لبنان الطائفي لن يصبح دولة واحدة لكل ابنائه

حجم الخط
0

لبنان الطائفي لن يصبح دولة واحدة لكل ابنائه

شفيق سليمانلبنان الطائفي لن يصبح دولة واحدة لكل ابنائه ان نظرة الي ما حصل في الانتخابات النيابية الاخيرة ترينا ان لبنان ما برح حتي اليوم امارات وكيانات طائفية، وانما تحت عنوان جديد: هو الجمهورية اللبنانية . ولتوضيح ذلك اورد لك ما يأتي:عند عودتنا من استراليا الي لبنان لطبع الجزء الاول من كتابنا تاريخ لبنان كما كان ، رأينا عودة العماد ميشال عون الي وطنه من منفاه في فرنسا، مرحبا به ترحيبا من الحكومة اللبنانية التي عطفت عليه في المصاعب التي كانت امامه، توقف ملاحقته في دعوي مثوله امام الكونغرس الامريكي لاجل تأييده عندما قرر ما يسميه قانون محاسبة سورية (2003)، واعادة الحقوق المعنوية والمادية اليه ولا سيما منها رفع الحجز عن امواله. رأينا حصوله علي ارتفاع هائل في عدد الاصوات المسيحية التي نالها في انتخابات 2005 النيابية، والتي كانت علي مقدار يفوق تقديرات خصومه. وقد كان، قبل دخوله في الانتخابات، استعمل برنامجا اول ما لحظناه فيه هو سلخ الطائفية من السياسة وقلع العصبية من الدين، مما يُعد في الواقع نعيا علي رجال السياسة توسلهم الطائفية لاستمرار بقائهم، وعلي رجال الدين تدخلهم في السياسة لتقوية نفوذهم. ومع كونه لم يتحرج من اعلان عزمه علي علمنة الدولة، اذ ان كل لبناني يجب عليه ان يوالي وطنه لا طائفته ليكون أهلا لتقلد منصب، فانه غدا، بعد خروجه من هذه الانتخابات ظافرا، الممثل الاعلي للمسيحيين، والناطق الاقوي باسمهم، واصبح اكثر زعيم ماروني شهرة ونفوذا. فلهذه النتيجة كانت هوة الفرق بينه وبين ناخبيه عميقة جدا في النظر الي الدين. وكانت سرا تحيرت فيه العقول (…).وهذه هي صفة الحال في وليد جنبلاط الذي بايعه الدروز بالزعامة وتعهدوا بطاعته والانقياد له. وكذلك امسك السنة يد سعد الدين الحريري علامة قبولهم اياه واليا عليهم خلفا لوالده رفيق الحريري. واما الشيعة فقد رتعوا في الولاء لـ حزب الله و حركة أمل ، كما كانوا راتعين لهما اصلا. لكن الانتخابات الاخيرة اعطت الحزب والحركة التحالف والتلاحم بل جعلتهما قوة واحدة موحدة عُقدت اليها جميع الاعناق.وفي ما تقدم ما يكفينا مؤونة الرد علي كلام الذين كلما تحدثوا عن هذه الانتخابات قالوا عنها هذه الجملة: انها انتخابات ديمقراطية وطنية علمانية . كون المسيحي المتطرف تحالف مع السني الراديكالي (طالب الاصلاح السياسي التام السريع)، والسني مع الشيعي، والماروني مع السني، والدرزي مع الجميع. وهكذا.. وهذا لعمري منتهي المكابرة علي الحقيقة. اذ لا يشك احد في ان اللبنانيين في هذه الانتخابات كانوا اشد تمسكا بالطائفية من اي وقت مضي، بل لم يسبق ان اعطت انتخابات نيابية في لبنان قوة واعتبارا للطوائف مثل ما اعطته هذه الانتخابات. واظن ان العقلاء في لبنان يدركون هذه الحقيقة.وان كان ظن هؤلاء ان هذه النتيجة تؤمن لبنان علي استقلاله وحل مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتجلب السلام للبنانيين، فهذا وهم عريق في البطلان. لان جميع الاضطرابات والمآسي اللبنانية تولدت من خلافات دينية، مع انها لم تكن دينية بأسبابها المباشرة. بدءا بثورة 1958، مرورا بأزمة 1969 (اتفاق القاهرة)، وصولا الي ازمة 1973، وانتهاء بحرب 1975 ـ 1991. وان كان ثمة أمل بالوحدة الوطنية وتمكن الألفة في ما بين اللبنانيين، فلا يكون الا بسياسة العدل والمساواة، والعدول عن تلك الاساليب الطائفية الخبيثة مما هو قائم الان، أي بطرح نير الطائفية من اعناقنا.اجمال الكلام ان الطبقة السياسية الخسيسة غلبت علي اللبنانيين واستعبدتهم منذ اول مراحل الاستقلال التام الناجز (…)، وحتي هذه اللحظة التي نكتب فيها هذه السطور، وخربت بيوتهم وشتتت شملهم وشوهت سمعتهم، فتريد ان تحتاط لاجل تأبيد سلطانها عليهم بجميع الوسائل، ولا تقف عن شيء في سبيل احكام سلاسل هذه العبودية، فتراها تحت هذه الجملة: الوحدة الوطنية تستميت في استئصال كل ما تخشي وقوفه في وجه مآربها السيئة، من فصل الدين عن الدولة، والانتماء الي الوطن بدل الطائفة، والارتفاع من موضع العصبية الي موضع القومية. ولا شك ان اغتباطها بعدم استعمال قانون انتخابي حزبي يقوم علي آراء قومية ووطنية، ونجاحها في جعل اصطلاحاتها الطائفية قانونا يُرجع اليه في الانتخابات النيابية (كما رأينا في انتخابات 2005)، هما من آثار مكايدها الشيطانية التي نشأت عليها وما زالت تكد في استعمالها لتحول دون وضع الولاء للأرض ـ الوطن محل الولاء للطائفة ـ القبيلة. ومما يؤسف له كل الأسف هو كون سواد اللبنانيين لم يبرحوا علي حال من السذاجة والتخلف الاجتماعي كالتي عُرفت منذ قرون. فتراهم يسومون علي هذه الطبقة الفاسدة المفسدة الراتعة في ما حشدته من الثروات الضخام ثمن اللحم والدم (…)، يؤيدونها (عوض الجهر بضرورة الانتقام منها) في تمرغها في الذميم الدميم، علي الرغم مما تحملوه من الخسائر في الاموال والارواح كونها هي مسؤولة عما حل بلبنان من مآس وكوارث في حرب 1975 وما بعد، وما عانوه من اكدار الالتجاء والانقياد لها ابتغاء تدبير امورهم وسعيا وراء تحقيق حقوقهم. لانهم لا يجدون مؤسسات حكومية يتوكأون عليها، ولا دولة يطمئنون بها. تراهم يرتضــــون ايذاء انفسهم بسبب كونهم نشأوا علي العصبية الدينية ولا يتلفتون الي سوي طوائفهم، ويخرون ساجدين امام عماهم الطائفي فطرة . واعجب من هذا انه اذا قام قوم من اللبنانيين بطلب الغاء الطائفية السياسية وبناء دولة وطنية حقيقية تؤمن المواطنين علي حياتهم، قامت تلك الطبقة السياسية سدا في وجه مطالبهم، ونهضت لمنع اللبنانيين يعيشون كالاخوة، ويغارون جميعا علي وطنهم. فتراهم قد غدوا بسببها منقسمين الي طوائف ومذاهب ليس بين بعضهم مع بعض من الالفة اكثر مما بين ضروب البهائم المتآلفة في حدائق الحيوانات (…).وعلي هذا كله فان لبنان الذي يدين لحكم هذه الطبقة السياسية المتعصبة الرجسة النجسة الجاسية، التي جنت عليه جنايات هائلة وجرحته جروحا كبيرة، بحيث جعلته امارات وكيانات طائفية ردءا لها في مناصبها ومنافعها، لا يمكن ان يصبح دولة موحدة ونهائية لجميع ابنائه. ولكن هل تظن هذه الطبقة الاستغلالية في لبنان ان بمقدورها ان تحفظ اللبنانيين راسفين في اصفاد الطائفية والعبودية الي الابد؟ہ صحافي من لبنان يقيم في استراليا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية