شروط الاقلاع الاقتصادي .. عِبَرٌ من التاريخ
ادريس الكراوي شروط الاقلاع الاقتصادي .. عِبَرٌ من التاريخ أثار التقرير الاخير للبنك الدولي حول المغرب نقاشا أفضي الي خلاصة مفادها أن الاقلاع الاقتصادي يعتريه لغز حقيقي. اذ رغم الاصلاحات الهيكلية التي أنجزت منذ منتصف الثمانينات والتي أدت الي تحقيق التوازنات الماكرو اقتصادية الكبري، لا زال النمو لم يصل بعد الي مستويات تسمح باحتواء البطالة وبمحاربة الفقر. ومرد هذا الواقع حسب البنك الدولي الي الخلل الذي تعرفه أربعة مكونات رئيسية للاقتصاد المغربي: سوق الصرف وسوق الشغل والنظام الضريبي ومنظومة التربية والتكوين. وانها لمناسبة سانحة ليس للرجوع الي مناقشة مضمون ونتائج هذا التقرير التي كتب وقيل عنها الكثير، بل للتساؤل حول الشروط العميقة للاقلاع الاقتصادي، وهذا علي ضوء تجارب دول، كدول جنوب شرق آسيا وتركيا واسبانيا والمكسيك والبرازيل، التي عادة ما تجري مقارنة حالة بلادنا بنموذجها التنموي. وبالفعل فان تجربة هذه الدول توحي بأربع عبر رئيسية تشكل كلها شروطا موضوعية كانت وراء الاقلاع الاقتصادي الذي شهدته هذه الدول. وتتلخص هذه العبر في الاسئلة التالية:ـ كيف استطاعت هذه الدول تثمين ميزات نموها المتأخر؟ـ كيف تمكنت من تحويل الفوارق الاجتماعية والمجالية التي كانت تميزها الي فوارق منتجة؟ـ ما هو الدور الذي لعبه الجانب المؤسساتي في تقوية الاسس الداخلية لنموذجها التنموي؟ـ ثم أخيرا، كيف استثمرت هذه الدول عامل القرب الجغرافي من القاطرات الاساسية للنمو في العالم (أوروبا بالنسبة لاسبانيا وتركيا، اليابان بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا، وأمريكا الشمالية بالنسبة للمكسيك والبرازيل) وصيرته في خدمة استراتيجية وطنية ذكية وتدبير متحـــكم فيه للانفتاح علي الاسواق الخارجية وعلي العالم بصفة عامة؟ وترتبط هذه الاسئلة بأربعة جوانب للعملية التنموية: الاول اقتصادي والثاني ثقافي والثالث سياسي والرابع جيواستراتيجي.1 ـ العنصر الاقتصادي: ان تقييم النموذج التنموي لدول جنوب شرق آسيا واسبانيا وتركيا والمكسيك والبرازيل يظهر عنصرا أساسيا لعب دورا حاسما في تثمين ناجع وذكي لميزات النمو المتأخر بهذه الدول ألا وهو الوطنية الاقتصادية. ولقد تجلت هذه الظاهرة في الوعي المبكر لدي الدولة والنخب الاقتصادية بضرورة تقوية السوق الداخلية لهذه البلدان وبحتمية بناء أسس متينة للاقتصاد الوطني كقاعدة أولية ومدخل رئيسي لكل استراتيجية تتوخي اكتساحا دائما للأسواق الخارجية. وبناء عليه، فان هذه الدول أرست تصنيعها علي أساس سياسة وطنية للاصلاح الزراعي وللتحديث الفلاحي ولانعاش الانشطة غير الفلاحية في الوسط القروي. ولقد أدت هذه السياسة من جهة الي تحقيق نسب مهمة للاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الضرورية للاستهلاك الداخلي ومن جهة أخري الي توفير موارد مالية ساهمت في دعم المجهود الوطني في مجال التصنيع. وفضلا عن هذا، فان الدولة لعبت دورا مركزيا في تمويل المسلسل التنموي، في دعم البنيات الاساسية ذات الطابع الاقتصادي وكذا في ميدان التكوين المهني. كما أن النخبة الاقتصادية الوطنية ساهمت بشكل كبير في تأهيل اليد العاملة المتخصصة وفي تطوير البحث العلمي والتكنولوجي المرتبط بالانتاج. مما سمح للنسيج الاقتصادي الوطني باستيعاب التكنولوجيات المستوردة من خلال العمل علي التحكم في ميكانزماتها الداخلية. وهذا ما ساعد المقاولات الوطنية ومن خلالها الاقتصاد الوطني، ليس فقط علي تدجين التكنولوجيات الاجنبية، ولكن كذلك وخاصة علي الانتاج المستقل للعلوم والتكنولوجيات، مما أدي الي تقوية تنافسيتها داخل السوق العالمية. وان هذا الدور الريادي الذي لعبته النخبة الاقتصادية الوطنية يظهر الدرجة العالية لوعيها التاريخي. ولقد تمت ترجمة هذا الوعي عبر توجيه المجهود الاستثماري صوب القطاعات المنتجة التي تتطلب نسبا عالية من المخاطرة بعيدا عن كل سلوك يربط الاستثمار بتواجد أسواق بمقتضي تدابير حمائية أو بتواجد اتفاقيات ثنائية أو متعددة الاطراف.2 ـ العنصر الثقافي: ان هذا العنصر يوجد في صلب نجاح دول جنوب شرق آسيا وكذا اسبانيا وتركيا والمكسيك والبرازيل في تحويل الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تميزها الي فوارق منتجة. ويتجلي هذا البعد في الارتقاء بالعمل الي قيمة أساسية لانتاج الثروات والرقي الاجتماعي، في جعله الدعامة المثلي للنجاح المادي للافراد والجماعات، في الاحتكام الي عقلانية الاستحقاق والأهلية والي قواعد المنافسة النزيهة، كمعايير للتميز الاجتماعي وفي اضفاء طابع جوهري علي التربية والتكوين في مسلسل التدرج الاجتماعي. وهذا ما تطلب من حكومات هذه الدول ومقاولاتها وكل المؤسسات المهيكلة لاقتصادياتها ومجتمعاتها محاربة السلوكات المبنية علي منطق الامتيازات والاحتكار والقرابة والزبونية وكل أشكال الريع الاجتماعي والحقوق المضمونة، مما مكنها من تفجير الطاقات الخلاقة لمجتمعاتها وخلق مناخ نفسي عام ووعي جماعي شجع علي المبادرة والخلق والابداع محولا بهذا الفوارق الاجتماعية والمجالية الي فوارق مرحلية منتجة.3 ـ العنصر السياسي: رغم ان الاقلاع الاقتصادي في دول جنوب شرق آسيا مر في ظروف لا انسانية وفوق انسانية احيانا للاستغلال، فان الوطنية الاقتصادية وعقلانية الاستحقاق كان لهما أثر جد هام علي المستوي المؤسسي داخل هذه الدول، ذلك أن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الاساسية استفادت من توافق مؤسسي واسع ومن دعم ارادي من طرف النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية. واذا كان هذا التوافق قد لعب دورا حاسما في نجاح النموذج التنموي بهذه الدول، فانه جعل من التأسيس للمجتمع الديمقراطي واجهة جديدة لضمان ديمومة الاقلاع الاقتصادي. مما يعطي لهذه الاشكالية اليوم بعدا جوهريا يتجلي في كون الديموقراطية أصبحت مدخلا لا مندوحة عنه في تحقيق التنمية البشرية المستدامة.4 ـ العنصر الجيو استراتيجي: عكس ما حدث في اسبانيا وتركيا والمكسيك، والبرازيل، وجنوب شرق آسيا، لم يؤثر القرب الجغرافي من القاطرة الاوروبية علي مستوي النمو بدول المغرب العربي وبالقارة الافريقية بصفة عامة. هذا الواقع له ما يبرره من زاوية أساسية لا يمكن ان نختزلها في الجانب المرتبط بتباين المقومات الحضارية وعلي رأسها المعطي الديني. كما ذهب الكثير من المحللين الي الاستدلال به في هذا الباب. فحالة دول كماليزيا وأندونيسيا، التي تقطنها ساكنة غالبيتها مسلمة، توضح بما لا يدع مجالا للشك، بأن الاستثمار الذكي لقربها الجغرافي من القاطرات الرئيسية للنمو ألا وهي اليابان، ومن خلالها القاطرة الامريكية، كان وليدا أساسا لتواجد مشروع تنموي وطني أفرز فكرا سياسيا واستراتيجيا مستقلا والي انتاج داخلي للعلوم والتكنولوجيا قوامهما تثمين ناجع للنبوغ الوطني وتوحيد كل مكونات الاقتصاد والمجتمع حول هدف جوهري ألا وهو جعل القرب والانفتاح في خدمة المشروع التنموي الوطني. وبناء عليه، فان تجربة هذه الدول تبين أن الاندماج داخل النظام الاقتصادي العالمي والتخصص المطلق حسب حاجيات السوق الخارجية والانفتاح غير المتحكم فيه علي الآخر، لا تسمح بالرفع من الفعالية العامة للاقتصادات الوطنية اذا لم تدرج سياسات الادماج والتخصص والانفتاح ضمن هذا التوجه الضروري.ففي هذا البعد الجيو استراتيجي تكمن الشروط المستقبلية للاقلاع الاقتصادي الحقيقي. والمغرب بصدد التأسيس لنموذج تنموي ومجتمعي مبني علي مفهوم جديد لتدبير شؤونه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحضارية والثقافية والدينية، وكذا في مجال علاقاته الخارجية وبصدد بلورة فكر استراتيجي وطني بدأت معالمه تتجسد وتتقوي تدريجيا، فان هذه العبر من التاريخ تبدو ذات أهمية قصوي علي هذا النحو. ہ باحث اقتصادي من المغرب8