آيـة النهار

حجم الخط
0

عاطف سليمان

طلعَ النهارُ في أوزير.

نهرٌ ونهارٌ في حِلْف البهجة كما هما في حِلف الشجن.

لكأنما النهار والنهر يتمازجان نوراً وعذوبةً من قبل أن تبتدعهما اللغةُ من الجذر ذاته.

نهرٌ في عنفوانه، فيضٌ وطميٌ وغيضٌ، إماتةٌ وإحياءٌ، بأعرافِ العارفين.

نهارٌ بأولِهِ تعزُّ فيه معرفة القدر اللهم إلاَّ بنبوءةٍ.

المكان الذي هو كِسرةٌ من كرةٍ، هو أوزير.

الزمان الذي هو شذرةٌ من دوراتٍ، هو أول النهار، حيث الشمس هي الإله حور.

قصةُ الـمُبالاة علي الأرض، وسِفْرُ الخلق في أوزير، القرية التي ضربها فيضانُ النيل، دوَّنها مدوِّنٌ متبصِّر، سليلُ السادة الروائيَّة، سعي هناك، وهو علي بيِّنةٍ، ليؤسس مؤسسي أوزير الاثني عشر، وانوجدَ في الأمكنة وفي السرائر، علي مدي قرنٍ، لحظة بلحظة، يتقصي بمسؤوليةٍ، ويحكي ويروي بصفاءٍ وكأنه حرٌ بالرغم من تقييده لنفسه بتداعيات النبوءة التي وسمتْ الروايةَ منذ أولها بنكهةٍ بديعة.

يُهدي سعد القرش كتابه إلي أمه عليها سلام الله، وإلي ابنته الطفلة الوليدة ملك، و يزعمُ أنه لولا عنادها لكانت هذه الرواية أفضل. أظن أن كُتَّاباً ـ أنا أولُهم ـ ممنْ قرؤوا الروايةَ يودون من صميم قلوبهم أن تمنحهم ملكُ جلَ عنادها.

تحقق أولُ النهار مُتعَ الحكي متوسِّلةً أرقي فنونه وسُبُله، وتدُسُّ نوتةَ موسيقاها الخاصة الضرورية في حنايا سطورها فتكون موسيقي لا تشي بمنبعها. يتفاني المكتوبُ وينجحُ في اخفاء شقاءِ الكاتب وجهادِه وصنعتِه الناضجة حسب الأصول. أول النهار هي في كل الأحوال أنصع من حكايتها الساحرة، وأعلي من أن يُرَدَّ تميُّزُها إلي عنصرٍ أدبي مفردٍ يشتمله المصطلح.

ثمة اعمال روائية (وغير روائية) يشعر ويدرك قرَّاؤُها أثناء القراءة الأولي أنها تعنيهم بما يفوقُ العادة، وأنهم سيعودون إليها، وهم يعودون إليها ـ ككنزٍ ـ مرةً ومرة، ويتوارثونها، ذلك أنها مغذيَّة روحياً ومُلهِمة دون أن يبدو أنها قد عنتْ أن تكون كذلك، وذلك أنها ذات مددٍ جمالي يتجددُ ـ وكأنها تنمو ـ في كل قراءة جديدة، منها في اللغة العربية الحرافيش ـ نجيب محفوظ، و فقهاءُ الظلام ـ سليم بركات، و أول النهار ـ سعد القرش.

علا الضحي في أوزير، و مات كبيرُها الشيخُ عمرانُ (وكأنه ذو عمريْن)، قُبيل نهاية العمل الروائي، ولعل غيابَه أفجعَ وأحنقَ منْ يؤمنون بالأدب إيماناً مستقراً. يا ليت للكاتب حيلة في شأن الأعمار المحدودة.

لا يزال ـ بعدُ ـ في نهار سعد القرش مواقيت وروايات مخبوءاة، ولنا منها وعود بأوقات سعيدة في قراءتها.

ہ كاتب من مصرہہرواية أول النهار، للكاتب: سعد القرش، الطبعة الأولي 2005، الناشر: الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية