المغرب: الانتقال الديمقراطي أي أفق؟
محمد بنعبد القادرالمغرب: الانتقال الديمقراطي أي أفق؟ يبدو أن الخطاب السياسي حول الانتقال الديمقراطي في المغرب بدأ يشكو من نفاد ذخيرته الحية المشحونة بمفردات الانقاذ والتوافق والاصلاح والأوراش، التي كانت قبل بضع سنوات خلت تبعث في نفوس المغاربة زخما تعبويا هائلا، يفجر الآمال في مغرب ديمقراطي حقيقي، تسمو فيه ارادة الشعب ودولة الحق، ويقف فيه المواطن ملء قامته والسلطة ملء حدودها. اليوم كلما تحدث بعض الفرقاء عن هذا الانتقال الديمقراطي الا وأسندوه بعبارات انشائية لا تبعث سوي علي اللبس والملل، فتارة تأتي الدعوات الي تحصين الانتقال الديمقراطي كأنها صيحة استغاثة لانقاذ المعلوم من المجهول، وتارة يجري توطيد العزائم علي ترسيخ الانتقال الديمقراطي في حد ذاته، كمن يستعيض في ذلك بنشوة العبور عن غاية الوصول، وتارات أخري يرفع الخطاب مسار الانتقال الي مقام التمجيد والتهليل حتي يكاد يدعو له بدوام الصحة وطول العمر، والحال أن العيب ليس في هذا الزمن الانتقالي الذي لا شك أن مساحات خصبة تفوق كل مكامن هشاشته، انما العيب في هذا العقل السياسي الاحتفالي الذي يخنق من شدة الاحتضان، ويستلذ بالسباحة في نفس المجري آلاف المرات، فهل يستعصي الخروج من درب الانتقال الديمقراطي كما استعصي الاهتداء الي مداخله خلال أربعة عقود مضت؟ كل المؤشرات الكامنة في نمط اشتغال المؤسسات وأجندة الدولة واكراهات الوضع، باتت تدل علي أن الرهان الانتقالي اليوم صار يأكل من رصيده، ويستنفد كل مؤهلاته، وأن البلاد بالتالي لا يمكن أن تحتمل أشواطا اضافية أخري من جراء تمطيط هذه الظرفية الانتقالية، وتجميد عقارب الزمن المغربي في انتقال سكوني يراوح مكانه، تجمع مختلف معاجم اللغة علي أن الانتقال لا يكون الا بالتغيير من حال الي حال، ولا يتم الا بالعدول عن مسلك قائم واعتماد مسلك مغاير، وهو بذلك ينبني علي التوقيت والتقييد وليس علي الدوام والتأبيد، كذلك في مباحث علم الاجتماع السياسي، نجد مفهوم الانتقال الديمقراطي يتضمن بالضرورة بعدا زمنيا واضحا يشمل فترة محدودة في الزمن لها بدايتها ونهايتها، وذلك بما يجعل الانتقال الديمقراطي مسارا مؤقتا ينطلق علي قاعدة التوافق والتدرج نحو تحقيق العبور السلمي الهادئ من نظام شمولي الي نظام ديمقراطي، والمستفاد من تجارب الشعوب أن وتيرة العبور تمضي في سلاسة الي مداها بقدر ما تستوعب من تغيرات في نسق المعايير والممارسات تقود في نهاية المطاف الي اقرار النموذج الديمقراطي في ممارسة الحكم وهيكلة سلطات الدولة والمجتمع، اذا كانت الخاصية الملازمة لكل عملية عبور هي الحركة التدريجية ضمن وتيرة معينة تفرضها شروط الوضع الانتقالي وممكناته، فان هذه الحركة يمكن في بعض الأحوال أن تصبح مجرد اهتزاز في عين المكان، حيث يتوقف المسار الانتقالي في حركة اهتزازية تشي بالتردد والارتباك والحيرة، وقد تتحول الي حركة ارتدادية تنتكس بالوضع الي الوراء، وتستعيد احكام القبضة علي مقاليد الأمور، أعتقد أن تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب ان كانت لا تدعو الي القلق من خطر انتكاس يجهض الآمال ويحيي الاستبداد، فانها تبعث علي الاحساس بسخافة الحال من جراء هذا المسلك الاهتزازي الذي يقر بالأشياء ويأتي بأضدادها، كل خطوة الي الأمام تعقبها خطوتان الي الوراء، كل اشارة حداثية واعدة تنهكها تقاليد مرعية بائدة، كل مبادرة جديدة تبعثرها وساوس قديمة، دوران في حلقات مفرغة يثير أكثر من سؤال، هل هناك خطة مرسومة للدفع بمسار الانتقال الديمقراطي الي مداه؟ وهل هناك تصور مشترك لنموذج الحكم السياسي المبتغي؟ وهل يجتاز المغرب أصلا مرحلة انتقال نحو الديمقراطية ؟ لعل تصنيف أنماط الانتقال الديمقراطي كما استنبطته مباحث الترانزيتولوجيا قد يسعفنا ببعض العناصر الأولية في الجواب، فهناك الانتقال التوافقي الذي ينبني علي أساس توافق بين الحكم القائم وقوي التغيير يضبط قواعد ممارسة السلطة، ويرتب مراحل التدرج نحو النظام الديمقراطي، وقد شكلت التجربة الاسبانية أرقي نموذج لهذا النمط التوافقي، وهناك الانتقال الاحتوائي، وهو انتقال ممنوح يلجأ فيه الحكم الي احتواء مطالب الشعب وقوي التغيير لتعزيز سلطاته وبسط هيمنته، وهو نمط نجد له عدة أمثلة في بلدان افريقية نهجت استراتيجيات رئاسية باتريمونيالية تسمح بالتعددية والانتخابات دون تغيير حقيقي، ثم هناك الانتقال القسري، حيث يضطر الحكم القائم للتحول في موقفه من رفض التغيير الي قبوله، ليس بناء علي قناعة حقيقية، ولكن لأن السلطة لم تعد تتوفر لها الامكانات الكافية لممارسة حكم استبدادي كامل، قد يغرينا هذا التصنيف بالتساؤل عن النمط الانتقالي الأقرب الي التجربة المغربية، الانتقال التوافقي، الاحتوائي، أم القسري؟ والحال أننا أمام تجربة خاصة لا يمكن اختزالها في نموذج معين بحكم امتلاكها لخصائص الأنماط المذكورة، انها تجربة فيها شيء من التوافق المتمثل أساسا في المصادقة علي دستور 1996 وتشكيل حكومة التناوب، وفيها بعض من الاحتواء المتمثل في استمرارية نظام الحكم والخروج لاحقا عن المنهجية الديمقراطية، ويميزها نوع من القسرية علي اعتبار أن رهان الانتقال، كان في الأصل رهان ضرورة وليس رهان ارادة، فقد كانت هناك ضرورة لانقاذ البلاد من السكتة القلبية ثم ضرورة تيسير انتقال الملك في هدوء وسلاسة، انطلاقا من تنوع هذه الخصائص ذهبت مختلف الدراسات الحديثة التي أنجزت حول تجارب الانتقال الديمقراطي في أمريكا اللاتينية وافريقيا وأوروبا الشرقية الي أن الانتقال لا يعني بالضرورة عبورا مباشرا وحتميا نحو الديمقراطية، فهناك دائما احتمال الانتكاس نحو الحكم السلطوي، أو احتمال البقاء في وضع متأرجح بين تكريس المؤسسات في مظاهرها الليبرالية (أحزاب وانتخابات)، وبين تمركز السلطات في يد الحكم، وهناك أيضا امكانية المضي في ترسيخ الديمقراطية، وهذا هو النهج الأسلم للخروج من النظام السلطوي والاستقرار في نظام ديمقراطي يقوم علي فصل السلطات و توازنها، واحترام ارادة الشعب المعبر عنها في انتخابات حرة نزيهة. لعل الأهمية التي تكتسيها التجربة الاسبانية في الانتقال الديمقراطي، لا تعود فقط الي قوة العامل التوافقي والتعاطي الموفق مع ثقل الماضي، وانما أيضا الي سلاسة المسار الانتقالي وسرعة وتيرته، حيث تم التعجيل بتعويض النظام الفرنكاوي بنظام ديمقراطي خلال مدة قصيرة استغرقت حوالي سبع سنوات من تاريخ وفاة الجنرال فرانكو سنة 1975 الي يوم صعود الاشتراكيين الي الحكم سنة 1982، وهي مدة قصيرة ترسخت خلالها الممارسة الديمقراطية بكيفية متواصلة دون أن تعرف أي انحباس في لحظات ارتباك وحيرة بخصوص المسلك الذي ينبغي نهجه، كما حصل في الاتحاد السوفياتي مع غورباتشيف، ولم تعرف أي ارتداد أو مهادنة لجيوب المقاومة كما حصل في الشيلي أو الأرجنتين، هل نتوفر اليوم علي ما يكفي من المسافة الزمنية لاعادة قراءة تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب في ضوء مكتسباتها وتعثراتها ومآلاتها الممكنة؟ ثلاث ملاحظات أولية تطرح نفسها في سياق هذا السؤال: الملاحظة الأولي، تتعلق بشروع القوي الديمقراطية في التعبير عن نفاد صبرها من استدامة هذا الانتقال الديمقراطي، وربما ضجرها من غياب مؤشرات قوية دالة علي قرب نهايته، ولعل اجماع ذات القوي في نفس الآن علي المطالبة باصلاحات دستورية هو خير جواب علي أن فك هذا الانتقال المحجوز، وتأمين نجاحه ونهايته، لا يمكن أن يتحقق في ظل الدستور الحالي، فاذا كانت نقطة انطلاق مسار الانتقال الديمقراطي هي دستور 1996، فان نهايته لا يمكن أن تتم الا من خلال توافق وطني حول دستور جديد كمدخل أساسي لمرحلة ما بعد الانتقال الديمقراطي. الملاحظة الثانية، تتعلق بدعوة بعض الديمقراطيين الي ضرورة تقوية الدولة لمواجهة الخطر الظلامي، وهي دعوة قابلة للنقاش بما تستبطنه من ارادة غير معلنة في تأجيل الاصلاحات، والتباس نظري في فهم المقصود من قوة الدولة، هل يعني المزيد من تركيز السلطات أم المضي في ترسيخ المؤسسات وتوسيع مساحة المشاركة، وهل تقوية الدولة تعني بالضرورة اضعاف المجتمع السياسي كما حصل في العديد من التجارب، أذكر منها علي سبيل المثال ما حصل في مصر وتونس من استقطاب ثنائي بين الدولة البوليسية والحركة الأصولية، مما وضع القوي السياسية في موقع اختيار صعب لا تحسد عليه. أما الملاحظة الثالثة فانها تخص عامل التدرج في الانتقال الديمقراطي علي اعتبار أن هذا التدرج ينبغي أن يخضع لمبدأ التوافق والمعقولية السياسية، حتي لا تنفرد قوة وحيدة بالامساك بالسلطة الفعلية، بما يمكنها من ضبط الايقاع الانتقالي وتجميده أو الارتداد به عندما تشاء، الحاصل أن الانتقال الديمقراطي في المغرب لا يمكن أن يمضي بوتيرة توحي بأننا مقبلون علي اختراع شيء جديد، أو علي ابتداع نموذج فريد، لا هو بالاستبداد ولا هو بالديمقراطية، اننا بهذا المنطق لن نخترع شيئا علي الاطلاق، ولن نقنع غدا حتي أنفسنا فبالأحري غيرنا، بأن الشيء أسود وأبيض في نفس الآن، ومعلوم أن موجات الانتقال الديمقراطي لا تشبه موجات البحر، فهي تتكسر بسهولة أكبر، ويكون ارتدادها أكثر صخبا وأشد وطأة.ہ كاتب من المغرب 8