القص المغربي الجديد وسؤال الإبداع..
وفاء مليحالقص المغربي الجديد وسؤال الإبداع..القصة القصيرة. المرأة الطفلة الصغيرة الحجم التي تشبهني حد التماهي. الخجولة. الجريئة. القلقة. المراوغة. المشاكسة. المزاجية. المشاغبة. المستفزة والمستفزة. لهذا أجدني مشدودة إليها قراءة وكتابة.تلك الطفلة التي تختزل. تكثف. توجز. تضمر ولا تظهر. أنظر إليها فأجدها في حالاتها. هاته المرأة الطفلة. الآسرة. الفاتنة. تمارس علي غوايتها فأنجذب إليها مفتونة بسحرها. ألتهم ما بين سطورها. وهي إذ تجدني مشدودة إلي فتنتها تصر علي ممارسة غوايتها. تصر علي لعبة التمنع. تنثر أمام عيني ذرات غبار السؤال والقلق فاتحة بابي للتأمل أمام غموضها الملتبس.كيف أنظر إلي القصة المغربية الآن؟ لكي أكون صريحة مع نفسي ومع الآخر لا أعرف جوابا أكيدا علي سؤالي هذا..لكن ما أعرفه وما أنا متأكدة منه هو أن القصة المغربية فتحت أبوابا للنقاش. حركت أقلاما عديدة حراكا ونشاطا لم يعرفهما المشهد الأدبي من قبل. السؤال الذي يطرح هو لماذا عرفت القصة القصيرة هذا النشاط في السنوات الأخيرة رغم أنها جنس حديث النشأة مقارنة بالشعر والرواية، ونظمت لها ندوات وملتقيات خاصة وتأسست لها جمعيات تشتغل علي قضاياها وتتبني نشر إنتاجات أعضائها؟….. القصة القصيرة كما نعلم جنس أدبي قادر علي التكيف مع الإيقاع السريع لنمط الحياة المعاصرة. سهلة النشر بحكم حجمها الصغير في الجرائد والمجلات والإنترنت. تعددت طرائق كتابتها والتيمات التي تطرقت إليها…رغم هذا التعدد يصعب تحديد ملامح واضحة لتيار أدبي يؤطر جنس القصة وما يمكن أن نلمسه في المشهد الأدبي هو تجاذب التيارات التي تبقي مفتوحة وبدون اكتمال لأنها مرصودة لتحولات أخري تشكل ملامحها الجديدة الشيء الذي تأتي به دراسات نقدية للمجاميع القصصية التي تتناسل في الإنتاج أو ندوات تخصص لهذه الدراسة. ينبغي أن أسجل هنا غياب نقد جاد ومسؤول في مواكبة إنتاجات الأدباء الشباب إلا في حالات قليلة.ظهرت جمعيات ثقافية تشتغل علي القصة القصيرة وظهرت معها نواد للتجريب القصصي، مما جعل القصة المغربية تمتلك هويتها سواء أكانت مكتملة الملامح أم لا المهم أنها نفضت عنها تبعيتها إلي وقت قريب للأدب المشرقي. تبع ذلك خلق صدي للمنتوج القصصي داخل المغرب وبفرص قليلة خارجه لمحدودية توزيع الإنتاج الوطني وضعف التبادل الثقافي بين المغرب والبلدان العربية والأجنبية ثم غياب ترجمة القصة بالمقارنة مع غيرها من الأجناس الأخري كالشعر والرواية. تقصير تتحمل مسؤوليته المؤسسات الثقافية داخل بلادنا غير القادرة علي وضع خطط استراتيجية متوسطة أو بعيدة المدي من أجل تسويق المنتوج المغربي خارج الحدود. ورغم أن الشبكة العنكبوتية تقدم خدمات كثيرة من أجل سرعة النشر إلا أنني أجد أن لها نواقص لا تخدم الإبداع والمجال الآن لا يتسع لذكر التفاصيل.المتتبع للمشهد القصصي والأدبي يلاحظ أن الجمعيات التي تأسست لتشتغل علي القصة وتحولاتها تتبادل فيما بينها الانتقادات وأن الكتاب الجدد تسلحوا بثقافة الهدم ورفض الآخر. كل قاص ينتمي إلي جماعة يصدر أحكاما بالسلب علي ما ينتجه أعضاء جماعة أخري. وغالبا ما تكون الأحكام متسرعة تصدر في لحظات انفعال وانفلات غير مبنية علي نقد متزن ومتأن. الأحكام تحكمها فقط أهواء مزاجية الشيء الذي لا يخدم المشهد القصصي ويدفع إلي التعصب غير المجدي في الآراء. خلافات أعضاء نفس الجمعية تؤدي غالبا إلي إخماد حماس العمل الجمعوي. هذا ما يفسر انطفاء جماعة وخلق أخري.تعددت تقنيات وأساليب كتابة القصة فظهر التجريب وتمادي أحيانا إلي حد الغلو. تخلت القصة عن كثير من مقوماتها وأبرزها عمودها الفقري وهو الحكاية. كثيرا ما أجدني لا أنسجم مع تجاربها. فكانت بعضها تشوش أكثر مما تبني. كثرت البيانات في التجريب. إلا أني أنظر إلي هذا الغني والاختلاف من زاوية إيجابية تضفي حرارة النقاش والحوار وتحرك المشهد القصصي المغربي وتدفع بجنس القصة إلي أن يكون من أكثر الأجناس إنصاتا لنبض واقع المجتمع المغربي وتفاعلا معه ومع إرهاصات التغيير والتحولات العميقة في صيرورة المجتمع والعالم سواء من حيث نمط التفكير أو انهيار قيم وظهور قيم أخري جديدة.. الفترة الراهنة أشد ما تكون حاجة إلي سؤال الثقافة والإبداع. لذا أعتبر جنس القصة القصيرة أكثر التقاطا لنبض المعيش اليومي وأكثر احتواء للقضايا الساخنة. نحن لسنا معنيين بإصدار بيانات بل نحن معنيون أكثر بالإنتاج علي اختلاف مشاربه وتياراته. إنتاج فيه من غور الرؤية وتطويع اللغة ما يمثل الواقع علي مستوياته النفسية والاجتماعية. يترجم فاعلية الكاتب وانخراطه في قضايا الإنسان رغم بعده عن دوائر القرار السياسي والاجتماعي. يوثق تواصله مع محيطه ويزكي وضعه الاعتباري. أظن أن القصة المغربية الجديدة تسير نحو بلورة رؤي متميزة ومتفردة تثري الأدب المغربي والعربي الحديث.الورشات الإبداعية والندوات التي نظمت لمناقشة قضايا القصة حفزت بدون شك بعض الجهات لتبني نشر بعض الإنتاجات التي تهتم بالقصة من دراسات نقدية. قراءات عاشقة وبيبليوغرافيا.أما القصة المغربية التي يكتبها القلم النسائي فما شهدته الفترة الأخيرة من إصدارات لمجاميع قصصية لأقلام نسائية كسر الهيمنة الذكورية وحقق تراكما كميا ونوعيا. من حيث عدد المجاميع ومن حيث التيمات التي تناولتها هذه القصص التي تنحو منحي تذويت الكتابة كما يسمي ذلك الناقد محمد برادة حيث يقدم الخطاب القصصي الأشياء والعوالم من منظور ذاتي تتداخل فيه لغة الذات مع لغة المؤسسات ويظهر التذويت علي مستويات: توظيف ضمير المتكلم وتبني لغة الجسد والاحتفاء به.توظيف ضمير المتكلم رغم ما يخلقه في ذهن القارئ المتلقي من وهم قراءة السيرة الذاتية إلا أن القاصة استطاعت أن تخترق جدار طابوهات المجتمع بضمير الأنا لتشكل وعيا جديدا لدي المتلقي عن كتابة المرأة وتصحح مفاهيمه القاصرة الخاطئة عن ما يكتبه القلم النسائي وعن الإبداع عموما.تحدثت القاصة المغربية في المتن القصصي عن الحب واحتفت بالجسد الأنثوي إيقاعا وتصويرا. نهجت الكتابة بالجسد أو ما نعته النقاد بالاستربتيز الأدبي لتغلف جسدها برداء يمحو كل أثر للفعل الشهوي، لتستعيد تحررها عبر منح جسد النص سلطته ولذته الشبقية، لتعلن بذلك عن حضور المرأة كساردة وكشخصية لها دورها فيما تبدع.نحتاج نحن أبناء هذا الوطن، أبناء هذه الرقعة الجغرافية، رقعة الحضارة، رقعة التاريخ، رقعة الأزمات والمشاكل الاجتماعية، رقعة التناقضات، إلي قصص لا توغل في القوالب الحداثية الغربية التي كثيرا ما تفرغ الكتابة من المعني. قصص تستمد ملامحها من المحلية وتفتح آفاقها علي الكونية لكي تطرب خارج أسوار مدينتها. قصص تشكل خارطة سردية لمغرب قصصي وإبداعي يمحو اليأس واللايقين. يعيد الإيمان والثقة بالجدوي الأدبية. يفتح قنوات كونية في وجه القصة المغربية. فهل سيأتي زمن نكون فيه أكثر وعيا وقبولا لاختلافنا؟ ويكون هذا الاختلاف هو المحرك الرئيسي لدينامية الإبداع؟؟…. كاتبة من المغرب0