قصة الفتاة التي حلمت بالوصول الي هارفارد.. وكتبت رواية واتهمت بالانتحال: فكرة الأصالة المطلوبة من الكاتب المهاجر واحتكار الإعلام الغربي للصورة

حجم الخط
0

قصة الفتاة التي حلمت بالوصول الي هارفارد.. وكتبت رواية واتهمت بالانتحال: فكرة الأصالة المطلوبة من الكاتب المهاجر واحتكار الإعلام الغربي للصورة

ابراهيم درويشقصة الفتاة التي حلمت بالوصول الي هارفارد.. وكتبت رواية واتهمت بالانتحال: فكرة الأصالة المطلوبة من الكاتب المهاجر واحتكار الإعلام الغربي للصورةعلق الكاتب زرفراز منظور في صحيفة الاوبزيرفر في مقال له عن هوس المنتجين والمخرجين البريطانيين للبحث عما اسماه الاصالة اي الاصوات الاسيوية القادرة علي نقل تجربة الاسيويين في بريطانيا بدلا من الاعتماد علي الاصوات الخارجة. وقال ان الصوت الاصيل لا يعني بالضرورة قدرة ابداعية علي تقديم رؤية عن حياة الآسيويين وهمومهم في قلب المدن البريطانية. وقدم عددا من الامثلة عن هذا بالرواية الجديدة التي كتبها محرر سابق في الفايننشال تايمز غواتام مالكاني لندوستاني ويقارنها برواية اخري هي فوكسي ـ تي شيرت عن الاسيويين في شرق لندن، خاصة في بريكلين. كاتب الرواية، انكليزي ابيض، نقل نبض الشارع في هذه المنطقة التي تحفل بتراث خاص عن المهاجرين القادمين من شبه القارة الهندية، ويتحدثون لغة هي مزيج بين البنغالية والانكليزية يطلق عليها احيانا بانغليش ، وتجمع هذه بين لهجة شرق لندن، الثقيلة كوكني ، وبين لغتهم. ويعلق قائلا ان النقاد اعجبوا بقدرة الكاتب الابيض علي نقل صوت وحركة اللغة هذه للعالم الروائي، بحيث يعبر ابطال الرواية عن كلمات حقيقية تقال في شوارع الاحياء في شرق لندن.وفي مقارنة بين رواية الاول ورواية لندستاني، التي تأخذ غرب لندن مسرحا لها وتتحدث عن الشبان الاسيويين في حي لندني، ومثل الاولي تستخدم الرطانة واللغة المزيج التي يتحدث بها الشبان الاسيويون عادة، لم يكن النقاد راضين عنها. فقد وصفها ناقد بأنها كسولة مليئة بالنمطيات ، فيما وصف ناقد آخر اسلوبها بانه يشبه علي جي وهو الكوميدي الذي اخذ صورة الشاب الاسيوي اليوب وحولها الي مقلب كوميدي. والمقارنة بين العملين تؤكد ان الاولي رشحت قبل فترة في قائمة الاعمال الجيدة التي تستحق اهتمام القراء، اما الثانية فعلي الرغم من انها الرواية الاولي للكاتب فقد وقع عقدا بمبلغ 300 الف جنيه وحضرت لها الصحافة باعتبارها حدث العام. هنا اذا، روايتان وحقيقتان عن عالم النشر والاعلام، فاذا كان معيار القبول والرفض ان هذه رواية جيدة وتلك رواية سيئة فالاولي تستحق الاهتمام، اما الثانية فلا. منظور يقول ان المسألة لها علاقة بالمؤلف فالاول توني وايت، وهو ابيض اما الثاني فهو آسيوي، ولانه كذلك فما سيقوله عن حياة الآسيويين سيكون اصيلا مقارنة مع وايت الذي يعتبر خارجا عن السياق الثقافي في احياء الاسيويين. لكن هذا الافتراض يتداعي عندما نعرف ان مالكاني لا يعرف حياة ابناء الشوارع من الاسيويين، فهو درس في كامبريدج، وكان يعمل في صحيفة النخبة في مجال المال والاعمال فايننشال تايمز اي انه لم تكن له علاقة بحياة ابناء القاع في داخل المدن الكبيرة. هناك علاقة بين كونك اسيويا وبين ما حدث في فترة ما بعد ايلول (سبتمبر) 2001، فالمخرجون والسينمائيون اخذوا يبحثون عن اصوات اصيلة قادرة علي نقل التجربة الحقيقية، كان هناك نوع من الجوع لهذه الاصوات من صناع الاعلام الذين يمثلون الطبقة المتوسطة البيضاء، ان كان هناك طبقة متوسطة في بريطانيا، ولانهم كانوا طامحين للكشف عن جوانب غير معروفة في عالم الاسيويين فقد كان لهم ضحايا، من الاسيويين، ومالكاني واحد من هؤلاء. منذ احداث ايلول (سبتمبر) يمكن رصد عدد من الحالات والاتجاهات في مجال الانتاج السينمائي والتلفزيوني، سواء كان ذلك الانتاج تسجيليا ام روائيا، حيث اعتمد المخرجون والمنتجون علي اصوات واسماء ووجوه عربية ومسلمة، وآسيوية في عمليات اخراج هذه البرامج التي جاءت علي خلفية العرض والطلب. وملاحظة منظور ان الاسيوية/ المسلم/ العربي لا تكفي احيانا في تحليل وعرض ما يجري في داخل المجتمع الاسيوي او مجتمعات الدياسبورا، في محلها، مع ان العودة الي ابناء الجاليات يعتبر تطورا في حد ذاته، لانه علي الاقل كسر من حدة الصور النمطية عن هؤلاء في الاعلام والسينما الرسمية، خاصة هوليوود، فريدلي سكوت في فيلمه مملكة السماء اعتمد علي طاقم كبير من الممثلين العرب، واسند دور صلاح الدين لممثل سوري، وأحد مساعديه لممثل مصري. والممثل والمنتج الامريكي جورج كلوني اعتمد علي عدد من الوجوه العربية في فيلمه سيريانا ، وفي الدراما التلفزيونية البريطانية، ظهرت العديد من الوجوه الاسيوية التي كسرت علي الاقل الصور النمطية ولكنها لم تؤثر علي مسار القصة، خاصة في افلام التجسس التي كرست للارهاب الاسلامي. وكون الشخص اسيويا لا يعني معرفته بحقائق مجتمعه، فرواية مونيكا علي الشهيرة بريكلين احد احياء شرق لندن، الذي تحول الي مركز سياحي وجذب للشبان، لمطاعمه وحياته الساهرة، وان حظيت باهتمام شديد وبيع منها ملايين النسخ، لم تعبر كاتبتها عن جوهر الحياة البنغالية في بريطانيا ولا عن فكرة الهجرة وظروفها بين ابناء شبه القارة الهندية، لسبب بسيط ان علي لم تنشأ في الحي وربما لم تزره. وبنفس السياق يجب ان ينظر الي الدراما التي قدمتها القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني عن احداث الشغب في مدينة برادفورد شغب في برادفورد ، وكتب نصها نيل بيسواس، والتي تتحدث عن المظاهرات واحداث العنف التي وقعت في المدينة في نيسان (ابريل) 2001. بيسواس بنغالي هندوسي، ومتخرج من جامعة اوكسفورد مما يطرح اسئلة كثيرة حول قدرته علي بناء رؤية عن ابناء الجالية الباكستانية الذين يتحدث عنهم الفيلم وعن الدوافع التي ادت بهم لمواجهات مع الشرطة وحرق وتخريب مبان عامة. ملاحظة منظور عن اصالة الشخص في تعبيره عن ثقافته وكون ابنائه مطالبون بالاصالة فيما لا يطلب من البيض نفس الشيء تظهر جانبا آخر من اشكالية الاسيوي الذي يتعامل مع اعلام غربي، فهو قد يقع ضحية الاصالة . ففيلم حب + كراهية الذي بدأ عرضه في دور العرض السينمائي اخرجه دومينك سافاج عن علاقة حب بين بنت مسلمة، ورجل ابيض من حليقي الرؤوس. سافاج مخرج ابيض لم يسأل احد من الذين استعرضوا فيلمه عن حقه في استكشاف مسائل شائكة من هذا النوع، فيما يجب علي الكاتب من اصول اسيوية ان يظهر ولاءه اي اصالته. الموقف هذا لا يعني عدم وجود استثناءات فكتاب مثل حنيف قريشي وهاري كونزرو ونديم اسلم وامثالهم لديهم القدرة علي اكتشاف والتعبير عن مشاكل الاقليات مع انهم منغرسون قلبا وقالبا في اتجاهات ابداعية خاصة. والكتاب الاسيويون، مع ان مصطلح الاسيوي نسبي، يستطيعون الكتابة عن مشاكلهم ومشاكل مجتمعاتهم، كما يقوم نديم اسلم، في روايته خرائط المحبين الضائعين . ولكن ظهور كاتب وغياب اخر يقدم عملا جيدا له علاقة بدور النشر التي تخلق نجوما وضحايا في نفس الوقت. والجدل الذي ثار في الاسبوع الماضي حول الكاتبة البريطانية ـ الهندية الاصل كفايا فيسوانثان يؤكد هذا المظهر ، فهذه الفتاة الشابة التي حلمت بالوصول الي جامعة هارفارد الامريكية، كان مدراء النشر يخططون لتقديمها علي انها اكتشاف العام، وتقديم عملها الروائي الاول كيف حصلت اوبال ميهتا علي اول قبلة، اصبحت شقية، واكشتفت الحياة . وبدأت القصة عندما حصلت الفتاة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها علي عقد بنصف مليون دولار لكتابة روايتها الاولي. في البداية عندما بدأت الازمة واكتشف ان هناك تشابها بين عمل الفتاة وعمل اخر، قررت شركة ليتل براون الامريكية سحب النسخ من المكتبات لاعادة تحرير العمل من جديد واصداره مرة اخري، خاصة ان الكاتبة الشابة التي ولدت في اسكتلندا وتعيش مع والديها الطبيبين في امريكا، قالت انها ربما وبلا وعي منها استلهمت الكثير من افكار كتاب اخر ألفته ميغان ماكفريتي زحلقة اوائل ، والتي تحكي عن قصة فتاة تحلم بالدخول في جامعة النخبة هارفارد وهو ما تحكيه الفتاة الهندية في روايتها الاولي. ولكن عندما تبين ان الاتهامات التي ساقتها صحيفة جامعية لا تتوقف عند الاستلهام بل نقل مقاطع من الرواية الاولي، واتهام كاتبة اخري الكاتبة الشابة بالنقل عن روايتها، وعندها قررت الشركة سحب النسخ والغاء العقد. تركز الجدل حول الراوية وانتحال الفتاة علي المحررين الذين ساعدوها في انجاز العمل، وهنا اكدت دار النشر ان المحررين قاموا بتعديل النص الذي كتبته الفتاة الشابة بنفسها. وفي حالات من هذا النوع، يتم تداول الاتهامات والتحلل من المسؤولية، لتضرب السكاكين المتهم الاول وهو الكاتبة في هذه الحالة.فيسوانثان، قالت بعد اندلاع الازمة انها ارادت كتابة قصة عن فتاة طامحة ترغب في الدخول للجامعة، ولكنها عندما اكتشفت اوجه الشبه شعرت بالذعر، وهو الذي تعيش فيه الان بعد ان دمر مستقبلها الادبي، خاصة ان مقالاتها الصحافية التي كتبتها في صحيفة محلية كانت تتدرب فيها تعرضت للمراجعة والتدقيق. كما ان عقدا كانت شركة دريم ووركس للانتاج السينمائي التي يترأسها المخرج المعروف ستيفن سبيلبيرغ، كانت ستوقعه لشراء حقوق الرواية هذه وتحويلها لفيلم لم يعد قائما. وهنا يثور تساؤل له علاقة بفتاة طامحة تقول ان لديها ذاكرة فوتوغرافية ، وطموح دور النشر الباحثة عن اسماء جديدة ووجوه تحقق لها مبيعات في سوق النشر، الذي تنافسها عليه الان مواقع الانترنت، فسواء كانت الفتاة ضحية لطموحها او ضحية لدار النشر، فهي الان قابعة في غرفتها في الجامعة التي حلمت بالدراسة فيها، تلملم مستقبلا لن يكون ورديا. الكتاب الشباب يقعون في اسر النقل، وهذا لا يعني دفاعا عن الفتاة، فانا هنا لست عارفا برواية الشابة والامريكية التي نقلت عنها، ولكن ازجي ملاحظة عامة عن الكاتب الناشيء الذي يتأثر والاستعادة والنسخ احيانا، فهم في هذا العمر من التكون والتشكل يستلهمون اكثر مما يبدعون، فمن لا ينكر اثر المنفلوطي او طه حسين علي بداياته في الكتابة.والانتحال اشكالية قائمة في الادب، فدان براون صاحب شيفرة دافنشي اتهم بالانتحال وبريء في معركة قضائية مثيرة. ومن هنا تبرز معضلة الفتاة، فهي في خطواتها الاولي وان اظهرت مخايل الذكاء والاسلوب المتميز، الا انها لم تزل في مرحلة البداية، وبدلا من التقدم للامام ذاقت طعم النجومية لفترة قصيرة، حيث دخلت روايتها الان المنتحلة في معظمها، الي قوائم اشهر كتب نيويورك تايمز الشهر الماضي وتقوم بلملمة حياتها في ساحة من السكاكين التي شحذت لها. وهنا نعود الي البداية وهي ان فكرة الاصالة، والوجوه الجديدة، غالبا ما تتداخل في صناعتها، فكرة الغرابة، والتسويق، والموضوعات التي تري دور النشر انها طريق لتحقيق الربح، في احيان ينجح الكاتب بالمرور عبر امتحان الاعلام والشهرة، وأحياناً اخري يفشل كما حدث مع الكاتبة الشابة. كل هذه الاسئلة لا تعني غياب ادب ابداعي ينتجه ابناء المهاجرين في مهاجرهم وبلغات مواطنهم الجديدة، بل ان هناك نوعاً من الفيضان في الاعمال الروائية، والشعرية، والمسرحية التي تصدر هنا وهناك بعضها يحظي بنقد والبعض الاخر يوزع توزيعا محدودا، والكتاب بعضهم من اصول عربية، وهندية وباكستانية، ومسلمون من افريقيا، ولم تعد الكتابة تستكشف فقط اشكالية الهوية، والتوزع والتسطح، بين المنفي و الوطن ، والغياب في الواقع، بل تمس الكثير من مشاكل المهاجرين، والعلاقات المتداخلة ضمن ثقافة العالم الجديد. هناك ادب حقيقي ينتجه ابناء المهاجرون، ودراسات اكاديمية تعد عنهم واصوات متنوعة، وانطولوجيا في الشعر والقصة القصيرة والرواية، وكمثال واحد عن هذا التنوع يمكن الاشارة الي المختارات التي قدمها شيام سيلفادوراي قصة ـ والا: قصص قصيرة من كتاب جنوب آسيا وتشير لهذا التنوع، وما سبق هو عن اثر فكرة احتكار الصورة والهوس في البحث عن وجوه اصيلة، تعبر عن ثقافتها وتمتحن في نفس الوقت.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية