نوال العلي
… الذي ضل طريقه بين الأشجار الجافة جداً في المنحدرليس نفسه، من أمسكته العجائز في حقول مبطنة بالأشباح والنمل، وقرقعة علب معدنية معلقة في فراغ بين الثمرة وأختها.
ليس نفسه، الميت الذي وجدته مختبئاً بين الحشائش الضارة، وقد دخل عامه الثاني وما زال يحتفظ بخاتم حديدي وثلاثة أرغفة يابسة.
ـ شهدت كل شيء، وأنا جالسة فوق الخزّان كعادتي، أقابل الليل بعد أن تنام عائلتي متدلية من سقف الحلم إلي الخارج.
العسكر يطوقون الموت المهجور، وقد جمعوا الفشك وقطع التنك وبقايا أقمشة طيرتها الريح من المزابل إلي هنا أمام عيني. تتدفق مياه البلدية إلي الخزان، فأحس بنمنمة لذيذة في قدمي الملمومتين بذراعيّ. أرصد صوت الماء والعتمة، ثم أوقظ أمي لتمد البربيج وتسقي أشجارها المدللة، ونباتاتها النامية في علب حليبنا و تنكات الزيت المستهلكة في العام الماضي، هذه الجلبة المفاجئة تربك شقيقي الذي كان يمارس العادة السرية علي ما يبدو، فيتقلب بعنف، ويتأفف بلوعة.
لكنه ليس نفسه، الحزين الذي وصل حين كان الإسفلت طازجاً، علي الشارع المستحدث بين البيوت المصنفة من الفئة ب ـ الأمر الذي يعني أن نجتث بعض الزيزفونات لنمد أمتارا من الباطون، ونبتاع باباً مستطيلاً من الألمنيوم انقطع بنصر شقيقي برتاجه الحاد، لم تكن فكرة الكراج سيئة جداً، فقد تسني لنا أن نرسم مربعات الحجلة باستقامة أكثر ـما زال حذاؤه في السقيفة ملطخاً بالقطران بعد كل هذه السنوات، ساخناً تفوح منه رائحة الغياب، والشمس الحامية لظهيرة آبية من الثمانينات، حين درجت موضة الكتافيات العريضة، فتبدو خالتي القادمة من بعيد فزاعة ترتدي جاكيتاً رمادياً، منقوشاً بكمية مدهشة من أزهار معملقة، لم يخلق في حجمها قط.
ليس نفسه، حائراً صادفته في طريق مجنحة بالسراخس خلف البناء، حيث عاش أبي في شبابه.
قال إنه يختنق فعلّمته كيف يبكي، بكاء عودتني عليه نساء وحيدات تربيت في أحضانهنّ، أمي، أخواتي، عماتي، خالاتي، ثلة من الأرامل والمطلقات والعوانس والدميمات. كن بائسات بحق، لا يشغلهن سوي تأخر الطمث وبضع نكات إباحية يكررنها علي نحو مبكٍ، بينما تلف أصابعهن ورق الدوالي باحتراف، يرمين به محكماً إلي قدر أخذت تصغر عاماً بعد عام، إذ انسحبن من المشهد، واحدة تلو الأخري.
لم يبق سواي وشقيقتي، تحاول كل منا أن تبقي النار هادئة، تحت قدر اليخنة التي تكفي لشخص واحد علي الأكثر.
وليس نفسه، مرتبك يتبع بحة الأنثي الواقفة أمام تاجر الكلف والشلحات الموسلين، توتونجيان بائع التتن في صباه، يقول لها إن الجنس تمباك حياته الملفوف بالموسلين الأسود.
لا يخفي استياءه من هذا الحديث العاري بين الأرمني والصبية، المرتبك يبقي دائماً علي الرصيف المحايد بجوار الفتاة، وعندما تستدير نحوه يتذرع بالنظر إلي ملصقات سينما رغدان الإباحية.
لا يعقل أن يكون نفسه، من يصغرني بعامين ـ وله أخت غير شقيقة عضضتها مرة في مؤخرتها، فعاقبتني أمي بأن أوثقتني في مخزن العتق ليلة كاملة مصغية لصراخي يختلط بنباح الكلاب ـأصغرنا وأكثرنا صمتاً، عندما التقط لنا السائح صورة تذكارية إذ اصطحبناه إلي المدرج الروماني، جلس مقرفصاً، مرخياً يده علي ركبته كإشارب أنثوي متهدل. فاقتربت منه وقاسمته سيجارة ميركوري كان يدخنها باستهتار.
لكنه ليس نفسه، ينال الذي اعتصرناه بيننا، ـ وقت اختبأنا، نحن الفتيات الخمس، وكنت أكثرهن بشاعة، في زقاق بين العطّار والفرن القديم، وقد ابتلت ملابسنا بالكامل فالتصقت التنانير بأجسادنا اليافعة، وتبادلنا نظرات ساكتة ثم انخرطنا في ضحك ماطر تحت شتوة أيلول التي بللت ذيل الصيف، فانتفض هارباً كقط بريّ ـرغم أنهن تحرشن بكامل أعضائه، لكني وحدي، حظيت بقبلة من فمه القرمزي الشركسي. ذلك أن نظرة قديمة ظلت بيننا.
وليس نفسه، السادن الذي استغفلته أميرة، ـ لها شكلي ومزاجي من حدة الطبع وفوبيا الغيم، والتطير من صدف البحر، لكنها في ذلك القرن الغابر صعدت المائة ألف درجة ووجدت نفسها في مكاني بيدين مذعورتين و باغة خالية تماماً للكلاشن الساخن المفرغ للتو بالخطأ ـالسادن كان قد مات معها طويلاً، صاعداً تلك السلالم خلفها، أمسك اليدين الهستيريتين ومسح الدماء بكمّه عن وجهها بهدوء.
أبداً، ليس نفسه، الوحي الذي جاء بعد المطر بقليل، ـ في شتاء ألف وتسعمائة وخمس وتسعين، اقتادتني أمي لتكويني عند الحجاب ـ قالت إن العلل تتكالب علي جسدي، وليس بي مرض سوي أنني أعلم ما لا يعلمون ـلم يكن ذا جناحين، غير أن عباءته زملتني تماماً، فغبت عن الخلق في ليلكيّ، صار موحشاً وقاتلاً كلما سدرت فيه، كأن روحاً شيطانية تسلمني إلي أخري.
كأن باطني مختزل في ظاهر الغيب الذي شاهدته في ما مضي، لكنه ليس نفسه. ہشاعرة من الاردن، وهذا جزء من نص طويل بعنوان الميت