العنصرية والعسكرتاريا والليبرمانيون الجدد!

حجم الخط
0

زهير اندراوس

في حقيقة الأمر اشعر بنوع غريب من المفاجأة عندما يقوم العرب في هذه الديار بالتعبير عن استغرابهم واشمئزازهم وامتعاضهم من العنصرية المتأججة في جميع شرائح المجتمع الإسرائيلي، ويسود لدي الانطباع بأن العنصرية الإسرائيلية، وهي من المكونات الرئيسية للفاشية المقيتة والبغيضة، هي أمر جديد أو غريب علي هذا المجتمع الذي يحافظ علي تعاضده وتماسكه وكينونته وصيرورته مستعملا سلاح نفي الآخر وعزله عن المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي قلبا وقالبا. كنا سنقول ماذا جري لو أن ما يسمي بمؤشر الديمقراطية نشر نتائجه في دولة لا تتشدق في الصباح والمساء بالديمقراطية، ولكنها عمليا تمارس أساليب العنصرية المؤسساتية والشعبية ضد أبناء الأقلية القومية العربية الفلسطينية، وهم بالمناسبة لمن خانته ذاكرته الأصحاب الأصليون لهذه الأرض. اثنان وستون بالمئة من اليهود الإسرائيليين يؤمنون في عقلهم الباطني بضرورة تحويل إسرائيل إلي دولة نقية من العرب، أي أنهم يعتقدون بأنه يتحتم علي دولتهم طرد العرب من موطنهم ويطالبونها بالعمل الجاد علي تحقيق عملية الطرد الجماعي، باعتقادنا فإن هذا المعطي هو تحصيل حاصل، فهذه هي النتيجة الحتمية لما اقترفته إسرائيل في العام 1948 عندما هجرت وشردت شعبا بأكمله وأقامت علي أنقاضه كيانا، وعندما تجد الدولة المبررات والمسوغات لهذه الجريمة فلا يستغربن أحد من تحول العنصرية في إسرائيل إلي رافد حيوي في الحياة اليومية، لأنه عندما يتقمص الجلاد دور الضحية ويحول الضحية إلي الجلاد تنعكس هذه الأمور بشكل واضح وفاضح في التفكير الجماعي للأكثرية التي تربت وترعرعت علي أفكار أقطاب الحركة الصهيونية الذين فرضوا علي المجتمع الإسرائيلي المركب من قوميات مختلفة غير متجانسة في تفكيرها ونمط سلوكها، التسليم بمقولتهم الكاذبة بأن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. اثنان وستون بالمئة فقط من الإسرائيليين الصهاينة يريدون طردنا من بلادنا وأرضنا، ونشدد في هذا السياق علي مفردة فقط، لإيماننا المطلق بأن الأغلبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين يؤمنون في عقلهم الباطني بضرورة تحويل إسرائيل إلي دولة نقية من العرب.

علي أية حال، نعتقد أن النتائج التي افرزها مؤشر الديمقراطية للعام 2006 هي نتائج خطيرة للغاية، واللافت أن ثمانين بالمئة من المستطلعة آراؤهم قالوا بالحرف الواحد إنهم يثقون ثقة كاملة بالجيش الإسرائيلي، وهذه النتيجة تدل علي أن العسكرتاريا تسيطر علي هذا المجتمع وتجعله مجتمعا دمويا، لأن الجيش في هذه الدولة منذ قيامها وحتي اليوم يشن العدوان تلو العدوان ويقمع بصورة منهجية أبناء شعبنا في المناطق المحتلة عام 1967. بكلمات أخري يمكن القول إن الجيش يسيطر عمليا علي هذه الدولة، أو إن إسرائيل هي جيش يملك دولة وليست دولة تملك جيشا. التاريخ علمنا بأن الشعوب المتحضرة والتواقة للسلام تعارض كافة أشكال العنف والعدوان وتترجم هذا الأمر عن طريق المظاهرات الاحتجاجية، فالمظاهرات الجبارة التي تعم العواصم الغربية للإعلان عن رفضها القاطع للعدوان الامبريالي لدولها علي العراق، هي شعوب تريد الحياة لها ولغيرها، أما في إسرائيل فإن الجيش يحظي بالثقة الكاملة، وبالتالي لم نسمع عن مظاهرات اخترقت تل أبيب أو أية مدينة إسرائيلية احتجاجا علي العدوان المستمر علي الشعب الفلسطيني. وللتذكير فقط فان آخر مظاهرة شهدتها هذه الدولة كانت في العام 1982 عندما نفذت الكتائب اللبنانية بإيعاز وتواطؤ من إسرائيل المجزرة الرهيبة في مخيمي اللاجئين الفلسطينيين صبرا وشاتيلا في لبنان. حوالي نصف مليون شخص شاركوا في المظاهرة التي نظمتها قوي السلام الإسرائيلية في تل أبيب والتي أجبرت الحكومة علي تعيين لجنة تحقيق رسمية أوصت في نهاية المطاف بإقصاء وزير الأمن آنذاك اريئيل شارون من منصبه وقررت أيضا منعه من تبوؤ منصب وزير الدفاع. ولكن تقهقر القوي السلامية الإسرائيلية بات جليا للعين منذ زمن بعيد، ففي هذه الأيام عندما يقترف الاحتلال الجرائم البشعة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة فإن المجتمع الإسرائيلي يمر مر الكرام علي ذلك، والأخطر من ذلك أن شارون الذي أقصي من منصبه في وزارة الأمن انتخب رئيسا للوزراء في ثلاث دورات متتالية، الأمر الذي يقطع الشك باليقين، أن المجتمع الإسرائيلي يؤمن بأن الأشخاص الأقوياء من وجهة نظره هم الأشخاص الذين يمكن الاعتماد عليهم. وعليه نري حسب مؤشر الديمقراطية أن واحدًا وستين بالمئة من الإسرائيليين يوافقون علي أن القادة الأقوياء أمثال شارون يساهمون أكثر بكثير في الحفاظ علي الدولة من القوانين المعمول بها في هذه الدولة. وعندما يصبح الشعب أسير ما يسميهم بالقادة الأقوياء فانه يتحول بطبيعة الحال إلي مجتمع تستشري فيه الفاشية.

هناك دلائل وقرائن كثيرة تؤكد ما نقوله بأن تطور المجتمع الإسرائيلي يسير باتجاه مأسسة العنصرية وتقديس العسكرتاريا، فعلي سبيل المثال عندما نشرت مواقع الانترنت الإسرائيلية تصريحات الفاشي افيغدور ليبرمان من علي منصة الكنيست الإسرائيلي في الأسبوع الماضي بأنه يجب إعدام النواب العرب، وجدنا في موقع صحيفة يديعوت أحرونوت رد فعل من القراء، والأكثرية الساحقة من كاتبي الردود وافقوا ليبرمان علي تصريحاته، وأعلنوا أنهم يريدونه رئيسا للوزراء، أي أن ليبرمان عبر بشكل أو بآخر عما يجول في فكر قادة هذه الدولة، والقراء كانوا العينة الصحيحة والصادقة للمجتمع الإسرائيلي برمته.

هذه المعطيات المذهلة ولكنها في نفس الوقت متوقعة تحتم علينا ترتيب أوراقنا الداخلية والعمل بشكل علمي ومدروس علي ترتيب أجندتنا السياسية لمواجهة هذا المجتمع الذي يتهمنا بالعنصرية وفي نفس الوقت يمارسها ضدنا بشكل يومي. نعتقد انه آن الأوان لأن تتحمل القيادات العربية مسؤوليتها الوطنية والتاريخية وتتعالي علي الخلافات الداخلية من أجل تنظيم العرب في هذه البلاد كأقلية قومية، وأن تكف عن إطلاق تصريحات الشجب والاستنكار لمقولة عنصرية صادرة من الليبرمانيين الجدد، لأننا إذا واصلنا الغناء كل علي ليلاه، وإذا بقيت شرذمة مجتمعنا سيدة الموقف، فإننا بذلك نقترف أكبر جريمة بحق أنفسنا وبحق الأجيال الصاعدة من فلسطينيي الداخل، التي لن تسامحنا في المستقبل علي تصرفاتنا غير المسؤولة. 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية