الطير المسافر

حجم الخط
0

أمجد ناصر

لا تخفق القلوب من دون مواجع ودندنات، لا يكون الحب حبا بلا اغنية تشبهك وتقول عنك، حتي وان كنت تتخيل انك قادر علي القول (كالشعراء مثلا)، فالحب في الاغنية مثال، اكتمال، سواء في الهجر او الوصل، بينما يرجّح الحب في الواقع كفة النقصان، لانه حب لم يعش، في بوحه العالي، الا في الاغاني. انه تمرين علي الحب في باحة الاغنية. كم مرة قلد الحب في الواقع (حب المراهقين والناضجين علي السواء) ذلك الحب الذي تتفطر به الاغنية وتتفتق مواجعها؟

كأن الحياة، دائما، تقليد لمثال غائب، او مثال غير متحقق، او كأنها ذكري وترجيع اصداء.

قبل ايام كنت استمع (للمرة الألف) الي شريط لنجاة، فكرّ شريط ٌ من الذكريات الي الوراء: (سكة العاشقين) اعادت تذكيري بـ(سحر)، ومريولها المقلم بالاخضر وشعرها الطائر في الهواء، ووجهها المذعور من احتمالين متناقضين: ان اقترب منها فيرانا احد اقاربها، او ان ابتعد عنها فينقطع ذلك الخيط السري الفاتن الذي يربط بين خطوينا علي طول شارع (السعادة) في الزرقاء المتوجة علي عرش الغبار. كما ذكرتني (عل اليادي) بيد غضة تلامس وردة جورية في حديقة علي حافة الصحراء، صاحبة اليد الغضة التي تلامس الوردة الجورية داكنة الحمرة كانت تترجم حرفيا اغنية المغنية المصرية التي تتحدث عن الورد الذي طالما جرح ايادي حتي ايادي (الجناينية) وتتطلع الي، تحت شمس شرسة تميل الي الانكسار عصرا، عندما تصل نجاة الي القول (لا يا ألبي كلو الا دي ما نستحملش اسية)! عندما يتذكر الناس وجوها احبتها تقفز الي الذهن اغنية مرتبطة بتلك الوجوه التي غادرتنا او بقيت، بمعجزة فذة، معنا، فالحب ليس ممكنا من دون الاغاني التي يتمرأي (.. او يتمرغ) فيها، فإن لم تكن الاغنية مرآة لاحوال العاشق فهي مرساله الذي ينوب عنه وشعره الذي لم يكتبه وصوته الذي يصدح به المذياع في بيت الحبيبة المسور عليه دونه.

كثيرمن الاغنيات عنت لي شيئا محددا وارتبطت بوجوه بعينها واحداث لا يمكن تذكرها من دون ان يكر شريط الاغنية مرة اخري كأن زمنا لم يمر، ومياها كثيرة لم تجر تحت الجسر.

ام كلثوم، مثلا، لا تذكرني، أني وايان سمعتها، بوجه معين بقدر ما تذكرني بمقاهي الزرقاء في العصريات التي تنكسر فيها حدة شمس مصلتة علي الرؤوس ويخلي الصهد موقعه الراسخ لنسمات لا اعرف مصدر طراوتها سوي المياه التي كان يدلقها الناس امام بيوتهم او محالهم التجارية.

لا ادري لماذا لا اتذكر الزرقاء الا في صيفها الصهدي حيث يتراقص الغبار والسراب في الفراغ الذي يلي (السبعة جسور)، حيث دفنا (ام يوسف السليم) اول ميت اتذكره من اقاربنا في سفح الجبل الذي يلي (سكة الحديد) وصولا الي معملي الدباغة والورق، آخر نقطة كانت تبلغها اقدامنا الحافية في بحثنا عن اشياء ثمينة (اسلاك نحاس، زجاجات كازوز، خردة يمكن بيعها)، ورغم بردها الذي (يقص المسمار) فانا لا اتذكر شتاء الزرقاء، ولا ثياب الشتاء، حتي انني اشك بارتدائي معطفا او (جرزيات)، فالصور التي اتذكرها لنفسي، خصوصا في فترة المراهقة، هي لشاب اسمر نحيل ذي شعر طويل وشارب مكسيكي بقمصان مزمومة، مفتوحة عند صدر تكاد تبرز عظام قفصه الصدري وبطن ضامر وبنطلون (شارلستون) يكنس غبار الظهيرات القائظة!

العصاري إذن كانت لأم كلثوم بامتياز.

صوتها هو الذي يحدد الوقت.

تستطيع ان تعرف انها الساعة الرابعة لان صوت ام كلثوم انطلق من الاذاعة الاسرائيلية التي فشلت في اجتذاب المستمعين العرب اليها الا في هذه الساعة المخصصة لام كلثوم، وقد دخلت (اذاعة العدو)، كما كنا نسميها آنذاك (!) في منافسة مع الاذاعات العربية الاكثر شهرة كالقاهرة ودمشق وعمان من خلال ام كلثوم التي كانت تخصص لها الاذاعات الاخري ساعة غنائية كاملة.

وساعة غنائية لام كلثوم لم يكن كرما من تلك الاذاعات، فأم كلثوم هي نفسها التي تحدد الوقت وتفرضه علي السماع، لان اي اغنية لها كانت تستغرق، ببساطة، ساعة كاملة.

لمراهق مثلي لم تكن اغاني ام كلثوم تعني الكثير، كان خطابها في العشق يحتاج نضجا وتأملا في احوال لم ابلغها، غناء مسهب ولازمات صوتية متكررة ولا صبر لي عليهما، نجاة وعبد الحليم حافظ هما بطلا مراهقتي، شادية قليلا، فايزة احمد اقل، ولكن يمكن لمحرم فؤاد ان ينافس عبد الحليم احيانا بصوته الذي يتقطر الما وسكرا.

استطيع الان ان استعيد عشرات الاغاني لنجاة التي عبرت عن كل اللوعات والمرارات والحلاوات التي يتقلب بينها قلب العاشق الصغير.

ولا ادري هل كان استماعي الي برنامج تبثه اذاعة القاهرة عن المغتربين بعنوان (الطير المسافر) يستمد عنوانه، فضلا عن مقدمته الموسيقية، من اغنية لنجاة بنفس الاسم، هو مجرد مصادفة ام تنبؤ مبكر بما تخبئه لي الايام؟

فوقتها لم اكن قد وصلت ابعد من عمان.

لم تكن هناك بلاد بعيدة تلوح لي.

ولا فكرة في ذهني عما سأكون: ربما ضابطا في الجيش كما هو شأن والدي.

لكن الطير المسافر الذي تنده عليه اغنية نجاة كان يشبهني رغم انني لم ابرح حارتنا المسكونة بوطأة العيش لا بمواجع القلوب ولا بالسفر الذي يأخذ الناس الي بعيد لا يردهم.

سمعت الاغنية نفسها قبل ايام واكتشفت انني اشبه اولئك الذين كانوا يهدون سلاماتهم واشواقهم الي ذويهم في الاوطان، وان ذلك البرنامج الاذاعي وتلك الاغنية كانا يتنبآن بمصيري في بلاد تسقط فيها الامطار علي رؤوس الناس، علي ايديهم، علي قلوبهم، علي جروحهم السرية كعقاب سماوي.

قرأت اسماء الشعراء والملحنين علي الشريط، فاكتشفت ان تلك الاغنية لبليغ حمدي فعرفت لماذا ظلت، تدندن بصوت خفيض في ذاكرتي، كل هذي السنين.. انه ايضا بليغ حمدي!

بليغ حمدي ونجاة، بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ، بليغ حمدي وام كلثوم، تلك هي الاغاني التي ما تزال قادرة حتي الان علي اثارة مواجع قديمة امحت تقريبا الوجوه التي ســـببتها ولكن بقيت الاغاني.

يا لبليغ حمدي عندما يفتت قلبه علي النوتة الموسيقية.. انه شيء لا يحتمل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية