الأمريكيون نوعان

حجم الخط
0

الأمريكيون نوعان

كمال مجيدالأمريكيون نوعانيعلمنا التأريخ أن الامريكيين، ما عدا العبيد الافريقيين، انتقلوا الي القارة الجديدة لغرض تحسين حالتهم الاقتصادية. وبلا شك فشل الملايين منهم في تحقيق هدفهم. فطبيعة النظام الرأسمالي الذي ترعرع هناك تنشر اللامساواة. فبمرور الزمن تكونت طبقة من الفقراء المحصورين في شرك الفاقة واخري من المرفهين الذين يعيشون فوق المجتمع ويعملون علي توسيع ثروتهم بسرعة وبكل الطرق الممكنة، ذلك لأن الجشع كان السبب الأهم لترك وطنهم. أن المنافسة الحرة حسب، نظرية آر. آي فرانك وبي. كوك في كتابهما The Winner Takes All Society، تؤدي الي ان المنتصر يأخذ كل شيء فالناجح في الحياة يصعد الي القمة والفاشل ينحدر الي الحضيض. هكذا يتغير المجتمع الامريكي مثلما يتغير كل شيء آخر.وبخصوص الفقراء تشير تقارير وزارة الزراعة الامريكية في تموز (يوليو) عام 2000 الي أن هنالك 10,5 مليون اسرة غير آمنة غذائياً ويشكل الاطفال 40% من عدد افراد هذه الاسر وان هناك 20 مليون انسان يلجأون الي الوجبات المجانية التي تقدمها المؤسسات الخيرية (راجع محمد عياش ملحم في القدس العربي في 28/4/2001)، وهناك أيضاً 45 مليوناً من الذين ليس لهم ضمان صحي ولا يستطيعون دخول المستشفيات ولا يملكون ثمن العلاج الذي علي المريض ان يدفعه مقدماً،وهناك في الولايات المتحدة ما يزيد عن 30 مليون لاتينو أي من اصول امريكا اللاتينية، يعيش اكثرهم دون مستوي الفقر، بل هناك حالياً أكثر من احد عشر مليوناً دخلوا الولايات المتحدة سراً وقد نظموا قبل أيام المظاهرات الجماهيرية مطالبين الحصول علي حق المواطنة وحق العمل العلني، هذا اضافة الي 30 مليونا من السود الذين ينالون الامرين لا من الفاقة بل من التمييز العنصري أيضاً، كما هناك حوالي 10 ملايين من العمال والمستخدمين البيض الذين فقدوا عملهم او انتقلوا الي الاعمال الدنيا نتيجة لانتقال الشركات التي كانت تستخدمهم الي جنوب البلاد بل الي البلدان الفقيرة حيث اجور العمل واطئة وقوانين العمل معدومة او غير مطبقة. هؤلاء جميعاً ينتمون الي النوع الاول في المجتمع الامريكي.من الناحية الاخري انتقل الي الولايات المتحدة عدد هائل من العلماء والفنانين والكتاب، ففي محاضرة سمعتها علي التلفزيون البريطاني ذكر المتكلم تمركز 70% من عباقرة العالم في ولاية كاليفورنيا. وبلا شك هناك نسبة اخري منهم في الولايات الامريكية الاخري. هؤلاء ايضاً انتقلوا الي هناك لتحسين معيشتهم وظروف عملهم. ان معظم هؤلاء يدركون ما يجري في بلادهم وفي العالم وما يقوم به النوع الثاني من الامريكيين من الظلم والاستغلال الذي لطخ سمعة الشعب الامريكي ككل. ولهذا انهم في مقدمة المحتجين علي اعمال القلة المنبوذة. نتيجة المنافسة الشديدة ايضاً للحصول علي اكبر قدر من المال والجاه استخدم عدد من المهاجرين مختلف الطرق الشرعية والمحرمة للحصول علي اكبر حصة منهما. هؤلاء يشكلون النوع الثاني، فمثلاً: ظهرت فظاعة الرأسمالية الامريكية بأبشع صورها حين تم اكتشاف 390 جثة في غابة بولاية جورجيا في شباط (فبراير) 2002، ذلك لأن الشركة التي استلمت المبالغ الضرورية لحرقها، حسب وصية الموتي، قررت ان تزيد ارباحها، فاستغنت عن مصاريف الحرق، في الافران الكهربائية، والقت الجثث العارية في الغابة والبحيرة القريبة من المحرقة. وقد قال التلفزيون البريطاني (القناة الرابعة في 19/2/2002) ان عدد الجثث التي تم القاؤها في المنطقة خلال ثلاث سنوات قد يصل الالوف! وهناك جرائم اخري، مثل تجارة الاعضاء البدنية للانسان وشرائها في البلدان الفقيرة ونقلها الي امريكا لبيعها الي المرضي الاغنياء الذين يحتاجون الي الكلي والاكباد والقلوب او العيون وهناك سماسرة يتقاضون 145000 دولار لقاء شراء الكلية الواحدة وكافة التكاليف الاخري للعملية الجراحية. (للتفاصيل راجع انترناشونال هيرالد تربيون في 31/5/2005) فكل شيء حلال لكسب المال ورفع مستوي الثراء، عند النوع الثاني من الامريكيين، حتي وان تم علي حساب الشعب الامريكي والشعوب المقهورة الاخري، بل علي حساب البلدان الراسمالية الاخري، كاليابان وبلدان اوروبا الغربية.ان المثلين المذكورين أعلاه لا يكفيان لخلق البليونيرية في امريكا. فالعملية بحاجة الي الحروب المحلية والعالمية والي الهجوم علي الشعوب الضعيفة وقهرها، كما حدث في كوريا حين قتلوا اكثر من 1.5 مليون كوري، وفيتنام ولاوس وكمبوديا، حيث بلغ مجموع القتلي خمسة ملايين، ونيكاراغوا ويوغسلافيا ونيبال وكولومبيا ولبنان والصومال وافغانستان والعراق وفلسطين والحروب العربية ـ الاسرائيلية العديدة واحتلال هاييتي وغرينادا وبناما، بل وحتي الحرب السرية في واحة البريمي في السعودية والتي استمرت في الخمسينات من القرن الماضي حين نجح الامريكان في قهر الجيش البريطاني بغية السطو علي منابع النفط هناك. فالمسيطرون علي الشركات عابرة الاوطان Trans-national Corporations هم الذين يؤلفون لب النوع الثاني من الامريكان. هؤلاء، مثل نيكسون وبوش وتشيني وشولتز وروكفيلر، بل ترومان وجون كنيدي وكلينتون وكيري، هم الذين يسيطرون علي مقاليد الحكم في البلاد، عن طريق صرف البلايين علي الحملات الانتخابية. ففي خبر في جريدة الغارديان اللندنية في 8/11/2000 صرف الحزبان المتنافسان ثلاثة مليارات من الدولارات في حملة سنة 2000م وحدها.وحالما يسيطر أحد الحزبين علي البيت الابيض يقوم بشراء الاسلحة لاستخدامها في الحروب الضرورية للسيطرة علي العالم. فحكومة بوش، مثلاً، تصرف حالياً 425 مليار دولار كل سنة علي هذه العملية. ثم هناك حلقة مفرغة لا يمكن الخروج منها. فهناك، حسب تشومسكي، 60 مليون امريكي يعيشون علي انتاج الاسلحة او استخدامها في الحروب التوسعية. وهذه الحروب اصبحت ضرورية لا للسيطرة علي العالم بل لأن ايقافها، ولو لسنة واحدة، سيرمي الملايين من الشعب الامريكي في جحيم البطالة، فتتولد ازمة اقتصادية مستفحلة لا في امريكا وحدها بل في العالم قاطبة. هذه الحقيقة تجبر الحكومة الامريكية علي اشعال المزيد من الحروب الجديدة وهكذا دواليك. ولهذا يعتقد الكثيرون من المفكرين ضرورة القضاء علي النظام الرأسمالي في امريكا نفسها بغية احلال السلام في العالم. فمثلاً: في دراسته للاقتصاد الامريكي كتب الدكتور عبدالله فهمي النفيسي في كتابه ايران والخليج يقول: منذ سنة 1941 تعيش الولايات المتحدة علي الاقتصاد الحربي واذا انهار هذا الاقتصاد سوف تغرق الولايات المتحدة في ازمات لا يمكن الالتفاف عليها الا في حالة اعادة تركيبة النظام الاجتماعي الامريكي . ويؤكد سمير أمين وبول سويزي وهاري ماغدوف ان الولايات المتحدة لم تخرج من ازمة الثلاثينات الا بفضل الاستهلاك الحربي الخيالي خلال الحرب العالمية الثانية . (نفس المصدر). ولهذا ايضاً استخدم بوش أحداث 11/9/2001 كحجة لاعلان الحرب العالمية علي الارهاب …المنتشر في أكثر من 50 بلداً… والتي ستستمر لأجل غير معروف . هذه الحقائق تؤكد علي الطبيعة العدوانية للنوع الثاني من الامريكان الذيين يلعبون الدور الرئيسي في اختيار سكنة البيت الابيض والبنتاغون.ما هي نتائج استمرار هذه السياسة العدوانية؟ انها ادت الي تقسيم العالم الثالث الي ثلاث كتل: الاولي تشمل بلدان امريكا اللاتينية التي نالت الأمرين نتيجة قربها من الولايات المتحدة ونتيجة الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد والانقلابات العديدة في البرازيل وشيلي وغواتيمالا مما اجبر هذه الشعوب علي ادراك شراسة الجار الكبير والقيام بالمستحيل لانتاج حكومات وطنية تقف بصراحة في وجه ضغوطه الاستعمارية، كما هي الحالة في كوبا وفنزويلا والبرازيل وبوليفيا بصورة خاصة وبيرو وشيلي واروغواي مؤخراً، علاوة علي استمرار الثورة في كولومبيا وثورة تشيابس في المكسيك. ان ما يجري في امريكا اللاتينية يبشر بالخير خاصة لأنه يؤثر علي، بل يوقظ الشعب الامريكي ضد استغلال النوع الثاني الذي يحكمهم ويجلب البؤس لهم ولبقية الشعوب.اما في افريقيا، التي تشكل الكتلة الثانية، فقد انتشرت الحروب بالواسطة بين المستعمرين الاوروبيين القدماء وبين الامريكان الذين يستخدمون القبائل والقوي المحلية لازاحة النفوذ الاوروبي، كما حدث ويحدث في الجزائر والكونغو وسيراليون ورواندا وتشاد وافريقيا الوسطي ضد المستعمرين الفرنسيين والبلجيك. وبالرغم من الثروة الهائلة في هذه القارة الغنية بالذهب والماس واليورانيوم والنحاس والخشب والنفط يعيش معظم سكانها دون مستوي الفقر وتنتشر فيها الحروب والامراض والمجاعة، كما هو الحال في نيجيريا والنيجر واثيوبيا وموزمبيق. ففي مؤتمر عقد في ايثيوبيا حول النفوس (راجع بي بي سي، سيفاكس في 11/2/2002) اكتشف المختصون الحاضرون: ان الفقر والحروب ومرض الايدز قد قللت معدل سنوات الحياة في افريقيا بمقدار 15 سنة وان الجزء الاعظم من الافريقيين يموتون قبل بلوغ الثامنة والاربعين من العمر، وفي البلدان الفقيرة جداً، مثل مالي، يموت 10% من الاطفال قبل اكمال السنة الاولي من عمرهم .تمثل آسيا الكتلة الثالثة التي هي بمثابة الطامة الكبري لحكام امريكا، اذ قرروا السيطرة عليها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية عن طريق دفع تشيان كاي تشيك للقضاء علي الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ. وبعد صرف البلايين فشلت محاولتهم. ثم جاءت الحرب الكورية وثورات الشعوب في اندونيسيا وبورما وملايو واستمرت الحركات والثورات التحررية، من الفلبين عبر ايران وحتي فلسطين، تلك التي اضطرت، بفضل خروشوف وغورباتشوف، الي تغيير قيادات بعضها من الماركسية الي اخري وطنية او دينية. ثم جاءت الانتكاسة الامريكية العظمي في 11/9/2001 في نيويورك وواشنطن حيث تم قتل ما يزيد عن 3000 امريكي خلال دقائق قليلة. وعلاوة علي جرح الالوف تشير التقارير الطبية (راجع أخبار بي بي سي في 7/5/2006) الي اصابة ستة عشر الفاً بامراض صدرية لاستنشاقهم الغازات السامة المتصاعدة من انقاض مركز التجارة العالمية. والاتعس من ذلك هو اصابة الشعب الامريكي ككل بالعقدة النفسية نتيجة الشعور بعدم الامان وعدم حصانة امريكا من الهجوم الخارجي والشعور بالخوف من انتشار المؤامرات والهجمات الانتحارية ضدهم في كافة اصقاع العالم. فأعراض جنون الاضطهاد Paranoia انتشرت عند كل الامريكيين بنوعيهم الطيب والجشع.لقد عملت الطبقة الحاكمة، بقيادة بوش، كل جهدها لاستخدام الانتكاسة كحجة للسير في سياستها التوسعية، المعروفة بسياسة العولمة، عن طريق احتلال افغانستان والعراق والتحضير للعدوان علي ايران وسورية واعتمدت في ذلك علي زرع روح الشوفينية والصليبية عند الشعب الامريكي الذي سرعان ما ادرك قلة ذكاء بوش واكاذيبه. ومن الجهة المقابلة توسعت مقاومة شعوب آسيا وانتشرت الي الفلبين وتايلاند الجنوبية والهند وكشمير وباكستان ونيبال وافغانستان وايران والعراق وفلسطين والسعودية وسورية بل انتشرت الانفجارات في مصر والمغرب واسبانيا وبريطانيا كما نسمع اخبارها كل يوم. لا تعرف الاستخبارات الامريكية العملاقة اين تكمن المقاومة فيضطر الجيش الامريكي الي قصف المواقع المدنية وقتل السكان الآمنين، بينما تستطيع المقاومة كشف مواقع العدو وتوجيه الضربات الملائمة. لكن اصابة امريكا بالفشل الذريع جاءت عندما هب الشعب العراقي من تلعفر والموصل، عبر بعقوبة وبغداد وحتي الناصرية والعمارة والبصرة لمقاومة الاحتلال الذي جلب لهم الموت اليومي لأكثر من ثلاث سنوات. نعم لقد تم الاثبات بأن العراق صعب المراس، غير قابل للحكم Ungovernable من قبل الامريكان، الا أن عقلية الكاوبوي، المسيطرة علي النوع الثاني منهم، ترفض ادراك هذه الحقيقة، لأنها تفكر فقط بالحصول علي المال باستخدام القوة، فينتهي الشعب الأمريكي بتقديم المزيد من التضحيات وتستمر المعارك اليومية في انحاء العراق حتي تنهزم كافة القوات الانغلو – امريكية من كل شبر من البلاد. هذا هو الحل الوحيد الذي قد يؤجل الي ما بعد الانتخابات الرئاسية القادمة في سنة 2008. وبعد الهزيمة المؤكدة ستستمر الشعوب المغلوبة علي امرها في ملاحقة الطغاة، مما يجعلنا نستنتج أن الشعب الامريكي نفسه سيتعلم وسيضطر الي رفض سياسة العدوان، وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب سينقلبون. ہ عضو الهيئة الادارية للهيئة العراقية للاعلام والثقافة الوطنية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية