رئيس الادارة المدنية في الضفة الغربية: كان بامكاننا أن نُسلم المفاتيح لابو مازن.. ولكننا اخترنا القاءها في الشارع
في اول مقابلة صحافية تُجري معه بعد تسريحه من الجيشرئيس الادارة المدنية في الضفة الغربية: كان بامكاننا أن نُسلم المفاتيح لابو مازن.. ولكننا اخترنا القاءها في الشارع في مطلع الاسبوع الماضي سلّم العميد ايلان باز عتاده بعد 28 سنة في الخدمة العسكرية، سبع منها في الضفة الغربية. في يوم السبت صباحا خرج من منزله للالتقاء مع فلسطينيين في فندق الامباسدور في الشيخ جراح. منذ أن تسرح قبل تسعة اشهر وهو يشارك في اللقاءات التي ينظمها المركز الاسرائيلي ـ الفلسطيني للدراسات في محاولة شبه يائسة للحفاظ علي صلة بين الجانبين. في اللقاءات السابقة كان باز يصغي بهدوء الي شكاوي النشطاء الفلسطينيين في اغلبية الوقت، واكتفي بتوجيه ملاحظة حول ما قاله الرفاق الاسرائيليون في معرض تأييدهم لخطة فك الارتباط/ الانطواء. في هذه المرة قام باز، المُسرح من الجيش، والذي كان رئيسا للادارة المدنية في الضفة الغربية وقائدا للواء جنين ورام الله في السابق، برفع قدمه عن الكوابح. خطة الانطواء لن تخرج الي حيز التنفيذ بعد عشرين سنة ايضا ، أطلق نائب قائد الكوماندو البحري السابق كلماته، وأردف الجمع الخطير بين الازمة الانسانية والفوضي الداخلية والمذابح والقسام ـ كلها ستضطر اسرائيل الي العودة الي الضفة وربما الي غزة ايضا، وهذا يعني الحرب واستدعاء الاحتياط والخسائر في الأرواح والثمن الاقتصادي الفادح .هو ذكر بأن اسرائيل هي التي كانت المسؤول العام عن المناطق قبل اوسلو. اذا انهارت السلطة، فلن نتمكن من الوقوف صامتين، بينما يقف ثلاثة ملايين انسان علي شفا المجاعة ومن حولهم حالة من الفوضي والعنف .بعد يومين، وفي اول مقابلة صحافية تُجري معه بعد تسريحه من الجيش، قال أن اعادة الحكم العسكري حسب دراسات الادارة المدنية ستكلف 12 مليار شيكل سنويا. وهو لا ينجح في فهم مصلحة اسرائيل في انهيار السلطة. أما فكرة اعادة فتح للحكم، فهي مضحكة بالنسبة له. التجربة تشير الي أن الازمات الداخلية والفاقة لا تدفع السكان المعذبين الي التفاوض مع العدو الذي يعتبر سببا في ضائقتهم، بل انه يدفعهم الي التطرف ضدنا ، يقول باز محللا. اذا لم يتوفر المال للتعليم الذي حققنا فيه انجازات هامة في منع المواد التحريضية، فسينتقل التلاميذ الي جهاز التعليم الحمساوي الذي يستمر في الحصول علي التبرعات والدعم الاسلامي . اذا كان الخبراء قد ادعوا أن أبو مازن وفتح غير قادرين علي مواجهة حماس، عندما كانوا في الحكم، فهل سيصبح ذلك ممكنا الآن عندما أصبحت حماس في الحكم وفتح في حالة تفكك؟حتي اذا كان الأمر يرتبط بتسوية مع دول الرفض، فمن الواجب التفاوض مع حماس في القضايا المتعلقة بالحياة اليومية، ومواصلة الهدنة. ولكن الوضع الراهن مع حماس ايضا لن يُحسن من فرص نجاح خطة الانطواء أحادية الجانب. اذا لم نُسلم المنطقة الي طرف ذي مصلحة مشتركة معنا في التوصل الي تسوية قائمة علي حل الدولتين ضمن حدود حزيران (يونيو)، فان الوضع سيخرج من نطاق السيطرة. من الذي يضمن لنا أن لا يتم اطلاق صواريخ القسام علي كفار سابا؟ لن يقوم أي سور بنقل الفلسطينيين في الضفة أو في غزة الي الجانب الآخر من الكرة الارضية. وحتي جدار شاهق بارتفاع 80 مترا لن يستطيع منع اطلاق القذائف في الهواء .باز يعرف المستوطنين في الضفة وقوتهم عن كثب. هو كان ضحية لكراهية المتعصبين منهم. اخلاء مواقع مثل كريات اربع وألون موريه وشيله وعيلي لا يشبه اخلاء غوش قطيف بالمرة ، هو يقول، ليس من الممكن المقارنة بين الارتباط الديني التاريخي بأراضي الضفة الغربية وبين ارتباط المستوطنين بغزة. اخلاء هذه المستوطنات الايديولوجية قد يوصلنا الي شفا الحرب الأهلية . عن أية تسوية تتحدث؟ ومع من يمكن عقدها ذلك لانه ليس هناك شريك في الطرف الآخر كما نعلم. لقد آن الأوان للتمعن في فرضية أن أبو مازن هو زعيم ضعيف، ولذلك لا يعتبر شريكا. نحن اسهمنا في بلورة هذه الصورة. أنا استطيع أن اقتبس ما قاله رئيس هيئة الاركان السابق الذي أبدي ندمه علي عدم قيامنا بمبادرات ايجابية لتعزيز مكانة أبو مازن. كان بامكاننا أن نفعل ذلك لو أعطيناه مفاتيح غزة، بدلا من القائها في الشارع، ولو كنا قد سلمناه علي الأقل السيطرة المدنية علي المناطق التي أخليناها في شمالي الضفة. بذلك كنا سنحول دون نشوء وضع اعتُبر فيه فك الارتباط لدي الفلسطينيين نجاحا لحماس، ولربما كان بامكان ذلك أن يؤثر علي الانتخابات في المناطق. هناك شخصان في رقصة التانغو هذه. طالما بقينا نقول أن أبو مازن وفتح ليسا شركاء، فلماذا سيقوم الجمهور الفلسطيني بانتخابهما؟ اذا بنيناه كشريك لنا فسيعزز ذلك صورته أمام شعبه الذي يرغب في اغلبيته في انهاء الصراع.باز يقول أنه بعد أن انتخب أبو مازن لرئاسة الوزراء قال له أحد المسؤولين في ديوانه بأن أحد النجاحات الكبري التي سجلها أبو مازن في رصيده كانت فتح حاجز سرده في رام الله. أنت لا تتصور كم عزز ذلك صورة أبو مازن في نظر جمهوره. وبالمناسبة، أنا أقمت حاجز قلنديا في آذار (مارس) 2001، ولكن ذلك كان خطوة سريعة بهدف منع عملية إثر انذار محدد. إلا أن حاجز قلندية لم يُرفع منذ ذلك الحين، بل تحول الي نقطة حدودية دائمة. كان علينا أن نفهم منذ زمن أن من الواجب تكريس الموارد هناك من اجل اقامة معبر انساني. لست اقول أنه لا توجد حاجة للحواجز أو الاغلاقات احيانا، ولكن ذلك يجب أن يكون متوازنا وأن يأخذ في الحسبان الجوانب الثقافية والسيكولوجية للطرف الآخر ايضا. اهانة الشعب المجاور لن تتمخض عن أي شيء جيد. صحيح ان ابو مازن ليس زعيما كاريزماتيا، وهو لا يتحمس للمواجهات الداخلية. رغبنا ان يقوم بمكافحة حماس، إلا أنه ادرك حدود قوته. هو أدرك أنه لن يكسب شيئا من المجابهة المباشرة ضدهم، وفضل التوصل الي الهدوء بطرق اخري. الهدنة لم تكن مقبولة علينا، ولكن حماس لا تشارك في العمليات منذ أكثر من سنة . أولم تدفع فتح ثمن الفساد؟ أنا لا أتجاهل أن الفساد ايضا قد أسهم في سقوط فتح. ولكن العامل المركزي كان عدم قدرتها علي التوصل الي تسوية مع اسرائيل لتضع حدا للاحتلال. العملية السياسية هي الميزة الوحيدة التي تملكها فتح بالمقارنة مع الاحزاب المنافسة. كان بامكان فتح أن تبذل جهدا أكبر لفرض النظام، ولكنني أعلم أن قوات السلطة لا تستطيع أن تفعل أي خطوة تقريبا من دون مساعدتنا وموافقتنا. هذا صحيح ايضا بالنسبة لمناطق (أ) الخاضعة لسيطرتهم الكاملة. نحن لا نسمح لهم بأداء دورهم، وخلال فترة طويلة لم نسمح للشرطة الفلسطينية المسلحة بحماية المحاكم والسجون والبنوك أو حتي الدخول الي القري عندما كانت تحدث المشاجرات بين الحمائل. اذا كنا نطالبهم بالسيطرة علي ما يحدث علي الارض، فمن واجبنا أن نسأل انفسنا اذا كنا نسمح لهم بتنفيذ ذلك. هل تعتقد أنه ما زال من الممكن التوصل الي تسوية دائمة علي المدي المنظور؟ هناك شريك فلسطيني في الاتفاق الذي يمكنه أن يكون مقبولا علي اغلبية الجمهور الاسرائيلي ـ من دون حق العودة، ولكن ايضا من دون خطة الكتل الاستيطانية بما في ذلك منطقة إي 1 . خلال فترة طويلة قمنا بعرفتة (نسبة الي عرفات) الصراع، وها هو عرفات قد مات، إلا أن المشاكل بقيت. سنضطر في نهاية المطاف الي التوصل الي حل، وهو سيكون مشابها لمشروع كلينتون تقريبا ولاتفاق جنيف. السؤال هو كم سيُسفك من الدم حتي ذلك الحين. واذا اتضح لنا بعد المفاوضات الجدية مع أبو مازن أنه لا يستطيع توفير البضاعة المطلوبة، فسيكون من الممكن عندئذ أن ندخل من وراء حدود قابلة للحماية. ولكننا ندين لانفسنا بالقيام بمحاولة جدية لوضع حد للصراع قبل القيام بأية خطوة أحادية الجانب.قُمنا بخلق غولعندما شاهد باز المستوطنين المتمترسين في بيت شابيرا في الخليل عبر التلفاز، تذكر جولة المستشار القضائي للحكومة ميني مزوز في الخليل. هناك في الخليل ظواهر مرعبة من العنف تجاه الفلسطينيين، وكذلك تجاه قوات الأمن. تجمع سكاني كامل يأخذ القانون بيديه. أنا اعتقد أنه لا مفر من اخراج المستوطنين من هناك، ولكن ما العمل غدا صباحا؟ مستوطنو حفات معون لا يسمحون لاطفال أم طوبا بالوصول الي المدرسة منذ عام ونصف. ويهاجمونهم حتي عندما يكون الجيش برفقتهم. كم يبلغ عدد المستوطنين في حفات معون؟ أفلا يمكن وضع حد لهم؟ .هو يقول أن الجنود والشرطة يعرفون أن استخدامهم للعنف سيوصلهم الي أقبية التحقيق. عندما قام مستوطن بقتل سائق سيارة عمومية فلسطيني، أُطلق سراحه من المعتقل بعد أن قرر القاضي أنه لا يشكل خطرا علي الجمهور، فما كان منه إلا أن فر من البلاد. في نهاية حملة مرهقة بين الأروقة القانونية نجح باز بالوصول الي تحقيق جنائي ضد ضابط عسكري كبير بتهمة أنه كان مشاركا في قضية سلب اراضي في الضفة. التحقيق تشعب، وفي الاسابيع القريبة ستقوم النيابة العامة بتوجيه لوائح اتهام ضد تجار الاراضي و16 محاميا متهمين بتزييف الوثائق والرشوة والسرقة والمخالفات الضريبية. باز علي قناعة أنه لو كانت الشرطة قد تعمقت في القضية، لتم اكتشاف عشرات القضايا التي لا تقل خطورة عن سلب الاراضي والتزييف لدواعي ايديولوجية . اغلبية المستوطنين هم اشخاص محافظون علي القانون، وحتي اذا كان بعضهم يقطن في اماكن غير قانونية، فقد قيل لهم أنهم يقومون بواجب وعمل صهيوني ، يقول باز. المصطلحات التي ابتدعناها ـ المشروع الاستيطاني وانقاذ الارض وأبناؤنا البررة، كلها عبارة عن مصطلحات هادفة الي إضفاء رونق علي العملية. روح القائد احيانا هي التي تؤثر علي عملية التنفيذ علي الارض في الوقت الذي يقوم فيه القائد ببث روحية غير واضحة. علي سبيل المثال، الادارة المدنية تقوم باصدار أوامر بوقف العمل ضد كل بناء غير قانوني، ومن ثم تصدر أمرا بالهدم. ولكن الهدم لا ينفذ فعليا إلا بمصادقة من وزير الدفاع. عندما صادق موفاز علي هدم المنازل في عمونه قمنا بعملية الهدم. أما باقي أوامر الهدم فتنتظر في ديوان الوزير. بنحاس فالرشتاين (رئيس مجلس ماتيه بنيامين الاقليمي) مُحق بدرجة كبيرة عندما يدعي أن المشروع الاستيطاني قد أُقيم بتخويل وتفويض رسميين. قمنا بخلق غول وفجأة عندما كشف تقرير ساسون عن وجهه للعالم كله، اكتشفنا أن مواجهته ليست بهذه البساطة. ولكنه تقرير طلبه رئيس الوزراء من مدعية عامة بارزة وحصل علي موافقة الحكومة، ومع ذلك مر أكثر من عام وما زال موضوعا كالحجر الذي لا يتزحزح من موقعه. وفي غضون ذلك بقيت عشرات المستوطنات رابضة علي اراض خاصة استُلبت من الفلسطينيين بغطاء تواصل الحكومة تطويره. فما الذي يتوجب علي المستوطنين أن يفهموه من ذلك؟ .أجري المقابلة: عكيفا الداركاتب ومحلل(هآرتس) 12/5/2006