العقدة النووية هي غربية أصلاً

حجم الخط
0

العقدة النووية هي غربية أصلاً

د. محمد نعمةالعقدة النووية هي غربية أصلاً بعيداً عن الأسباب الموجبة أو الأعذار التي تسمح لهذه الدولة الفتية أو تلك بالنزوع نحو التسلح النووي، وبعيداً عن الشروط الجيوسياسية المعقدة والمشدودة الأوتار أحياناً والتي تؤسس لارادة التسلح أو الردع الاستراتيجي في منطقة ما. فان التطرق لفكرة السلاح النووي هو بالضرورة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقع هذا السلاح لدي الغرب في علاقته مع ذاته ومع الآخرين. انه دالة غربية أساسا ورغم محاولات تخفيته خارج عولمة الغرب المندفعة في كل الاتجاهات. ان السلاح النووي هو خاصية غربية من حيث المنشأ والتطبيق التدميري (هيروشيما وناكازاكي) وأيضا من حيث تمظهره كوسيلة تخاطب سياسي ـ حضاري بين الدول والشعوب.ان السلاح النووي في يد الغرب ليس مجرد وسيلة ردع تجاه الشعوب والدول الأخري وانما أيضاً أداة غير مرئية له في عدة الشغل الدبلوماسي اليومي والقائم أساسا علي الغلبة وليس علي التعاون، علي السيطرة وليس علي الشراكة. فان كان لهذا السلاح بيد بعض الدول الصغيرة أو الفتية وظيفة دفاعية، تنشد من خلاله حماية وجودها كدولة أو كأمة، فان النووي الغربي هو هجومي الولادة والمسار. علي أساسه تقوم موازين القوي العالمية وبنفس الوقت علي المُتَخَيَّل لنتائجه الماحقة تتأسس كل الأخلاقيات السياسية بين الدول والشعوب.منذ ظهور السلاح النووي في يد الغرب آب (اغسطس) 1943 أي قبل أول تجربة سوفييتية له في عام 1953 والي ما بعد انتهاء الحرب الباردة ومن ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو لم يزل يؤدي وظيفة واحدة وهي تهيئة مناخ مرعب من اجل استدامة سيادة سياسية ـ اقتصادية آمنة. هذا ما تعكسه معاهدة عدم انتشار السلاح النووي لعام 1968 والتي تعتبر حجر الأساس للنظام العالمي بخصوص عدم انتشار هذه الأسلحة وأيضا نزعها والتي تمثل احدي ثمرات الدبلوماسية الغربية. فان هذه المعاهدة تجسد فعلاً الخلل القائم بين بعض القوي المتحكمة بهذا السلاح التدميري وبين بقية الأمم. ان لب هذه المعاهدة يقوم علي ما يمكن اعتباره تسوية بين مجموعتين من الدول: المجموعة الأولي تتعهد بعدم اللجوء الي تطوير السلاح النووي أو الي استيراده أو تصديره. والمجموعة الأخري النووية فانها تعد بنزع سلاحها. فاذا أمعنا النظر في المادة السادسة من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية فاننا نجد ثلاثة أمور متداخلة مطروحة في نفس الوقت: تتعهد كل الأطراف بـ مواصلة المفاوضات حول الاجراءات الفعالة المتعلقة بايقاف السباق علي التسلح النووي في تاريخ قريب من اجل نزع السلاح النووي بشكل تام وشامل وذلك تحت رقابة دولية حازمة وفعالة . ان هذه المستويات الثلاثة المتداخلة في النص قد دفعت شخصية غربية بارزة مثل ميشال روكار ليحدد بأنه لا يحق للدول العظمي منع الدول الأخري من حيازة الأسلحة النووية الا بعد تخليها هي عن أسلحتها الخاصة بها. الا أن هذه المعاهدة عكست عملياً وتاريخياً خشية الدول الكبري وخاصة أمريكا ومنذ جون كينيدي ، من أن تتمكن دول أخري من اللحاق بها علي الدرب النووي أكثر منه بكثير خوفاً من نتائجه السلبية علي البيئة وعلي الانسان.ان معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية قد خدمت الغرب من حيث قد شكلت اطاراً قانونياً قيمياً مجتزأً واستنسابياً لاحتكارها له وصداً واضحاً للآخرين. ان هذه المعاهدة والتي هي عبارة عن محاولة توازن بين الواجبات والحقوق للدول فاذ بها تختزن في طياتها غموضاً وضبابية كان الغرب قد قصد بهما تأبيد الخلل في صراع وميزان القوي مع التحلل الدائم من مبدأ نزع سلاحه النووي والذي كان قد شكل احد أسس معاهدة عدم الانتشار والذي لم يكن النقاش به سهلاً من قبل الدول النووية العظمي. فمنذ عام 1965 والدول غير النووية تتساءل وتسأل الدول المتحكمة بالسلاح النووي عن ضمانات وتعهدات لها في بقائها خارج التسلح النووي، أما الردود فكانت وما زالت دائماً نفسها غامضة وملتبسة. فبحسب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية فان الدول غير النووية التي لن تعد تبحث عن هذا السلاح تجد نفسها فاقدة لمصدر رئيسي لأمنها، فاذاً كيف يمكنها من الآن فصاعداً أن تنعم بالأمن اذا تخلت عن طموحاتها النووية؟ ما هي الضمانات بان الدولة الكبري لا تستعمل سلاحها ضد دولة اصغر؟ كيف ومن يؤمن لهذه الدول غير المحمية من دولة عظمي أمنها وسلامتها؟ وفي حالة اعتداء نووي عليها كيف العمل وما السبيل لردع المعتدي؟ ما هي الاجراءات ونوعيتها لمساندة المعتدَي عليهم؟ كل هذه الأسئلة التي قد تم طرحها من قبل العديد من الدول كالهند والسويد ومصر لم تجد الا أجوبة شكلية وواهية من دول القرار .ان هذه الأسئلة أصبحت الآن مقلقة وخاصة بعد تحول العالم الي احادي القطبية. فاذ ببريطانيا الحالية لا تجد حتي من مبرر لأي تعديل أو اضافات لهذه المعاهدة، كحالة فرنسا أيضا والتي عدلت للتو من عقيدتها النووية بحيث تسمح لها ضرب دول وحتي مجموعات معادية. أما أمريكا والتي رفضت في السابق اقتراحاً سوفييتيا (1966) باضافة ملحق علي المعاهدة ينص علي تحريم استعمال السلاح النووي ضد الدول غير النووية والموقعة علي المعاهدة والتي لا تمتلك علي أراضيها سلاحا نووياً، فانها الآن تعتبر أن التهديدات الحالية لانتشار السلاح النووي ووجود دول تنتقـــص من واجباتها تجاه المعاهدة ينهي أهمية اعطاء ضمانات للدول غير النووية.هنا لا بد من التأكيد علي أن ثمة عدم انصياع باد علي الدول الصغيرة أو الفتية لمتطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، شأن الرقابة والالتزام بالمعاهدة ألأم حول عدم التسلح، من بينها كوريا الشمالية وباكستان الي ايران والبرازيل التي رفضت هذه الأخيرة عام 2004 زيارات الوكالة الدولية لمنشآتها النووية خوفا من التجسس بحسب قولها، الا ان الأكيد بأنه قد سبق هذا التفلت ويقابله الي حد الآن الجمود أو العجز المؤسساتي المختص بنزع التسلح الكوني. ان كل الجهود هي منصبة حاليا فقط علي نصف المشكلة: عدم التسلح أو انتشاره بينما هي مختفية تجاه الشق الثاني من العقدة أي الالتزام بتطبيق المعايير الدولية الخاصة بتعزيز عامودي وأفقي لنزع التسلح الكلي والمنصوص عليها في نفس معاهدة عدم انتشار السلاح النووي. هذا اذا استثنينا انتقاص القوي الكبري من احترام معاهدتي المنع الكامل للتجارب النووية أو منع انتاج المواد القابلة للانشطار والتي تبدو حتي الآن حبرا علي ورق.لا بل نجد أكثر من ذلك وهو أن خلف ذلك الهلع الغربي من انتشار التسلح النووي ثمة عملية تطوير واعادة تسلح سارية علي قدم وساق لم يوقفها لا انتهاء الحرب الباردة ولا انهيار المعسكر الاشتراكي. هذا ورغم ما يؤكده رئيس وزراء فرنسا الأسبق ميشال روكار في جريدة الموند في 27/01/2006 في رسالته النقدية للاستراتيجية النووية الجديدة للرئيس شيراك علي عدم وجود مبرر لنزاعات حيوية حول أنماط النظام الاجتماعي ولا ثمة نزاعات مهمة حول الأراضي بحيث ان الخلافات المستقبلية ستكون بمجملها متعلقة بمسائل تجارية . فاذ بالولايات المتحدة والتي اجتزأت وانتهكت هي بدورها معاهدة عدم انتشار السلاح النووي ترفض من جهتها الالتزام وتطبيق معاهدة وقف التجارب النووية (سي تي بي تي) وتستمر في أبحاثها وتجاربها وتنوعها، ولم تزل تعارض تطبيق معاهدة (ستارت 2) الخاصة بتخفيض ترسانتها الاستراتيجية، مما حدا بروسيا لاعادة تصنيع وتطوير أسلحتها النووية والاستراتيجية وأيضا كذلك فعلت الصين وأخيرا فرنسا التي أخذت بتنشيط ترسانتها وتجاربها النووية. هذا دون أن ننسي بان الفاتورة العسكرية الأمريكية قد حصدت من خزينة الدولة أكثر من 400 مليار دولار لسنة 2004 ومن المتوقع أن تكون بحدود 500 مليار لعام 2009. ان الولايات المتحدة الأمريكية وحدها مسؤولة عن استهلاك 40 بالمئة من النفقات العسكرية العالمية. ان الدول النووية الكبري وخاصة الغربية منها تبدو جزعة من فقدان قدرتها الكامنة للردع وذلك في حال التزمت فعلاً بآليات واطر جماعية تتعهّد من خلالها بتقديم ضمانات وتعهدات واضحة لأمن وسلامة الدول غير النووية أو الضعيفة وهي الأغلبية الساحقة للمعمورة والتي بحاجة فعلية للأمن بمجمل نواحيه. لان في الخلفية اللاواعية للدبلوماسية الغربية تكمن، وهنا المأساة، توأمة بين نزوة الردع وديمومة السيطرة. أما اذا أردنا سبر غور أسفل هذا الرفض المزمن للتعاون بين الأمم والقائم علي التعاون والحقوق المتبادلة فاننا سنجد أنفسنا أمام أرضية ايديولوجية غربية صلبة عمرها من عمر حداثتها والتي تستند فيما تستند علي مركزية المعرفة والمكننة المستعلية وهرمية الأمم والدول. ان البشرية جمعاء تعاني من نواة هذه الايديولوجية الغربية والتي تنقسم الي نفي وتأكيد؛ نفي لأخلاقيات المساهمة والمشاركة والتعاون. وتأكيد علي أن كل مكتسب هو قابل للتراكم وكل مكسب متراكم هو قابل للاختزان وكل اختزان هو بحد ذاته قيمة وجبروت.مدير مجلة مدارات غربية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية