ماذا جري في الدورة 171 للمؤتمر القومي العربي بالمغرب؟

حجم الخط
0

ماذا جري في الدورة 171 للمؤتمر القومي العربي بالمغرب؟

محمد عبدالحكم ديابماذا جري في الدورة 171 للمؤتمر القومي العربي بالمغرب؟في أحيان كثيرة يكون تناول ما يجري في المؤتمر القومي العربي مصدر متاعب اعتدناها من البعض، وكثيرا ما أدي ذلك إلي نوع من العتاب أقرب إلي المساءلة غير المبررة، ومع ذلك سوف نتناول بعض ما جري في المؤتمر، إيجابا أو سلبا. ولنبدأ بالجانب الإيجابي، فمجرد انعقاد المؤتمر علي مدي سبع عشرة دورة، في عواصم عربية عدة، واجتماع هذه النخبة من المفكرين والقادة السياسيين والأكاديميين والاعلاميين، الموزعين علي أقطار الوطن وبلاد المهجر، فمجرد تواصل هذا الانعقاد منذ عام 1990 وحتي الآن، وبهذا العدد الكبير لهو انجاز في حد ذاته، فضلا عن أنه يتيح الفرصة أمام كل هؤلاء للالتقاء وتبادل الرأي.. تميزت هذه الدورة بحضور بارز لفلسطينيي 1948، ممثلين في مشاركة السياسي والأكاديمي البارز عزمي بشارة، وتميزت كذلك باتساع مشاركة الأعضاء، وتداول المسؤولية، التي أوصلت المحامي المغربي خالد السفياني إلي منصب الأمين العام.. بجانب أن حظ هذه الدورة من التغطية الاعلامية كان كبيرا، تابعت أعماله أجهزة الاعلام والصحافة المغربية والعربية، وقامت قناة الجزيرة بتغطية مباشرة لأغلب جلساته، وشهد المؤتمر ظاهرة جديدة صنعها الاحتضان الواسع، من قبل المجتمع الأهلي المغربي، من خلال برنامج مواز التقت فيه الفعاليات المتنوعة من مختلف القطاعات الأهلية والنقابية والحزبية المغربية مع خبرات وفعاليات فكرية وسياسية وإعلامية من بين المشاركين في المؤتمر.في هذا الجو جاء حديث عزمي بشارة منبها ومحذرا القوميين العرب من الوقوع في فخ التعميم بالنسبة لفلسطينيي 1948، لا بتخوين الجميع أو تحويلهم إلي أبطال، وكان ذلك مدخله لتفسير التعددية الحزبية في البرلمان الصهيوني، فهي تعددية مطبقة بأدوات صهيونية، ومن بينها التعددية الاعلامية.. والاعلام العربي لفلسطينيي 1948، في غالبيته، يخضع لنفس الظروف لأنه ممول من وزارات ومؤسسات الدولة الصهيونية، ومن عائد الدعاية الخاصة بالشركات الصهيونية الكبري. وهذا يتناقض مع طرح اليسار الإسرائيلي ، الذي تمكن من استقطاب أعداد غير قليلة من المثقفين والقادة السياسيين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ومعني هذا، كما ورد في حديث عزمي بشارة، صعوبة وجود حركة وطنية فلسطينية، وتيار قومي عربي فلسطيني في إطار المواطنة الإسرائيلية ، وأرجع ذلك إلي ان البنية الاجتماعية والاقتصادية ليست الا جزءا من بنية اكبر هي البنية الصهيونية، والي غياب بنية طبقية عربية منفصلة عنها، ونفس الشيء يمكن قوله علي المستوي الاقتصادي، فليس هناك اقتصاد عربي مستقل لفلسطينيي 1948.. علي عكس ما هو قائم في الضفة الغربية وغزة. ومعني هذا هو عدم إمكانية عمل سياسي خارج إطار المواطنة الإسرائيلية ، فحصار الحركة الوطنية الفلسطينية، داخل حدود 1948، بقي ضمن حدود وصفها بشارة بالمعنوية والسياسية، أعاقت تطورها إلي حالة تنظيمية وحركية، لها تعبيرات مؤسسية مستقلة. ولم يمنع هذا الإطار المعنوي والسياسي نمو تيار قومي عربي في الداخل، يؤمن بوجود أمة عربية، وهو تيار ممتد من حركة قومية عربية مستنيرة، بدأت من التيار القومي العربي في بلاد الشام، ولم تنته بالناصرية في مصر، بأهدافه في التحرر من الاستعمار وتركته، وبناء مجتمع عربي حديث، يربط المواطن والدولة، بعيدا عن الفروق الطائفية أو الجنسية أو العرقية أو العشائرية. وعلي هذه الأسس يتواصل عرب الداخل مع الأمة العربية، ليس بهدف التطبيع، ولا كجسر سلام ، إنما لتعزيز وإغناء الهوية العربية بين فلسطينيي 1948، بعد أعوام طويلة من العزلة. وقامت هذه العلاقة علي رفض فكرة الاندماج، والتمسك بحق العودة، وتطوير الفكر القومي باتجاه ديمقراطي.وكشفت ورقة قدمها الأمين العام الأسبق للمؤتمر، خير الدين حسيب عن معلومات أوردها بوب وودوورد في كتابه خطة الغزو خاصة بالتواطؤ الذي تم قبل الغزو وبعده من زعماء عرب، ومنها رسالة بعث بها حسني مبارك إلي الأمير بندر بن سلطان تدعي وجود معامل (مختبرات) متحركة لدي العراق تنتج أسلحة دمار شامل، ولم يكتف بذلك بل أوفد ابنه جمال، في زيارة سرية، لإبلاغ الرئيس الأمريكي نفس المعلومات، ومحرضا علي غزو العراق، أما عن دور الأردن، فقد ذكر بأنه سمح لثلاثة آلاف من القوات الأمريكية الخاصة للقيام بعملياتها قبل الغزو وبعده، وتولي تركيب صواريخ الباتريوت علي حدوده مع الدولة الصهيونية لحمايتها من خطر الهجوم العراقي المزعوم.ومع ذلك واجه المؤتمر عدة إشكاليات لم تكن بنفس المستوي في الدورات السابقة، منها إشكالية الارتباك الذي أصاب سير عملية إنتخاب أمين عام وأمانة عامة جديدة، وأدي إلي فشل ترتيبات أعدت في مقر المؤتمر ببيروت، وقامت علي افتراض إمكانية إعادة مبدأ التوافق بديلا عن الانتخابات، للتقليل من شأن تطورات جرت في دورة صنعاء سنة 2003، حيث تم الأخذ بآلية الاقتراع السري المباشر، اعتمدت الترتيبات علي اختيار رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سليم الحص أمينا عاما، ورئيس النادي العربي الأسبق في بريطانيا، ضياء الفلكي، نائبا له.. ولا يستطيع أحد أن يطعن في جدارة أي منهما، إنما المشكلة نشأت من الخلاف حول طريقة التوافق ، بعد أن تمت بعيدا في بيروت دون تداول يذكر مع القوي والكتل المؤثرة، وبدا وكأن حشد الكتلة البعثية (العراقية تحديدا)، بما لها من علاقات مشرقية ومغاربية، كافيا، وكان من الممكن أن يكون التوافق ديمقراطيا، إذا ما تم التداول بين كافة الأطراف. ويبدو أن القلق من تكرار تجربة صنعاء، جعل التداول بين دائرة محدودة بعيدا عن الأضواء، ومع ذلك تسبب الانقسام الذي حدث بين العراقيين، بسبب الموقف من إيران، في خلط الحابل بالنابل، وجاء اعتماد شرط تأييد المقاومة العراقية كشرط وحيد، دون شرط الالتزام القومي. لتزكية العراقيين ليزيد من الارتباك. وفاقمت المعالجات القاصرة من الوضع، ففي اللحظة التي اعتذر فيها الحص طرح علي الفور اسم الباحث زياد الحافظ، ثم الوزير البحريني الأسبق علي محمد فخرو، وإذا كان الأول من عرب المهجر بعيدا عن الوطن، كان الثاني متغيبا بعيدا عن المؤتمر، وهذا فتح الطريق أمام خالد السفياني، ليفوز بالتزكية، وحمل هذا الاختيار في طياته تقديرا للبلد المضيف، واحتضانه للدورة، ولم يقتصر أثر الارتباك علي اختيار الأمين العام، بل تعداه إلي نتائج انتخابات الأمانة العامة، خاصة تلك المتعلقة بالساحتين العراقية والسورية، فعن العراق فاز الأقرب لحزب البعث باعتباره ممثلا للمقاومة، بشكل أعطي الانطباع وكأن المقاومة في العراق ذات لون واحد!! أما بالنسبة لسورية.. جاء نجاح المعارضة السورية مزدوجا، بفوز محمد عبد المجيد منجونة.. وزير أسبق ناصري، ومعه رزان ميشيل عفلق، كريمة مؤسس حزب البعث ، علي حساب عدنان عمران السفير ووزير الاعلام السوري الأسبق. الذي خسر الانتخابات بما يعني غياب حزب البعث السوري، وأي من حلفائه في الجبهة القومية!! أما الإشكالية الثانية فتتعلق بالحراك السياسي في مصر.. وربما كان مقبولا في دورة المؤتمر العام الماضي بالجزائر، تجاهل كفاية ، لأن البعض تصور أن هذا الحراك لم يكن بالوضوح الذي هو عليه هذا العام، بعد اندلاع انتفاضة القضاة، لكن مشروع البيان الختامي تجاهل ما يجري في مصر بالكامل، وكأنها ليست بلدا عربيا، وغير موجود علي خريطة المنطقة، وكأن ما يجري بها لا يؤثر علي الساحات العربية الأخري، وبعد أن نبه كاتب هذه السطور إلي لغز هذا التجاهل، وأيده عضو الأمانة العامة الباحث محمد السعيد إدريس، مع ضغط مكثف من عضو المؤتمر، الاعلامي غسان بن جدو، بضرورة الاهتمام بما يجري في مصر، إلا أن البيان صدر متجاهلا ذلك.. اللهم إلا من كلمات معدودة ومحدودة وردت في باب علاقة الدولة بالمجتمع عن تحرك القضاة وطلب تعميم تجربتهم في الوطن العربي في اتجاه قيام دولة الحق والقانون ، وكأن الهدف هو عزل المصريين عن محيطهم القومي ونطاقهم الإقليمي والدولي، وبقي المؤتمر علي موقفه الذي اتخذه في الدورة السادسة عشرة، بتجاهل كفاية والحركات الشقيقة لها. هذا بينما جامل السلطات السعودية، وذكر إنهاء السعودية لاتفاق استخدام بعض قواعدها من طرف الولايات المتحدة . مع غياب أي معلومات تؤكد ذلك، في تناقض غريب مع ما جاء في كلمة الأمين العام الأسبق خير الدين حسيب عن دور القواعد الأمريكية في السعوية في غزو العراق!!الإشكالية الثالثة لها علاقة بما يمكن أن نطلق عليه الميوعة التي بدأت تصيب المؤتمر، خاصة أن هويته ارتبطت ببعدين: الأول هو قومية المنتمين إليه، والتزامهم بأهدافه الستة، وفي مقدمتها هدفا الوحدة العربية والديمقراطية، بمعني وجود علاقة عضوية بينهما، ولوحظ، خلال السنوات الأخيرة، أن هذه الشروط تراخت، ورغم الدور البارز للمؤتمر القومي العربي في تأسيس المؤتمر القومي الإسلامي، وهو ما يجعل للإسلاميين، غير الملتزمين بأهداف المؤتمر الستة مكانا داخله، وتتم علاقات التنسيق أو التعاون من خلال العلاقة العضوية بين المؤتمرين، وهكذا مع القوي الأخري.. فلهم مكانهم في مؤتمر شقيق هو مؤتمر الأحزاب العربية. وقد بادرت بتوجيه سؤالي إلي أحدي الشخصيات التي تحتل موقعا كبيرا في قيادة المؤتمر، عن مدي العفوية والتعمد في عملية الميوعة هذه؟ ورد هذا القيادي الكبير بأنها متعمدة، بهدف دمج المؤتمر القومي العربي في صيغة أخري أوسع، خلال السنوات القادمة!! والبعد الثاني هو كونه مرجعية تغذي روافد العمل القومي، الحزبية والمستقلة ـ أهلية ورسمية ـ بأفكار وتصورات وخطط تطوير لأزمة لمواقف وتحركات يحتاجها العمل الميداني اليومي.. وهذه المرجعية بدت متأثرة بالنزوع الحزبي.. وراحت تتأرجح، مدا وجزرا، تبعا لواقع هذا النزوع المنحاز. ورغم كل ذلك يبقي المؤتمر القومي العربي أحد أهم الصيغ الرائدة في مجال العمل العربي الأهلي، وقد تعكس دورة الدار البيضاء مناخا أفضل بسبب التفاعل والحراك الديمقراطي في هذا البلد العربي، وكان ملفتا للنظر اختفاء مظاهر الدولة البوليسية، مقارنة ببلد مثل مصر، وشيوع روح إنكار الذات والبعد عن النفاق الرسمي . حيث لم يواجه المؤتمر ضغطا، من أي نوع، لممالأة رجال السلطة أو الحكم. ولو بطلب إرسال برقية شكر لمسؤول كبير أو صغير. بجانب أن الأيام والتطورات أثبتت صواب رؤية المؤتمر وتحليلاته لكل ما يجري في هذا الوطن العربي الكبير، مع ما فيه من تنوع، بشري وثقافي ومادي وبيئي، وما بين أعضائه من تباين في المصالح والاتجاهات!! 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية