قرار الرباعية بدفع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية عن طريق البنك الدولي حرر حكومة حماس من مسؤوليتها ولم يلزمها بتغيير مواقفها حسب الشروط

حجم الخط
0

الموظفون الفلسطينيون سيتلقون رواتبهم كعاملين لدي البنك

الرباعية ـ الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة ـ التي تنسق السياسة الخارجية والدعم الدولي للفلسطينيين قررت في اجتماعها الأخير أن تحول الموظفين الفلسطينيين في السلطة الفلسطينية الي موظفين لدي البنك الدولي.

فهذا في الحقيقة، هو المغزي الفعلي لما تم الاتفاق عليه التسوية التي تتجاوز حماس حيث ستُنقل الاموال لمساعدة الفلسطينيين التي بلورت سياستها هذه الـ الرباعية من اجل التخفيف من حدة الازمة الاقتصادية القاسية التي تعم المناطق الفلسطينية في أعقاب أداء حكومة حماس اليمين وتشكيلها الحكومة.

فهذه المبادرة، التي وُلدت في عقل الرئيس الفرنسي، تبشرنا باقامة صندوق مساعدات دولي خاص ستتم ادارته والاشراف عليه من قبل البنك الدولي وبواسطته سيتم دفع رواتب ما بين 130 ـ 140 ألفاً من العاملين في الاجهزة الأمنية والوزارات ومؤسسات السلطة الفلسطينية. وبذلك، يحكي لنا زعماء هذه الـ الرباعية بأنهم سيثبتون قدرتهم علي تجاوز حكومة حماس دون الاعتراف بها، وفي نفس الوقت تقوية مؤسسة الرئاسة وأبو مازن الذي عن طريقه وبواسطته سيتم دفع الرواتب للموظفين الفلسطينيين العاملين في المناطق.

هذه الادعاءات وغيرها تُنذرنا بشيء جديد. ففلسطين انتخبت حكومة، وعلي هذه الحكومة المنتخبة أن تُدير أمور موازنتها: أن تجبي الضرائب من المواطنين الذين انتخبوها وأن تشد الحزام علي نفقاتها التي ليس لديها أي شيء تنفقه عليها. فلا يُعقل أبدا أن تكون حكومة منتخبة وبطريقة ديمقراطية وتتنصل قبل كل شيء من دفع رواتب موظفيها والعاملين لديها وأن تدحرج هذه المشكلة الي باحة المجتمع الدولي.

وحكومة حماس في هذا الموضوع لم تأت بجديد. فموضوع الكرم والحصول علي المعونات ليست جديدة وكانت منذ ايام الرئيس السابق للسلطة ياسر عرفات. فعرفات، كما نعلم، وضع نصب عينيه هدفا وأراد تحقيقه علي حساب العالم المتحضر، فأقام جهازا بيروقراطيا عسكريا ضخما يُطيع أوامره ويخدم المصالح التي يديرها، ولهذا الغرض كان يجمع مليارات الدولارات من دافعي الضرائب في العالم الغربي سنويا وشهريا. ومع الشكر للدعم والكرم الذي أُغدق علي الفلسطينيين وعشرات الوزراء ومساعديهم ونوابهم ومكاتبهم وأقسامهم ودوائرهم المختلفة ومجالسهم المحلية، الي جانب الوضع الأمني الذي اهتم عرفات كثيرا في دعمه من خلال محاولة تحويله الي جيش تابع له.

والآن انتقلت هذه القطاعات السياسية الفاسدة الي أيدي حماس، وهذا ما تم ـ ولم لا؟ لأن هذه معنية باستمرارية هذه الترتيبات السابقة. وأنها سوف تنجح بذلك اذا تمكنت بفضل المبادرة الفرنسية والتي تبنتها الرباعية الي شيء عملي يمكن تنفيذه، وبذلك يتم تحويل 130 ـ 140 ألفاً من موظفي السلطة الفلسطينية الي ما يشبه موظفي البنك الدولي ويواصلون عملهم (مع أن نسبة كبيرة منهم ارتفعت رواتبها فجأة عشية الانتخابات التشريعية)، فهذه الرواتب والفروقات سوف تُدفع اعتبارا من الآن من صندوق البنك الدولي، وكأنهم فعلا موظفون رسميون لديه. وبذلك فان حكومة حماس سوف تتحرر من مسؤوليتها في وضع الموازنة وأن تشعر بالسرور من ابتعادها عن دائرة الخطأ والعقاب. سيطرتها علي الجمهور الفلسطيني سوف تتعزز، ولن تضعف كما يعتقد البعض. سوف تتمكن من التباهي أمام ناخبيها: ها قد حصلت علي ما ينقذ وضعكم المعيشي، وهذا بفضل ضغوطنا علي المجتمع الدولي الذي فشلت جهوده بتحويلنا عن برنامجنا السياسي بما في ذلك امكانية الضغط علي اسرائيل لتغيير مواقفها.

الوضع الاقتصادي السييء جدا لدي السلطة الفلسطينية هو عبارة عن ناتج فعلي ومباشر للانتفاضة والارهاب (الذي أضر بالفلسطينيين أكثر من غيرهم)، وكذلك من استمرارية الاحتلال الاسرائيلي (والذي أضر باسرائيل أكثر من غيرها)، وكذلك من حالة الفساد الكبير في اوساط السلطة الفلسطينية نفسها. ولكي تُنفذ عملية اصلاح أساسية وجذرية في شروط الحياة المعيشية لدي الفلسطينيين فالمطلوب هو تسوية سياسية اسرائيلية ـ فلسطينية. ولذلك، طالما أن حماس ترفض شروط المجتمع الدولي والتي وضعتها الرباعية، فلا يجوز تحويل اموال المساعدات لاجهزة السلطة ومؤسساتها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وللأسف، فان المجتمع الدولي تنازل اختياريا عن موقفه الرافض والضاغط الذي أعلنه أمام حماس ـ ضغط الاموال ـ وفوت فرصة تاريخية بأن يفرض علي حماس كجسم سلطوي أن يُغير موقفه من خلال المثلث السلطوي المتمثل في الميزانية والادارة والسياسة.

ما الذي يمكن للدول الداعمة أن تفعله ازاء حالة الفقر القاسية في المجتمع الفلسطيني؟ هل تمد يد العون والمساعدة الانسانية الفورية والكبيرة للسكان الفلسطينيين، أو للمنظمات الانسانية التي تعمل علي انقاذ ومساعدة الفلسطينيين بصورة منفردة، هل تعالج قضايا البطالة، تعالج قضايا الاولاد وكبار السن، هل تمول العيادات الصحية والمستشفيات والمدارس الفلسطينية، كل هذه التساؤلات طُرحت أمام المجتمع الدولي وحظيت بالاهتمام، ولكن لا يجوز بأي حال من الاحوال أن تُدفع رواتب لموظفين، وسياسيين وذوي الزي العسكري الذين يخضعون حاليا لحكومة حماس عن طريق قرار الرباعية إلا اذا كانت حكومة حماس ليست أهلا للقيام بوظيفتها كحكومة، واذا كان كذلك، فلتستقيل.

سيفر بلوتسكرخبير اقتصادي ومحلل استطلاعات(يديعوت احرونوت) 11/5/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية