العنف والعنصرية قد يعكران صفو المونديال

حجم الخط
0

العنف والعنصرية قد يعكران صفو المونديال

محمد مسعادالعنف والعنصرية قد يعكران صفو المونديال هز الاعتداء العنصري الذي تعرض له أحد المواطنين الألمان من أصول إفريقية في مدينة بوتسدام، الساحة السياسية في ألمانيا. وأعاد للأذهان صور التطرف اليميني والنقاش المصاحب له. فألمانيا التي تستعد لأكبر عرس رياضي في بداية شهر حزيران/يونيو القادم، شكل لها هذا الحادث العنصري مصدر قلق كبير سواء للطبقة السياسية الألمانية أو للجنة المنظمة لنهائيات المونديال. فالعيار الذي لا يصيب يدوش كما يقول إخواننا المصريون. خصوصا وأن شعار المونديال الأصدقاء ضيوفا عند ألمانيا شعار ترمي من خلاله ألمانيا أن تمر التظاهرة الرياضية في جو من الفرح حتي يتمتع الجميع بالفرجة بعيدا عن أجواء القلق والعنف اللذين غالبا ما يصاحبان هذا النوع من اللقاءات. والمرء لا يستطيع أن يجزم بتفاعلات هذه القضية لو وقعت مثلا أثناء التباري علي البلد الذي كان سيحظي بتنظيم النهائيات. فمنذ ذلك الأحد الذي كان يصادف أجواء الاحتفال بعيد الفصح والشرطة الألمانية قطعت علي نفسها عهدا بالعمل علي مدار الساعة من أجل طوي هذه القضية بأسرع وقت ممكن وتقديم الجناة للعدالة. بل أنه ربما لأول مرة في تاريخ تعامل السلطات الألمانية مع هذا النوع من الأحداث أن تكلفت النيابة العامة الفدرالية بمباشرة التحقيق في القضية، وخصصت مبلغ 5000 يورو لكل من يساعد في تقديم معلومات عن المعتدين بل رفعته إلي 15 ألف يورو. خصوصا وأن القضية عرفت تفاعلات كثيرة علي مستوي وسائل الإعلام الألمانية بمختلف مشاربها، التي أحيانا كانت لاذعة في توجيه النقد للسلطات جهويا وفدراليا. وحتي أقطاب المشهد السياسي سارعوا بدورهم إلي التنديد بالحادث ابتداء من المستشارة أنجيلا ميركل إلي عمدة المدينة. إن تفاعلات القضية خيمت مباشرة علي الاستعدادات الجارية لاحتضان المونديال، علي اعتبار أن الملاعب الرياضية هي إحدي المجالات التي ينشط فيها النازيون الجدد. مما دفع بإحدي الجمعيات الإفريقية بتهييئ دليل خاص بولاية براندنبورغ التي تضم مدنا كبوتسدام موقع الجريمة ، يبين المناطق والأماكن العامة التي يرتادها ناشطو التطرف اليميني ويحذر المهاجرين الاقتراب منها. جدير بالذكر أن ظاهرة الاعتداء العنصري في ألمانيا اشتدت وطأتها منذ توحيد شطري ألمانيا، خصوصا في الشطر الشرقي من البلاد حيث تسجل أكبر معدلات الاعتداءات، والتي وصلت حدتها في بداية التسعينات بحرق أحد ملاجئ طالبي اللجوء السياسي مما سبب وقتها في سقوط عدد من القتلي. واعتبر الحادث آنذاك بمثابة كارثة حلت بألمانيا الموحدة.لقد شهدت ظاهرة التطرف اليميني بألمانيا في الخمس سنوات الأخيرة انتعاشا ملحوظا، وذلك من خلال عدد من التظاهرات التي تجوب الشوارع وتصدر عدائها ضد المهاجرين. ولقد شعرت هذه الحركات بنوع من القوة خصوصا بدخول أحد مكوناتها الحزب الوطني الألماني لبرلمان ولاية ساكسن بشرق ألمانيا وهي الولاية الوحيدة في البلاد التي يحتضن برلمانها تمثيلية سياسية لهذا الحزب. لكن علي الرغم من أن بعض السياسيين في ألمانيا يحاولون إلصاق هذه الظاهرة بشرق ألمانيا بتبريرات من قبيل أنها مرتبطة بالوضع الاقتصادي هناك، حيث قلة فرص الشغل والارتفاع الكبير للبطالة. وعلي الرغم من ذلك فإن غرب ألمانيا هو الآخر لا يسلم من هذه الظاهرة. بل إن الأمر في نظري لا يتعلق بظروف اقتصادية بل بثقافة سياسية. إن ألمانيا لا تزال تشهد بين الفينة والأخري نقاشا سياسيا حول المهاجرين يدور بشكل مركزي علي نقطة مفادها هل ألمانيا بلد هجرة أم لا؟ فهذا البلد الذي توافد عليه عشرات الآلاف من العمال في بداية عقد الستينات والذي أطلق عليهم حينها مصطلح Gastarbeiter ويعني العمال الضيوف، هذا المصطلح يبين مدي تقبل الألمان للمهاجرين، فهم في نظرهم فقط مجرد ضيوف سيرحلون في يوم ما. هذا بالإضافة إلي الخطاب المسموم أحيانا من طرف الطبقة السياسية ووسائل الإعلام التي تغذي هذا الإحساس بأن الأجنبي هو ذلك الغريب عن عاداتنا وثقافتنا . إلا انه تجب الإشارة علي أن ألمانيا ومنذ عشر سنوات تقريبا تشهد نقاشا قويا حول هذه النقطة خصوصا بعد وصول التحالف السياسي بين الاشتراكيين والخضر لتسيير شؤون ألمانيا في خريف 1998 والذي يرجع له الفضل في إذابة الكثير من الجليد داخل المجتمع الألماني، وبدأنا نسمع مثلا مصطلحات جديدة من قبيل تنوع الثقافات، المجتمع المتعدد التقافات. بل كان لهم الفضل في إقرار قانون خاص بالمهاجرين دخل حيز التطبيق في يناير 2005 والذي يعتبر إطارا قانونيا ينظم الهجرة إلي ألمانيا والاستقرار بها. ويشكل هذا القانون رغم بعض الهفوات أحد أهم الخطوات للاعتراف بالحقوق الثقافية والدينية للمهاجرين، وتسهيل إجراءات التجنيس. إن محاولات اليمين المتطرف لفرض نفسه في الساحة السياسية الألمانية متعددة الأشكال، إلا أنها أحيانا تكون مناقضة للتوجه الشوفيني الذي تنبني عليه أدبياتهم الإيديولوجية، علي سبيل المثال معارضتهم الشديدة للوحدة الأوروبية ومع ذلك يشاركون في استحقاقاتها الانتخابية. ومؤخرا وجه أحد أقطابه رسالة إلي نظرائه في بعض دول أوروبا الشرقية من أجل استضافتهم إبان المونديال، أحيانا يستعصي علي فهم هذا المنطق. غير أن ما أثار انتباهي هو عزم الحزب الوطني الألماني المعادي للمهاجرين توجيه تحية خاصة للمنتخب الإيراني لكرة القدم إبان نهائيات المونديال. والكل هنا في ألمانيا ينتظر شكل هذه الالتفاتة. طبعا خلفية التحية معروفة لكن الذي يثير الاستفزاز فعلا هو صمت السفارة الإيرانية عن هذا الود المسموم. وهنا أفتح قوسا حول بعض سلوكات المهاجرين، ـ وأقول بعض المهاجرين ـ . نعم كلنا مع حل عادل لعدد من النزاعات في بقاع شتي من الأرض، لكن هذا لا يجب أن يسقطنا في أي تقاطع كيف ما كان شكله مع النزعة التطرفية والعنصرية لهذه الجماعات. بل إن ما يثير الغضب أحيانا هو أن تري بعض المنخرطين في هذه التنظيمات من أصول مهاجرة. من حق الجميع أن يبحث له عن موقع قدم ووضع اعتباري لكن هناك حدودا تجعل الطموح الشخصي في مأمن عن السقوط في شباك التطرف والعنصرية. لا ريب أن الخطاب التطرفي يجد له مكانا داخل الأوساط التي لم تنل حظا وافرا من التعليم، لكن حتي الأحزاب اليمينية المحافظة هي الأخري ـ وإن كنت لا أضعها في نفس الخندق مع الحركات التطرفية ـ تغذي هذا الإحساس لدي عامة الناس بالتبرير أحيانا كقولهم مثلا أن حالات الاعتداء العنصري هي حالات فردية، وأنها لا تشكل تهديدا للنظام السياسي. لكنهم يتناسون أن هذه الأحداث تهدد السلم الاجتماعي داخل المجتمع حسب رأي الخبير الألماني برند فاغنر المختص في شؤون حركات التطرف اليميني. إضافة إلي هذا نجد أن الطبقة السياسية الألمانية خصوصا المحافظة منها تلعب أحيانا بمشاعر المواطنين لأهداف انتخابية كحديثها مثلا عن الصفاء الثقافي أو الثقافة الأصل وهو اقتراح مني لترجمة كلمة Leitkultur التي أطلقها مارتس أحد زعماء الحزب المسيحي الديمقراطي بألمانيا. هذا بالإضافة إلي تبني هذا الحزب لدليل الأسئلة الذي طبقته إحدي الولايات وتنوي أيضا ولايات أخري اعتماده وذلك من أجل إختبار قدرات المهاجرين الذين يودون الحصول علي الجنسية الألمانية، وهي أسئلة تتراوح بين 30 و100 سؤال تدور حول تاريخ ألمانيا وفلاسفتها ووجغرافيتها التي أشك شخصيا في إمكانية معرفة فئات عديدة من المواطنين الألمان بها. ونفس الشيء ينطبق علي عدد من المهاجرين الذين ما أن يحصلوا علي الجنسية الألمانية حتي يصوتوا للأحزاب اليمينية فقط لأنها أحزاب محافظة، كما وقع قبل حوالي ست سنوات في ولاية هيسن الألمانية حينما منح عدد كبير من أفراد الجاليات المسلمة أصواتهم للحزب المسيحي الديمقراطي وزعيمه رولاند كوخ ـ الذي لا يترك فرصة تفوت دون أن يربط عدد من المشاكل في ألمانيا بالمهاجرين ـ فقط لأنه وعدهم بتدريس الإسلام في المدارس الألمانية، التي هي أصلا كانت نقط مدرجة في تحالف اليسار الذي كان يحكم هذه الولاية بقيادة زعيم الخضر وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، لكن بدلا من تنفيذ وعده قام بالغاء دروس العربية وقلص من الميزانية المخصصة للاندماج والمهاجرين في هذه الولاية، التي كانت تعد بحق أحد أهم الولايات الألمانية التي اهتمت بقضايا المهاجرين.ہ كاتب من المغرب يقيم في المانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية