إدوارد سعيد في الميزان
د. سامي الصقارإدوارد سعيد في الميزانلسوء الحظ فاتني الاطلاع علي عزيزتنا القدس العربي الصادرة يوم 3/4/2006، وعلي المقال القيم المنشور فيها بقلم الناقد القدير الاستاذ ابراهيم درويش، ولذلك جاء تعليقي عليه متأخرا بعض الوقت. ولكن ذكر الحقيقة لا يضيره التأخير، لأن طلب الحقيقة هو هدف سرمدي في الزمان والمكان.اما المقال المشار اليه فهو بعنوان محاولة لتجريد ادوارد سعيد من ارثه الثقافي ـ في تشف ونزعة انتقامية) الذي تناول فيه الاستاذ درويش ردة الفعل السيئة والظالمة التي احدثها صدور كتاب (الاستشراق) لفقيدنا العزيز الدكتور ادوارد سعيد، وفيه فضح جهل الكثير من المستشرقين بالنسبة لاحوال الشرق العربي والاسلامي بالذات، وبتحاملهم علي تاريخ العرب والمسلمين وعقائدهم، وانكارهم فضل العرب علي اوروبا في نهضتها بعد ظلام القرون الوسطي، علاوة علي انخراط عدد من المستشرقين في خدمة الاهداف الاستعمارية لحكومات بلادهم.والذي دفع الاستاذ درويش لتحرير مقاله هذا، هو نشر كتاب بعنوان شهوة للمعرفة: المستشرقون واعداؤهم تأليف روبرت اروين الذي تركز علي نقد كتاب (الاستشراق) آنف الذكر. فعمد الاستاذ درويش الي تحليل مزاعم إروين وفندها بدقة، ووصفها بالخروج عن الموضوعية. ثم فضح دوافعه للتهجم علي ذلك الكتاب القيم، واهمها كون الكتاب معادياً للصهيونية، ويفضح دور المستشرقين في ضياع فلسطين، ثم ان إدوارد سعيد (وهو النصراني) قد تصدي للدفاع عن الاسلام. وانا كاتب هذه السطور اذكر معلومة اخري، هي ان سعيد قد خصص كتابا بكامله للتعريف بالاسلام سماه (تغطية الاسلام) المنشور سنة 1997 في نيويورك في سلسلة تسمي Vintage Books، الأمر الذي يثير الحاقدين علي الاسلام.ومن مزاعم اروين هذا، انه ختم كتابه المذكور بما سماه (الكذبة الكبيرة) التي عاش فيها ادوارد سعيد (حسب زعمه)، وهي اقناعه لقرائه بكونه الفلسطيني المهاجر. وفي ذلك اشارة الي حملة شنها علي سعيد كاتب يهودي (هو الصهيوني برنارد لويس ـ احد مستشرقي هذا الزمان) الذي قال في مقالة له نشرت سنة 1999، بأن ادوارد سعيد ليس مقدسيا وانه عاش حياته كلها في القاهرة!! وانا بصراحة لا افهم المقصود بهذه التهمة، فهل عيش المرء في بلد غير البلد الذي ولد فيه، وولد فيه آباؤه واجداده، اقول: هل ذلك يجرده من حق الانتماء الي وطنه الاصلي؟!! ولو صحت هذه المقولة فان جميع اليهود الذين اغتصبوا فلسطين، لا يملكون ذرة واحدة من حق الادعاء بأن فلسطين هي وطنهم!! وهو حق يدعيه كل من هب ودب من جانب اناس لا صلة لهم بفلسطين، لا هم ولا أجدادهم منذ آلاف السنين.لا شك ان برنارد لويس وهو الصهيوني الملتزم، قد نفث سمومه في بلده بريطانيا لعشرات السنين، عن طريق التدريس في جامعاتها ونشر المقالات، ولكنه في النهاية رآها لا تحقق له جميع اهدافه الصهيونية، فتحول الي ميدان اوسع هو ميدان الأم الحنون، الولايات المتحدة، ليكمل ما نذر نفسه لتحقيقه، فاستمر في بث سمومه في معاداة العرب والمسلمين، فتصدي له ادوارد سعيد وقارعه بالحجة والبرهان، مما فضح جهله وسوء مقاصده. وعلي اي حال فان سعيد المفكر الكبير لم يُخف تفاصيل حياته سواء في فلسطين ام القاهرة ام الولايات المتحدة. وقد فات علي اروين او تجاهل ـ ان سعيد قد خصص كتاب (سيرته الذاتية) المنشور باللغة الانكليزية لرواية تفاصيل حياته بكل صراحة، صغيرها وكبيرها وهو بعنوان: Edward W. Said – Out of Place الذي نشر في لندن سنة 1999 . وقد خصص شطرا منه لقصة حياته في القاهرة، حيث كان لوالده فيها مؤسسة تجارية اصلها في القدس وفرعها في القاهرة، ثم تحولت الي شركة تسمي شركة (ستاندرد) للقرطاسية (ص 11 من الكتاب) وهي تتعاطي استيراد المواد المكتبية كالقرطاسية وآلات النسخ والاقلام وأثاث المكاتب المستوردة، بصفته وكيلا لعدد من الشركات الاميركية، لمنطقة الشرق الاوسط ومنها شركة ستاندرد للآلات الكاتبة شأنه شأن كثير من ابناء فلسطين وغيرهم من الناس، ممن تضيق بهم سبل العيش في اوطانهم الاصلية، فيطلبون الرزق في شتي اقطار العالم. هذا وقد تضمن الكتاب بكل وضوح، ولادة ادوارد في القدس سنة 1935، وانه غادرها سنة 1947، وترك وراءه اقارب كثيرين في الناصرة والقدس وصفد والذين استمروا يعيشون في تلك المدن حتي بعد الاحتلال الصيوني (ص 14 ـ 15 من مقدمة الكتاب). وهنا ألا يحق لنا التساؤل عما اذا كانت مغادرته لفلسطين تحدُّ من حق الانتماء اليها؟! خاصة وقد انتمي اليها كل من هب ودب من الشعوب بحجج تافهة، وبزعم ان اجدادهم (المزعومين ايضا) قد سكنوا فلسطين قبل الفي عام!!والآن يهمني جدا ان اؤكد للقارئ بأنني لا اريد ان اظلم جميع المستشرقين، وانكر عليهم بعض الخدمات التي قدمها فريق منهم لتراثنا العربي والاسلامي، حتي انني عندما توليت تدريس (تاريخ الاستشراق) لطلبة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة الملك سعود لمدة طويلة، حرصت علي تحري الجوانب الايجابية في الاستشراق البريطاني، ونشرتها في مقال طويلة في مجلة تلك الكلية رغم عدم ارتياح هيئة تحريرها. وتأكيدا لما ذكرت اغتنم هذه الفرصة لكي اذكر بعض المستشرقين الذين قدموا خدمات لا يمكن نكرانها، سواء اكانوا من الاصدقاء ام الخصوم، وابدأهم بذكر (مر ماديك بكثول) الذي تولي ترجمة معاني القرآن الكريم الي اللغة الانكليزية، ترجمة لم يجد احد اي مأخذ عليها، ولذلك بادرت دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد (الهند) بنشرها سنة 1935. وبكثول هذا ـ رغم كونه ابنا لقس بروتستانتي ـ فانه اعتنق الاسلام سنة 1917 وسمي نفسه (محمد)، وانضم الي الدائرة العثمانية آنفة الذكر، وتولي تحرير مجلتها المسماة (الثقافة الاسلامية) حتي وفاته سنة 1936 (انظر دائرة المعارف الاسلامية باللغة الانكليزية ـ طبعة لايدن).ومن هؤلاء المستشرقين آرثر جون آربري المتوفي سنة 1969 الذي تولي رئاسة قسم الدراسات القديمة في جامعة القاهرة، كما تولي رئاسة قسم الدراسات العربية والاسلامية في جامعة كمبردج. وقد قام بترجمة معاني القرآن الكريم هو الآخر، وترجمته ـ علي قدر علمي ـ لا غبار عليها، حسبما اكد لي احد متخرجي الأزهر الحاصل علي دكتوراه من جامعة كمبردج البريطانية. ومن أهم منجزاته تأسيس معهد الشرق الاوسط في جامعته، وجمعه للمخطوطات العربية في مكتبة شيستر بيتي في دبلن (ايرلندا) وفهرستها في ثمانية مجلدات (ترجم له الزركلي في الاعلام). وقد دأب علي مساعدة الطلبة العرب والمسلمين في دخول الجامعة، وحثهم علي احياء التراث الاسلامي بتحقيق مخطوطاته لحمايتها من الضياع وتقديمها الي العالم كدليل علي انجازات المسلمين.وهناك ميخائيل يوحنا دي غويه الهولندي المتوفي سنة 1909، الذي حقق نفائس الكتب العربية ونشرها، ومنها تاريخ الطبري (في 18 مجلدا) وكتب الجغرافيا العربية (في 7 مجلدات) وكتاب (فتوح البلدان) للبلاذري (انظر اعلام الزركلي). وهناك مستشرق هولندي آخر هو (ارند جان فنسنك) المتوفي سنة 1934، استاذ اللغة العربية في جامعة لايدن الذي اهتم بالحديث النبوي الشريف، فانكب علي فهرسة الالفاظ الواردة في 14 مجموعة من مجموعات (الصحاح) وقام بترتيبها ابجديا في معجم ضخم يسر للدارسين امر العثور علي الاحاديث التي تهمهم. وهذه خدمة لا تقدر بثمن. (ترجم له الزركلي ايضا).وبين المستشرقين البريطانيين المستشرق ادوارد لين المتوفي سنة 1876 الذي قضي في مصر 14 عاماً من أجل تصنيف معجم للغة العربية ومعانيها باللغة الانكليزية، وقع في عدد كبير من المجلدات، ويعتبره (آربري) آنف الذكر، اكبر خدمة قدمها اوروبي للغة العربية (انظر ترجمة حياته في اعلام الزركلي). ومن المستشرقين اصحاب الفضل، الالماني كارل بروكلمان المتوفي سنة 1948 الذي صنف معجماً سماه (تاريخ آداب اللغة العربية)، جمع فيه العلوم التي عرفها العرب وصنفوا فيها، وذكر تلك المصنفات واماكن وجود مخطوطاتها، وما نشر منها. طبع لأول مرة سنة 1898، وكان يراجعه بين حين وآخر فيضيف اليه. وقد ترجم هذا الكتاب الاستاذ عبد الحليم النجار ونشرته الجامعة العربية (انظر مقدمة طبعة هذا الكتاب). ثم لا يفوتني ذكر مستشرق روسي خدم علم الجغرافية عند العرب هو (اغناطوس كراتشكوفسكي) المتوفي سنة 1951، الذي تتبع المؤلفات الجغرافية العربية ايام الازدهار، وجمعها في كتاب سماه (تاريخ الأدب الغرافي العربي)، وقد ترجم الكتاب الي العربية في جزأين كبيرين. هؤلاء مجموعة من المستشرقين الذين قدموا خدمات قيمة، من واجبنا الاعتراف بها، وتسجيل امتناننا لاصحابها. وارجو ان لا يظن القارئ بأن هؤلاء وحدهم فقط ممن خدم تراثنا، وانما هؤلاء هم الذين علقت اسماؤهم في ذاكرتي المتعبة. ولكن قفز الي ذهني اسم المستشرق الامريكي فان دايك الذي كان استاذا في جامعة بيروت الامريكية في اوائل القرن العشرين لكنه استقال احتجاجاً علي قرار الجامعة باتخاذ اللغة الانكليزية لغة للتدريس، اذ كان يري بان الخدمة الصحيحة للعرب هي في تدريسهم بلغتهم القومية.دبلوماسي عراقي سابق0