيع سكاني عادل، وتوزيع جغرافي متوازن. والواضح ان البلدان الصغيرة مثل الكويت ستظل تعاني من مشكلة صعوبة توزيع المقاعد البرلمانية، وخضوعها للارادة السياسية للعائلات الحاكمة. وربما الافضل تحويل البلاد الي دائرة انتخابية واحدة لتكون النتائج انعكاسا واقعيا للتركيبة السكانية. فتوزيع الكويت الي خمس دوائر سوف يقلص قدرة الحكومة علي استغلال الوضع لصالحها، ولكنه لن يمنع ذلك بشكل كامل. وبعد تجربة الرجوع الي المحكمة الإدارية حول قانون التجمعات، فقد تعمق الشعور لدي مجموعات المعارضة بضرورة تفعيل تلك الاداة لحل النزاعات، وتقليص قدرة الحكومة علي الاعتماد علي المذكرة التفسيرية كلما شعرت بالحاجة للتدخل بهدف التأثير علي القرارات التشريعية. المحكمة الادارية اثبتت هذه المرة قدرا من الحياد والموضوعية ازاء قانون التجمعات، واعتلت الاصوات التي تطالب الحكومة بالاعتذار عما فعلته خلال ربع القرن الماضي، خصوصا ان هناك من الكويتيين من تضرر كثيرا بسبب قانون التجمعات، ومن بينهم السيد احمد المهري الذي أبعد من الكويت في 1981 بسبب مشاركته في تجمع مناويء للحكومة. وتجربة الكويت اثبتت ان التشبث بالعقلية القبلية يحول دون تطوير التجربة. واذا كانت المحكمة الادارية قد نجحت في اعتبار قانون التجمعات غير دستوري، وذلك بعد ما يقارب العقود الثلاثة، فان اداءها المستقبلي بشأن عدد من القضايا سوف يكون مؤشرا لمدي قدرتها علي الانفكاك من التأثير الحكومي والموروث القبلي. فهناك مشروع الاحزاب ومشروع تجنيس البدون، بالاضافة الي الدوائر الانتخابية، وكلها قضايا ساخنة تتحدي اصحاب القرار، وكذلك المحسوبين علي المعارضة. يضاف الي ذلك ان هناك قضايا اساسية تعتبرها العائلة الحاكمة من القضايا السيادية التي لا تستطيع المحكمة الادارية النظر فيها وهي ثلاث في الوقت الحاضر: المطبوعات ودور العبادة والجنسية. وكان قانون التجمعات رابع هذه القضايا السيادية قبل القرار الاخير للمحكمة الادارية. وسيظل موقف المعارضة صعبا اذا لم تستطع اختراق هذه القضايا السيادية. ومصطلح المعارضة هنا مجازي نظرا لصعوبة تبلور معارضة فاعلة في ظل نظام قبلي يسعي الحكم لتأصيله. انه جانب من الصراع بين الجديد والقديم، بين الديمقراطية والاستبداد، وبين التطور والجمود. فقضية البدون مثلا، ما تزال واحدة من القضايا التي يختلط فيها الجانب السيادي بالحقوق المدنية التي لا تنفك عن اختصاصات مجلس الامة، وقد استغلتها العائلة الحاكمة بشكل فاعل لتجنيس من تشاء بعد الاستقلال لضمان تركيبة سكانية تحقق هيمنتها. وانه لأمر غريب جدا ان تعتبر هذه القضايا ذات طابع سيادي، مع انها مرتبطة بشكل وثيق بالمجتمع المدني وحقه في ممارسة قدر من الحرية في اطار الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي يفترض ان تلتزم به حكومة الكويت. كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية