السيرة الذاتية والقارئ المرتاب

حجم الخط
0

السيرة الذاتية والقارئ المرتاب

عن البصر والبصيرة لريم هلال:محمود عبد الغنيالسيرة الذاتية والقارئ المرتاب1 ـ المبدأ التحادثيلِمَ نكتب عن السيرة الذاتية حينما يكون بمقدورنا أن نكتب سيرتنا الذاتية بأنفسنا؟ هل لأن أفضل طريق للوصول إلي أعماق السريرة الذاتية هو الكتابة عنها؟ مثلما يؤمن مترجم الشعر، الذي بإمكانه كتابة القصيدة، أن أفضل طريق للوصول إلي أعماق القصيدة هو ترجمتها. إن نقد السيرة الذاتية خصوصا، مثلما الترجمة، هو مغامرة لا مهنة، تنسج بين الباحث وبين كاتب السيرة الذاتية علاقة حميمية. بل إنك تبدو أحيانا وكأنك محلل هذا الكاتب، ذلك أن العطر الدلالي في السيرة الذاتية يحتاج إلي إعادة خلق. وهذا العطر الدلالي يحتاج إلي عمليات خلق مضاعفة حين يتعلق الأمر بسيرة ذاتية خطتها يد امرأة.إن نقد السيرة الذاية مغامرة لأنك ستبحث عن القانون الجوهري لهذا النوع من الخطاب، وعن كل ما يضمن شرعيته. فالمتكلم في النص السير ذاتي ملتصقبقوله. بل إن هذا الالتصاق مسألة مطلوبة. إضافة إلي أن التناول اللغوي للأحداث يوفر خلقا جديدا لحقيقتها. ولعل ذلك من بين انعكاسات خطاب يقدم نفسه علي أنه حقيقي من أجل استضافة جيدة للقارئ.هذه هي حقيقة هذا النوع من الخطاب، فثمة تركيز علي نظام من المقابلة نشعر به داخل النص، نوع من المبادئ التحادثية conversationnelles الضرورية لحدوث تقابل جيد. ليست السيرة الذاتية معفاة من تقديم الصراع بين الـ أنا والعالم المحيط، هذا المرتع الكلي للأوهام. وهي تقدم هذا الصراع بهَمّ تعليمي، مما يجعلها تنتمي إلي البلاغة القديمة. والقارئ مدعو إلي التمييز بين الـ أنا والعالم المختلفين، فيبدأ في التفكير في شرطه الخاص كإنسان. هذه هي القوة البلاغية التي يجب الانتباه إليها في سيرة البصر والبصيرة (دار الآداب، 2004) لريم هلال، التي تحاول منذ الصفحات الأولي، بناء خطاب ذاتي مرتبط بالقارئ. وإبعاد الصورة اللهوية عن ذلك الخطاب وهي صورة تكون ملتصقة عادة بنصوص التخييل أكثر من نصوص الكتابة الذاتية.تلتف البصر والبصيرة لولبيا حول واقع ريم المستعاد. أليست الكتابة هي موهبة التلتفاف اللولبي حول الواقع. يجب علي الإنسان أن يلف نفسه كاللولب حول شيء ما. لكن يجب انتظار ما يحدث حين يكون الإنسان لا يعرف الواقع، أو يجد نفسه أصغر منه حجما وقوة. ومن هنا نجد أن البصر والبصيرة تسعي إلي إقامة تصالح بين الأضداد، لتثبت في الأخير أنه تصالح مستحيل. فهذا التصالح لم يكن ممكنا بين الكفيفة والمبصرين. يستمد النص عنوانه من حوار بين الكاتبة ووالدها حول فتاة نبهت صديقتها بصوت مسموع: أنظري إلي هذه التي لا تري . التفت الوالد إلي ريم وسألها بامتعاض واضح لو خيرت أنت ما بين بصر هذه وبصيرتك أنت فأيهما تؤثرين؟ فأجابت ريم: البصيرة يا والدي، البصيرة. وهي القيمة التي أكدت عليها الكاتبة بجملة أخري: لا تري بعينها إلا قليلا، لكنها تري بعقلها كل شيء وقد أتت هذه الواقعة خاتمة للكتاب. وهي واقعة محورية في بنية البصر والبصيرة من حيث الحدث الداخلي الذي يؤكد أن هذه القيمة النصية المحورية الختامية هي امتداد للنص بمجمله، بعد أن تناول العديد من أنواع التفاعل والصراع بين بصر الآخرين وبصيرة الكاتبة.2 ـ الهم العلمي:يغلب علي البصر والبصيرة الهم العلمي، وكأن ريم هلال تحقق ذاتها، وتقوم برحلتها من أجل بناء الشخصية الذاتية، بواسطة التزامها بالتحصيل العلمي. وهذا البعد هو الذي خلص الشخصية في صراعها من النزعة الفردية وما تعنيه هذه النزعة من معاني العزلة والانطواء، ثم الذهاب نحو الجماعة العلمية باعتبارها كيانا إيجابيا يخرج الفرد من حدود أناه، وقد كانت الشخصية الرئيسية تخرج من العزلة دون أن تتأثر خصائص فرديتها : فلقاؤها بالجماعة لم يكن يتسبب في ضياع ذاتها. وهذا الكيان الفردي والجمعي في نفس الآن تطلب بصيرة عليا. لكن قدر الذات الكفيفة هو الاغتراب وبقيت جسدا واحدا لا يحييه سوي الألم والاغتراب ثم الوحدة. ومما كان يزيد من شعوري بالوحدة ويضاعف من حجمه هو أنني كنت بين فترة وأخري أفقد حقيبتي، ثم ألقاها بعد يوم أو أكثر دون أن أدرك كيفية حدوث ذلك ثم لقد عدت إلي وحدتي المخزنة، لأن أقراني ظلوا يقصرون علاقتهم معي علي التجاور المكاني دون أن يخطر ببال أي أحد منهم أي توجه إلي يشعرني بوجودي (ص39). يعتبر موضوع التربية والتعليم من الموضوعات التراثية الموجودة في الأعمال الحديثة. نجد الدكتور شوقي ضيف، الناقد الضليع في الأدب العربي القديم، قد كتب سيرته الذاتية معي لتسجيل عملية تربيته وتعليمه، حيث يسرد مسار حياته وتطوره من الدراسة في القرية انتهاء بالحصول علي الدكتوراه. أما حياته الشخصية فتظل مقنعة. وهذه ملاحظة تنسحب علي البصر والبصيرة التي تبدأ بالميلاد عام 1960 إلي الحصول علي الدكتوراه. فريم هلال تصف المدرسة التي تعلمت فيها والتلاميذ، الأصدقاء منهم والأعداء، والمعلمين بصفاتهم الشخصية ومظاهرهم ومزاياهم وما إلي ذلك من العناصر الموضوعية. كل ذلك من أجل التأريخ التربوي والدفاعي في نفس الآن، وتعظيم الذات الناجحة رغم عقباتها ومثبطاتها الذاتية والخلقية. لذلك فموضوع تربيته أو تعليمه هو من الموضوعات النمطية في الخطاب التقليدي إلا أنه في الوقت نفسه تعبير عن الحداثة، لأن التعليم مجال شديد التأثر بعملية التحديث. تنحو ريم هلال منحي طه حسين في سيرته الذاتية الشهيرة الأيام من أجل تأكيد تفوقها الأدبي والعلمي. فقد أنجزت بحثا بعنوان حركة النقد العربي الحديث حول الشعر الجاهلي ، وأطروحة دكتوراه حضرتها باجتهاد عن رواية الحرافيش لنجيب محفوظ. وربطتها علاقة صداقة بأدباء من سورية علي رأسهم الشاعر شوقي بغدادي، الذي كتب عنها مقالا في جريدة الثورة تحت عنوان ريم البحر . لقد استخدمت ريم هلال موضوع الثقافة و العلم بنفس الهدف الذي كان يرومه طه حسين، أي كذريعة للهجوم والانتقام واستنكار الجهل الذي تعرض له في حياته. ومن هنا تكون رسالة الكاتب وهو يسجل تجربة التربية والتـــعليم هي الدفاع وفضح الأوهام ونقد الأســـاليب التقليدية، وفتح الـــبوابات الذهنية (تعبير للفيلسوف آرثر بيرغر) علي التنوير والتوعية السياسية والإصلاح الاجتماعي.تقدم البصر والبصيرة المدرسة كشريحة مصغرة من المجتمع الذي ينضح بالظلم والإجحاف واللامساواة والقمع. ومن ثم الآثار السلبية لهذا النوع من المدارس علي الكاتبة. وهذا موضوع شديد الأهمية، والاستبطان النفسي ـ من هذا النوع ـ ملمح غريب علي الأسلوب الحديث في الكتابة عن تربية المرء وتعليمه، وهو لا يمت بصلة علي الإطلاق للأهداف التاريخية أو الدينية للسيرة الذاتية التقليدية، تقول عن المعلمة (ج) التي كانت تدربها علي الكتابة والقراءة و التي كنت أخصها بالكثير من المحبة بسبب دماثتها، لكن ما لبث أن تبين لي من خلال ما أعلمتني أمي بعد سنوات أن هذه الدماثة لم تكن تعني شيئا، ولم تشكل سوي صورة ظاهرية لا يكمن خلفها أي جوهر إنساني (ص 34) حيث أن والدة ريم كانت كلما سألت المعلمة المذكورة عن إمكان سيرها في العلم محت من أمامها كل أمل، وأغرقتها في بحر من اليأس المطلق. كما أنها تصف المدرسة كالآتي : انتهت إلي وحدتي المعهودة، فعاد معها الألم والقهر اللذان لم يتقلصا مع الزمن وألفة المشكلة (ص.49).لكن ذلك لا يمنع الطفلة ريم من تقديم المدرسة بشكل إيجابي، من منظور حقها في التعليم وتفوقها فيه. وهذا يعود بنا إلي طه حسين في الأيام . فهذا النص يحتفي بالطفل الموهوب. ويعود بنا إلي سيرة ذاتية أخري لعائشة عبد الرحمن فوق الجسر التي تتباهي بمعرفتها بالمواد الإسلامية وبذكائها كطفلة أدهشت الجميع بقدرتها علي الحفظ وسرعة التعلم. من هنا فمغزي البصر والبصيرة هو أن مصير الإنسان لا يقرره وضعه الصحي، وشرطه وموروثه الاجتماعي، بل هو حر لكي يصنع مساره الخاص، ويصبح ما يريد. وينضاف إلي هذا الإصرار الحر، الرؤية التي تميز الإنسان الحديث للعالم، والتي هي من أهم دوافع كتابة السيرة الذاتية. فلكي ينتج الكاتب سيرة ذاتية لا بد له من أن يصدق أن المجتمع يتغير بمرور الوقت، وأن ذلك التغير يؤثر علي حياة الفرد، حسب تعبير تيتزرو ووكي . 3 ـ الإفادة من أيام طه حسينأفادت سيرة هنري أدامز الذاتية تربية هنري أدامز كثيرا سلامة موسي في كتابة سيرته الذاتية تربية سلامة التي بدورها أفادت الشاعر عبد القادر الجنابي في تربية عبد القادر الجنابي . وأفادت اعترافات القديس أوغسطين كثيرا جان جاك روسو في كتابه الاعترافات التي أفادت هي الأخري الشاعر المصري عبد الرحمن شكري في كتابة سيرته الذاتية كتاب الاعترافات .أما ريم هلال فقد أفادت كثيرا من أيام طه حسين. ورغم أن عميد الأدب العربي لم يقدم أية إشارة في الأيام الي اعترافات روسو التي ألهمته، فإن صاحبة البصر والبصيرة تشير في نصها إلي طه حسين باعتباره شبيها لها في الإعاقة والحياة والأدب.3 ـ السيرة الذاتية والقارئ المرتابجعلت البصر والبصيرة من حياة ريم هلال شيئا عموميا يستند إلي عرض ما ليس قابلا لان يبقي سرا: الإعاقة. وهذه ربما هي إحدي الحقائق التي أنتجتها، نقيض السر، وإفشاء السر عملية غير ممكنة إلا في حضور القارئ الذي يعطي للسر والاعتراف الدلالة، عن طريق الشك والارتياب أو الاقتناع والانجداب. وهنا نلاحظ أن نبرة الكاتبة تختلف باختلاف الهدف الذي يبحث عنه. وبذلك يبدأ في تأسيس علاقة مع الآخر/القارئ الذي ينتظر حقيقة مرجعية، فتبدأ عملية الانتقال من الأدب التخيلي إلي السيري المرجعي. ولا تختلف ريم هلال في هذا الشأن عن الكتاب الذين أصبحوا روادا في قول الحقيقة وبإعطاء الخطاب قاعدة لجعله ممكنا: أيها القارئ، هنا ستجد كتابا صادقا ، ورغم أن هذه المبادئ أصبحت شاذة أدبيا، إلا أنها تشكل العمود الفقري لكل سيرة ذاتية، وربما ذلك راجع الي كون الكاتب يشعر بالحاجة إلي إعطاء حقيقة يساهم العالم الاجتماعي في إفسادها (توماس كليرك ـ الكتابات الذاتية، المفهوم، التاريخ، الوظائف، والأشكال ، ترجمة: محمود عبد الغني، ص: 47 دار أزمنة ـ الأردن 2005).تسرد الكاتبة أقدار الكفيف كاشفة عن انحياز الحياة إلي غيرها من البشر. فالعمي المنتصر هو الذي أعاد صياغة شخصيتها، لقد أملي عليها دورة جديدة. الشيء الذي جعل النص مسيجا بأزمنة التذكر الجريحة. والتذكر شأن من شؤون البصيرة لا من شؤون البصر.يبني العمي سؤال الهوية الغامض علي الأعمي أن يسأل عن مآله، وأن ينظر بالبصيرة لا بالبصر إلي الحياة القادمة التي تنتظره. أما الدروب والأمكنة التي تنتظره فلا يراها بل يتحسسها بفضل قوي العمي . الأعمي لا ينتقل من مكان إلي مكان، بل من شكل معين للمعرفة إلي شكل مغاير وهذا نوع من التصور السحري للعالم. إن عمي الكاتبة هو الذي بدأ رحلة تحولات هويتها في أصعب الأوقات. هو الذي كتب نصا من صميم أدب المضطهدين . غير أنه يقع في خانة النصوص الذاتية التي تخادع قارئها. وقد تكون هذه الخدعة هي أفضل طريق حتي لا تصبح السيرة الذاتية مجرد ركام بائس من الأسرار .ہ شاعر من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية