لبنان يمسرح المداخل الصعبة إلي مجتمعه المدني المنسي..

حجم الخط
0

لبنان يمسرح المداخل الصعبة إلي مجتمعه المدني المنسي..

مطاع صفديلبنان يمسرح المداخل الصعبة إلي مجتمعه المدني المنسي..ليس لبنان وحده من بين أقرانه من الدول العربية الذي تتناسي حكوماته المشكلات الحياتية الملحة تحت وطأة التحولات السياسية التي تهز بنيانه الهش خاصة خلال هذا العام الأخير الذي أمسي يؤرخ بانتهاء الوصاية السورية. إنها حالة شاملة لمختلف مجتمعاتنا المحكوم عليها بالصمت إزاء أية قضية أساسية تنتابها، ما خلا بعض الإشارات العابرة علي لسان أحد الحكام أو الشاردة في صحيفة ما. لا أحد من هؤلاء الناس يهتم بشؤون الناس.من هنا تبرز فرادة الظاهرة الجماهيرية التي راحت تطبع معالم الحياة السياسية ومفاجآتها المتوالية في لبنان خاصة. فقد أتحفنا لبنان مرة أخري في الأسبوع المنصرم بتظهير جديد لقطاع كبير من جماهيره، بقذف ألوف مؤلفة إلي شوارع بيروت وساحاتها العامة للإعلان عن موقف إجتماعي في شكله، سياسي جذري في مضمونه. ومع ذلك تغلبت المطالب الحياتية هذه المرة كما كانت إرادة الأحزاب المنظمة لها. وتقيدت جحافل الناس بإنضباط صارم إحتياطاً ضد كل انحراف عن الأهداف المرسومة، أو استغلال تخريبي للهيجان الشعبي في أفخاخ أمنـــية مرسومة.هل هي التحولات المبشرة بعودة الجمهور كلاعب رئيسي في حقل المبادرات المصيرية، بعد طول قمع وغياب قسري وشلل متفاقم، كما هو الحال المستمر والمزمن لمعظم الجماهير العربية. فمنذ عام بدأ اختراع المظاهرة شبه المليونية في هذا البلد الصغير الذي لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين قليلة فقط. أي أن ما يقرب من ربع أو ثلث سكانه يمسون حاضرين بأجسادهم، وليس بآرائهم فقط، عند كل منعطف من الحالة الاستقلالية الجديدة، المعرضة للتشويه والإحباط الخافي والعلني. فبعد أن جرت محاولات اختطاف للحقائق السياسية المترتبة علي الاستقلال، وتوظيفها في خدمة مشاريع للوصاية الدولية، وإطلاق يد السفارات الأجنبية، والأمريكية بخاصة، ومنحها حرية التدخل والإشراف والتوجيه اليومي لأبسط شؤون البلد وأصغر التفاصيل فيما يتعلق بسلوك الوزارات والأحزاب التقليدية الموالية لها، نقول بعد هذا الفيض غير المسبوق من الاهتمامات الدولية المكشوفة التي تنصب علي مفاصل الحياة السياسية للبنان، وكأنه أصبح أحد أخطر مراكز الثقل والتأثير في المنطقة كلها من حوله، تبرز مسائل الإصلاح لقضاياه اليومية المعلقة، لتأخذ ذات المسار للشأن السياسي المختطف دولياً، أي مختطفة أيضاً، ولكن محلياً من قبل ذات الطبقة الحاكمة التي ساعدت علي إفساد مرحلة الطائف، والتعجيز في تحريف بنودها وتحويل البلد إلي مزارع سلب ونهب تحت شعارات إعادة الإعمار دائماً للبنان المنكوب في السلم كما في الحرب. ورقة الإصلاح التي تطرحها حكومة ما يسمي بالأكثرية، والموصوفة من المعارضة بالأكثرية الوهمية، هذه الورقة لا تري سبيلاً إلي شيء محسوس مما تشكو منه غالبية الشعب سوي إملاء خزينة الدولة الفارغة بزيادة الضرائب، وانتقاص الحقوق الضئيلة أساساً للموظفين والإلتفاف علي الضمان الإجتماعي. في الوقت الذي يسمع الجمهور كل يوم عن أخبار الاستثمارات ذات الأرقام الفلكية، الواردة أو المنتظر ورودها مع عرب النفط القادمين إلي الاصطياف في عشرات من الفنادق الكبري المفرطة في الضخامة وفي فحش الفخامة. كأنما يُراد لفقراء البلد أن يتحولوا إلي شركاء للأغنياء في ضربة ساحر.هذا الاصلاح هو من النوع الذي تبشر به الليبرالية الجديدة بعد أن أضحت هي الوصية الحقيقية علي لبنان، تغزوه بكامل عدتها المعهودة والمجربة في العديد من دول أوروبا الشرقية الخارجة من العصر السوفييتي، والمرشحة لديمقراطية العولمة. أهم ما في عدة الشغل السيطرة التامة علي مختلف وسائل الإعلام، والاشتغال في فبركة أحلام يقظة طفولية مخادعة موجهة إلي الأجيال الصاعدة تحديداً، لتحييدها عن أية اهتمامات جدية بالشؤون العامة. من هنا يبدأ التخطيط الجديد للاستيلاء علي العقل العربي انطلاقاً من هذه الأجيال المراهقة والشابة، الرازحة في واقعها تحت أثقل الهموم المتعلقة بمستقبلها المسروق منها سلفاً، والمدفوعة إلي الهجرة، إلي شتي الانحرافات، إلي أشداق البطالة الكاسحة التي تنتظرها، والغربة القسرية وهي في أوطانها.لبنان يمارس هكذا مهمته المفروضة عليه من قبل أسياده المتتابعين عليه خارجياً وداخلياً في كونه حقل تجارب لنماذج من المخططات التكتيكية المعدة للتصدير إلي محيطه، تنفيذاً لاستراتيجيات هادفة إلي قولبة شعوب كاملة، إلي إعادة صياغة تكوينها العقلي والثقافي الذي لم يعد يكتفي كما في الماضي، بتغيير أنظمة حاكمة، أو بالحفاظ علي صنائعها السابقة من هذه الأنظمة، بل صار الفكر والمعتقد الديني والأيديولوجي، ومناهج التربية والتعليم، هي الهدف المركزي المتمثل ليس في فرض الاستتباع السياسي فقط، بل في السيطرة علي حراك المجتمع نفسه في مجالاته المختلفة.كل تغيير قد يفوز به حراك المجتمع بفعل قواه الطبيعية غدا مهدداً بسرقته، وإعادة إنتاجه ضداً علي أهدافه الأصلية. ولبنان الذي اعتقد أنه استرد حريته واستقلاله، وأنه سيكون سيد نفسه، وصانع مقدراته بذاته وحدها، لا تكاد طلائعه المثقفة والفاعلة تشعر اليوم أن وطنها قد استطاع أن يمسك في الحد الادني بدفة سفينته. وأنه بات ليس أسيراً، وكما كان دائماً، للتقسيم والتقاسم الطائفي فحسب، بل بات معرضاً للمحاصصة المتنازع عليها سياسياً إقتصادياً بين قوي الأمر الواقع المستجد. وهي متنوعة وشديدة التنافس بينها، وليس ثمة قوة بينها متفوقة نهائياً علي سواها. ولذلك تعمد الي الاستقواء بتدخلات السفارات الغربية، وبالتحالفات المتأرجحة، مع بعض الدول العربية، والنفطية منها تحديداً، تستثمر صفات من مثل الأهلي والوطني والقومي والأجنبي، في معترك التقاتل علي حصص النفوذ وما يتبعها من جوائز الفوز بالمنافع العاجلة.لكن لبنان يفاجئ الجميع دفعة واحدة بإعادة فرض الظاهرة الجماهيرية، حين تذَكّر كلَّ الأطراف حتي منظميها وليس معارضيها فقط، بالقوة الأساس الممثلة للشرعية الشعبية التي تفرض علي بقية القوي الاصطفاف المادي والمعنوي خارجها. تجبرها بغتة علي مراجعة حساباتها، كأن تسأل نفسها: أين هي من كل هذا الذي يحدث في الشارع. خاصة وأن ما تحدثه الظاهرة الجماهيرية هذه المرة قد تعدي الطرح المستهلك للشعارات الشعبوية والسياسوية المكررة. هناك هموم عامة، بل مادية مجسدة، وتستمد صدقيتها من اتصالها الحسي واليومي بحياة كل فرد. وبالتالي تبرز خارطة الوحدة الأصلية الجامعة للناس ما فوق خرائط الطوائف والمذاهب واصطفافات المحاصصة في التسلط والنهب والاستغلال المعمم.ذلك هو الجواب علي إشاعة التساؤل فيما إذا كان لبنان الفائز باستقلاله قادراً علي توظيف حريته المستعادة في اجتياز جسر العبور الصعب، والمستعصي عليه وأمثاله من محيطه العربي حتي اللحظة، من عصر المجتمع القبلي، أو المجتمع اللااجتماعي، إلي ضواحي المجتمع المدني، ومن مرحلة ما قبل الدولة، أو السلطة الفئوية، إلي دولة المشروعية الجماعية.التحليل العلمي لا يزال يعتبر أن تحدي العبور الصعب هذا وتجاوز ما قبلية المجتمع والدولة إنما يشكل التحدي المركزي لإشكالية السبل المتاحة للانتهاء من الحلقة المفرغة الآسرة لجدلية التخلف والتقدم. ولبنان المستقل (الجديد) يمسرح تناقضات هذه الحلقة بالأصالة عن نفسه أولاً وبالوكالة عن أشقائه العرب المتابعين دائماً لأحداثه وتحولاته، كأنها هي كذلك من أحداثهم، وإن صمتت مجتمعاتهم، وعجزت عن الجهر الفعال بتطلعاتها المغيبة. لكن الخشية المتكررة أن تنزل الأستار مجدداً علي المسرح اللبناني، وتنقلب أحلامه وأحلام أمته معه إلي مجرد أضغاث أوهام..9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية