لماذا صمدت إيران وتراجعت الحكومات العربية؟

حجم الخط
0

لماذا صمدت إيران وتراجعت الحكومات العربية؟

د . يوسف نور عوضلماذا صمدت إيران وتراجعت الحكومات العربية؟ أود أن أتوقف عند مجموعة من الأخبار كانت مثار اهتمام في الساحة العربية. والخبر الأول هو قرار الحكومة الأمريكية رفع اسم ليبيا من قائمة الإرهاب والاستعداد لاستئناف علاقات دبلوماسية طبيعية معها، الحكومة الأمريكية قالت في حيثيات القرار أن ليبيا أبدت تعاونا كاملا مع الإدارة في واشنطن وأنها تقف مع الولايات المتحدة في جبهة واحدة ضد الإرهاب والذي يسمع أو يقرأ مثل هذا الكلام مطلوب منه أن يعترف في البداية أن الولايات المتحدة هي رأس الرمح في مقاومة الإرهاب العالمي وأنها لا تقوم بأي أعمال إرهابية في البلاد التي تخضع لسلطتها العسكرية، ومنها أفغانستان والعراق وأنها تؤيد كل الدول الجانحة للسلام وتقف في وجه الطغاة والأنظمة العسكرية، وكل تلك افتراءات لا محل لها من الإعراب لان المشكلة في ليبيا ليست محاربة الإرهاب أو التخلي عن البرنامج النووي بل إعطاء الشعب الليبي حقوقه المسلوبة منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما، ولا شك أن تهليل الحكومة الليبية أمر طبيعي لأن كل ما كانت تهدف إليه بعد سقوط الإتحاد السوفيتي هو أن تقيم علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة وهو أمر ظلت فترة طويلة غير قادرة عليه علي الرغم من التضحيات المالية والسياسية الكبيرة التي قدمتها للولايات المتحدة.والسؤال هو لماذا قررت الولايات المتحدة فجأة أن تطبع علاقاتها مع ليبيا؟ والإجابة هي أن الولايات المتحدة تجد نفسها في هذه المرحلة في حالة تراجع كبير بعد التحدي الذي واجهته من الحكومة الإيرانية، ذلك أن الحكومة الأمريكية كانت تتوقع بعد استيلائها علي العراق أن تخضع لها شعوب المنطقة وحكوماتها ولكن ذلك لم يحدث كما تريد، ذلك أن الذي خضع لها هو الحكومات ولم يكن ذلك لأنها تخشي علي شعوبها بل لأنها تخشي علي سلطتها في وقت تقف فيه معظم الشعوب العربية رافضة للهيمنة الأمريكية المصحوبة بهيمنة إسرائيلية.ولا شك أن إيران لعبت أوراق المواجهة مع الولايات المتحدة بذكاء كبير فهي تعلم أن واشنطن متورطة في العراق وفي أفغانستان وأنها غير قادرة علي فتح جبهة جديدة كما تعلم أن المواجهة العسكرية ستكلف الولايات المتحدة غاليا من حيث ارتفاع أسعار النفط وتكبد العالم الغربي كثيرا من الخسائر في هذا المجال وأدركت الولايات المتحدة أنها استنفدت كل أساليب التهديد لإيران ولم يعد أمامها سوي المواجهة وهي غير مستعدة في هذه المرحلة لمثل هذه المواجهة ولذلك غيرت لهجتها بسرعة البرق وبدأت في تقديم عروض جديدة لإيران من خلال الوساطة الأوروبية وكانت الولايات المتحدة تعلم أن تراجعها أمام إيران سيشجع عددا من الدول التي تصنفها واشنطن تحت مسمي الدول المارقة أو الخارجة علي سطوتها ، ولذلك بدأت واشنطن عملية تقديم الجزرة لبعض الدول وكان ذلك سبب القرار بإعادة العلاقات مع ليبيا وتشجيع مصر في اتجاه التوريث باستقبال جمال مبارك في البيت الأبيض لدعم مسألة خلافته لوالده ورأينا قبل فترة كيف أن الولايات المتحدة رمت بكل ثقلها في دارفور وهي الآن توجه الإنذارات لحركات التمرد لكي تشارك في مسيرة السلام في ذلك الإقليم، وليس ذلك من أجل التقرب إلي العرب بل من اجل القفز فوق أي تمرد يحدث لصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ولكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن هناك بركانا ينتظر الولايات المتحدة إذا تراخت سياساتها في المنطقة أو إذا أحس الجميع بضعفها لأن الحقيقة هي أن كثيرا من الحكومات العربية تريد لشعوبها أن تقتنع بأن الولايات المتحدة هي القادرة علي تحريك الأحداث في المنطقة ولدينا شواهد كثيرة علي ذلك فقد رأينا الأردن يتطوع باتهام حماس بأنها تعمل علي تهريب السلاح من إيران وسورية إلي الأردن بل ورأينا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يقول إنه يصدق الرواية الأردنية إلي أن تثبت حماس العكس ولم يكن ذلك مقبولا من الرئيس الفلسطيني الذي يعلم أن تلفيق المخابرات للأحداث والوقائع في العالم العربي شيء عادي وأن اتهامات الأردن تخضع للصواب والخطأ وما كان يجوز له أن يقطع باليقين أن حماس هي التي هربت السلاح للأردن، ومثل هذه المواقف التي تدعو إلي الريب صدرت من الجامعة العربية أيضا حيث تضاربت الآراء حول قدرة الجامعة العربية علي تحويل الأموال للفلسطينيين ولا يدري أحد لماذا لا تستطيع المؤسسات العربية أن تحول الأموال لهم، وإذا كانت هناك بعض البنوك في داخل الأراضي المحتلة لا تجرؤ علي تحويل تلك الأموال فيمكن لهذه الأموال أن تبقي في مصارف عربية خارج الأراضي المحتلة وتوفر غطاء لعملة جديدة يمكن للسلطة الفلسطينية أن تقوم بطباعتها لمعالجة موضوع المرتبات وغيرها من الاحتياجات الفلسطينية العاجلة.وهنا لا بد أن نتساءل لماذا نجد دول أمريكا اللاتينية قادرة علي تحدي الولايات المتحدة بينما تعجز الدول العربية عن ذلك بل وتقدم التنازلات المجانية لواشنطن وهي تنازلات لا تستفيد منها سوي دولة الكيان الصهيوني.والإجابة علي ذلك هي أنه لم تعد هناك حكومات عربية تهتم بمصالح شعوبها ذلك أن العالم العربي تسيطر عليه مجموعات من النخب لا تربط مصالحها بمصالح الوطن؛ فهناك في كثير من البلدان العربية محاكم أمن دولة لا تعني شيئا سوي أمن النظام، وهي تستخدم أبشع الوسائل غير المشروعة من أجل كبت صوت الشعب وإطلاق يد النظام، وإذا كانت هذه هي السمة العامة في معظم الدول العربية فإن ما نراه في مصر مخجل بكل المقاييس، فكيف يمكن أن يحكم الشعب المصري بأسلوب قمعي كهذا وهو الشعب الذي حاول أن يؤسس لنهضة علمية وثقافية أيام الملكية وكان أملا في نظر جميع العرب ولكنه فجأة بعد ثورة يوليو تحول إلي شيء آخر، ذلك أن النظام الديمقراطي الذي كان سائدا في مصر تحول إلي نظام شمولي وإذا كان الناس عاشوا حقبة من الزمن بشعارات عبد الناصر فلأن عبد الناصر كان يخاطب الآمال العربية والوجدان العربي، ولكن ما الذي كان يخاطبه كلام السادات وأفعاله؟ومن الذي خول السادات أن يتصالح مع إسرائيل قبل أن يخلص حقوق الشعب الفلسطيني؟ ومن الذي أباح للرئيس حسني مبارك أن يحول مصر إلي إقطاعية تتحكم فيها مراكز القوي والنخب المرتبطة بأقرب الناس إليه ويعمل جاهدا من أجل ما يطلق عليه التوريث، فلماذا يكون في مصر توريث؟ وما الذي جعل جمال مبارك متميزا علي كل شباب مصر سوي السلطة التي تنعم بها في عصر والده ويريد أن يواصل مشواره في حكم منفرد يواصل به مسيرة الأب القمعية، فهل يكون ذلك مصير مصر؟ وكيف للأمة العربية أن تتحرر إذا كان ذلك هو مصير أكبر البلدان فيها، وهي البلد الذي يتمتع بكثافة سكانية عالية وعدد كبير من المثقفين وأصحاب الاختصاص. لا بد أن هناك خللا في العالم العربي وأن معظم الشعوب العربية لا تعرف كيف تستخلص حقوقها وهي تعيش في حالة مستمرة من الرعب والخوف وهي الحالة التي تمكن الأعداء من السيطرة علي مقدراتها، ومع ذلك فإن الكثيرين لا يملون من الخطابة الجوفاء والنظريات الفارغة التي لا ترتبط بالفكر الحديث بكون معظم الفكر الذي يؤثر في العالم العربي هو فكر تراكمي مجموع من بطون الكتب وأفكار الآخرين ويفتقر إلي الأصالة والرؤي المجددة.ولكنني أعترف أن ذلك يدخل في باب الإصلاح الكبير الذي لم يفتح في العالم العربي وما هو مطلوب في الواقع الحالي هو الإجابة علي تساؤلات حول القضايا الملحة وأهم تلك التساؤلات هو هل الولايات المتحدة صديقة العرب ويمكن أن يوثق بها؟والإجابة علي هذا التساؤل لا تحتاج إلي كبير وقت لأن الولايات المتحدة هي صديقة الصهاينة وبالتالي ليست صديقة العرب وذلك ما يستدعي التشكك في كل الدعاوي التي تطلقها من منطلقات خيرة، وهذا الشك لم يعد مقتصرا علي العالم العربي فقد بدأت بريطانيا تدرك مدي الخسارة التي لحقت بها جراء المساندة المطلقة لسياسات الولايات المتحدة وقد تجرع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الكأس من خلال الهزيمة التي مني بها حزبه في الانتخابات البلدية وقد رأينا من قبل كيف مني برلسكوني في إيطاليا بهزيمة مماثلة وكيف هزم رئيس وزراء أسبانيا خوسيه ماريا أثنار في الانتخابات التي أتت بخصمه ثباتيرو إلي الحكم، فإذا كان ذلك حال الدول الأوروبية، أفلا يحق للدول العربية أن تقف لتعيد النظر في سياساتها؟ الإجابة المنطقية هي نعم، ولكن الدول العربية لن تفعل ذلك لأن آخر ما تفكر فيه هو مصالح شعوبها بعد أن عرفت المصلحة الوطنية علي أنها هي مصلحة النخبة الحاكمة وعرف أمن الدولة بأنه هو القوة التي تسكت كل صوت حر وأصبحت الدولة مهيأة لاستخدام كل وسائل القمع من أجل إسكات أي صوت يرتفع مناديا بالحقوق العربية.ہ كاتب من السودان9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية