الشرق هنا.. جثة في معرض.. ينقصها الهرم
ناجي طاهرالشرق هنا.. جثة في معرض.. ينقصها الهرم مصر هبة النيل، هذا ما اخبرتنا به كتب التاريخ. وهكذا كان عنوان الدرس. وكانت الأهرامات فيها، تظلل حاشية النص.وفي درسٍ تاريخيٍ آخر، ألمانيٍ هذه المرة. كنا نجوب فيه باحات القسم الشرقي من المتحف البرليني. كنت مذهولاً من ضخامة الصروح والأعمدة، والهياكل المرصوفة، كأنها وُجدت هناك منذ الأزل. قطع من جنائن باب المعلّقة، أكمل تشييدها بمجسّماتٍ اصطناعية، وفاقت دقتها الوصف والأصل. أعمدة وأنصاف قلاع حقيقية من أنطاكية وبيزنطية وصخرة أو بلاطة، كأنها جدار فيه تجاويف غريبة من الأردن.وثمة أيضاً آثار ونقوش سومرية وفرعونية. كان كلُّ واحد منا يحمل دليله بيده، آلة لعينة تسلمناها عند المدخل، تُجيبك عن كل تفاصيل المعلم الأثري. أصله وفصله ومكان العثور عليه، واسم المكتشف والسنة والطريقة، التي تم نقله بها الي المانيا. كأن الشرق بكل سحره وأساطيره، يكاد أن يرقد هنا في سبات سرمدي، جثة في معرض. لا أعرف لماذا شعرت بالغيظ من صديقتي، التي دعتني الي هذا المعرض. وبدأت أحمّلها مسؤوليات الأشياء التي أراها. لماذا تراها دعتني الي هنا، ومن قبل الي البرج الأعلي في مدينتها السابقة، برلين الشرقية، أتراها أرادت أن تريني معالم حضارتها، أم أنني أبالغ في الأمر، فهي كأكثر الألمان، لطيفة تحب المتاحف والآثار؟وربما ما زالت تحب الشرق القديم، كما كانت تحبه عندما كانت في موسكو تدرس الموسيقي، والعلاقات السوفييتية ـ الألمانية إبّان الحرب العالمية الثانية. إنها الآن برلينية غربية، وهي تملك، كذلك سيارة المانية حديثة، انها بكل بساطة لم تعد برلينية شرقية، كما أنها انتقلت منذ سقوط الجدار، لتعيش في برلين الغربية. انها سنوات عشر، أنجبت خلالها ولدين، ولا عدد دقيقا للأصدقاء الذين بدلتهم، والذين علي الأغلب كانت سحنة أغلبهم سمراء، لأنها كانت تحب الشرق والعرب منهم أكثر من غيرهم. وربما الان تكرههم، تماشياً مع ظاهرة كره الأجانب!؟لديكم العصر والآلة وانت الآن في الغرب، أو غربية، والشرق، الذي كان ينقصكم، ها هو متخف بين أيديكم، مارد قديم في زجاجة، لا ينقصه سوي الهرم، لكي يكتمل المشهد. أردت أن أقول لإلكة لكنني لم أنطق سوي بالمقطع الأخير:ـ بقي الهرم وحيداً هناك، لماذا لم تجلبوه هو الآخر؟ الألمان يوصفون عادة، بأنهم شعب جاد، يقدّس العمل والنظام. وربما أزعجهم هذا الوصف، وتمنوا لو يُضاف الي هذه الأوصاف أيضاً، صفة خفة الدم، كتلك التي تُعطي غالباً للمصريين مثلاً. لكن دراسة نُشرت نتائجها مؤخراً أشارت الي أن الألمان أقل شعوب الأرض ضحكاً. أي الأكثر تشاؤماً والأقل تفاؤلاً، أو ميلاً للمرح والثقة بالمستقبل. بالطبع خيّبت نتائج هذه الدراسة آمال الكثير من الألمان. وكدليل علي هذه النتيجة، ضُرب عدم فهم وبالتالي عدم ضحك الكثير من الألمان لكثير من النكات التي تُلقي عليهم، كأحد المؤشرات علي هذا الأمر. وربما لهذا لم تضحك إلكة وبقيت رصينة مهذبةً للغاية وجدية الي أبعد مما بعد الحداثة. علي كل حال، أنا لم أقل أكثر نكات الأرض إضحاكاً أوتضحيكاً، أو الأكثر إثارةً للضحك (إختر المفردة التي تناسب قاعدتك اللغوية والنحوية ولا تحزن!).ـ ربما، لأنه كبير الحجم!ـ نعم الهرم كبير جداً بعض الشيء، ربما يأتون به علي مراحل، علي فكرة كيف تمكنتم من نقل هذه القلاع وأكثر ما يحيرني هي تلك الصخرة الكبيرة التي من الأردن؟ سألتُ إلكة، التي سألت بدورها الناي الحديث الذي، كان بين يديها عن صخرة الأردن فأجابها وقالت: ـ إنه يقول، أنكم، ليس أنت، ولكن ربما أحد اجدادك كان من بين أولئك العمال، الذين جروها الي الميناء وأصعدوها الي السفينة، التي جاءت بها الي المانيا منذ قرن ونصف تقريباً.هكذا هي إلكة، تستسيغ النقد الساخر وتجيد إدراجه في سياق الجمل الطبيعية، وكله في إطار من المزاح الجاد والهادف.ـ إلكة، يا عزيزتي، أنتم لصوص، ليس أنت ولكن ربما أحد أجدادك ممن كانوا يبحثون عن جدران وأعمدة وصخور أجدادي ليسرقوها ومن ثم ليحضروها الي هنا، والأنكي من ذلك كله، أنهم فعلوا كل ذلك علي ظهورنا.ابتسمت، ابتسامة سريعة، لأن لكل ابتسامة معني، فالإبتسامة الطويلة، هي الأكثر غباءً، والأقل دلالةً ومغزي. أما المتوسطة فهي، حمّالة أوجه، وعلي الأغلب يتم تفسيرها بشكلٍ خاطيء، أما القصيرة، فهي أنواع، منها الخاطفة، وهي الأكثر كثافة والأعمق تأثيراً والأشد بلاغةً، لأنها، لا تكاد تفترق عن الصمت إلا بقليل متفاوت.ـ إننا قمنا وما زلنا نقوم بذلك من أجلكم ومن أجل صالح البشرية أجمع. إننا نحمي هذه الآثار منكم، ليس منكم جميعاً ولكن من اللصوص منكم، الذين، لا يردعهم شيء. فهم مستعدون لأن يكسروا تابوت مومياء، لا تُقدر بثمن من أجل حلية أو عقد قد يساوي بعض المئات من الجنيهات.بدت إلكة وهي تقول هذه الكلمات، كأنها جدّة فرعونية حنون تطبطب أسئلة طفل شرقي قديم مضطرب، يجب أن ينام، وربما الي الأبد، لكنه لا يريد، فراح ينقنق أو يتدلل علي أبعد تقدير. ـ حسناً، شكراً لكم، ولكن أتعدينني، أنني عندما أكبر ستعيدين لي الهرم! ضحكت، ضحكةً قصيرة هذه المرة، وقالت:ـ أعدك، أعدك!. ولكن دعنا من المزاح الآن! ألا تجد غرابةً في كون هذه الأهرامات العظيمة موجودة هناك؟ كأنها سقطت من كواكب بعيدة في تلك الصحراء! لا أعرف لماذا أغاظتني حينها تساؤلات الصديقة الألمانية. وشعرت كأن الأهرامات بقيت هناك حقيقةً، وحيدة عُرضةً للصوص. أوربما لأنها غمزت من قنوات عرقية. أو ربما من إشارتها الي كون الأهرامات قد تكون عبارة عن نيازك سقطت من السماء هناك. لكن استغرابي وامتعاضي، سرعان ما بدآ بالتلاشي. عندما رحت استعرض صور لصوص المقابر والأهرامات والآثار والدول. وكاد حمقي أن يزول كليةً، عندما تداعي الي ذهني كذلك، مشهد القضاة المصريين وهم يُذبحون كما قال أحد القضاة، الذين كانوا يعتصمون، ويتظاهرون، كطلاب مدرسة ثانوية، وهم يرتدون الوشاح الأحمر. لم أدقق في الخبر، أو التفاصيل، إذا ما كان ثمة مذبحة حقيقية أو مجازية، تحت تعبير قاض منهم عن مذبحة تحصل في القضاء. تداعي الي مخيلتي، كل المشهد المصري، والعربي بكل رداءته وتعاسته. وسألت نفسي: أهؤلاء هم حقاً احفاد وورثة الفراعنة والبابليين وكل قدامي الشرق؟ وبدأت أميل للاقتناع شيئاً فشيئاً بكلام إلكة عن حماية تراث البشرية. وكنا قد شارفنا علي الانتهاء من معرض الشرق لندخل في عصر الغرب المتواصل. اليونان، إذ بدأ الوطء يخف قليلاً، إذ أن هؤلاء، هم أيضاً هنا في المتحف. وورثتهم، أي اليونانيين الجدد، الحاليين، لم يتردد الكثير من الأوروبيين في إبداء الامتعاض من عملية إلحاقهم في أوروبا المتحدة، علي اعتبار أن حاضرهم، الاقتصادي والاجتماعي، لا يكاد يختلف كثيراً عن حال المصريين أو اللبنانين، أو أي دولة عالمثالثية أخري، غير أن ماضيهم التراثي، الفلسفي والعلمي هو ما شفع لهم، إذ أنهم يشكلون إحدي الدعامات الفكرية الرئيسية للجذور الأوروبية حضارةً وثقافةً وتاريخاً.فإذا بي أنتهي الي المفاضلة أو المعادلة الصعبة والعسيرة: فإما أن تبقي الأهرامات في مصر عرضةً للصوص وتجار الآثار والحضارة والتاريخ، فيما يُذبح القضاة، الذين يفترض دورهم أو ما يُتوقع منه، أن يُحاكموا هؤلاء اللصوص. وبين أن ننقل هذه الأهرامات لتُحفظ وتُصان هناك في متاحف برلين. بين هذه وتلك، ارتأيت، أنه من الأفضل وعلي الأحوط الأعّم، أن نعمل، وبكل القوي والأسارير، وعلي وجه السرعة، ودون أيّ تأخير أو تأجيل، علي نقل هذه الأهرامات، وما بقي من تراث الشرق العظيم، الي متاحف برلين. ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي والنبيل، علي كل الجهود والأيادي الخيّرة، الجميلة منها والنحيلة، أن تتضافر وتتحد، قبضة رجلٍ واحد، كالبنيان المرصوص لأجل هذه الغاية! بعد لحظات الصمت هذه، التي جلت بها علي أنصاب أهلي، ورميت الأزلام في أقداح جماعتي، واستخرت تاريخي المليء بالأنبياء والأساطير والمروءة. قلت لإلكة ناقلاً عزيمتي وقراري النهائي: ـ حسناً، موافق، ولكن سترديه لي عندما أبلغ، أليس كذلك!مبتسمةً، ابتسامةً متوسطة سألتني:ـ وما هو، هذا الذي عليّ أن أرده لك عندما تبلغ؟ـ الهرم، أولم تعديني! أجبت جاداً.ہ كاتب من مصر يقيم في ألمانيا0