نحو بلورة توجه في التعامل مع قضية عرب 1948 (3 من 3)
اسرائيل فسّخت المجتمع العربي الي طوائف.. ومن فرّط بالموقف الوطني فرط أيضا بالحقوق وتمسك بفتات المائدة التيار القومي في الداخل لا ينخرط في مؤسسات هي أدوات تنفيذ السياسة الاسرائيلية: كالحكومة ووزاراتهانحو بلورة توجه في التعامل مع قضية عرب 1948 (3 من 3)عزمي بشارةخلفيات اجتماعية لإشكاليات سياسية فقدت القرية العربية في الداخل منذ النكبة اقتصادها الزراعي دون أن تطور اقتصادا آخر. وهي إضافة إلي ذلك لم تفقده لصالح مدينة عربية مفتوحة لهجرة الريف إليها. ولم تشهد القرية هجرة حقيقية إلي المدينة علي أثر خراب الزراعة بفعل المصادرة وتغير بنية الاقتصاد ومنافسة الزراعة اليهودية وغيرها، بل بقيت القرية في مكانها دون زراعة ودون اقتصاد تتضخم وتصبح بلدة،ثم مدينة في عرف وزارة الداخلية الاسرائيلية، تؤوي عمالا وموظفين في اقتصاد المدينة اليهودية. أما الاقتصاد المحلي الوحيد فما هو إلا مهن حرة وخدمات تقدم إلي هؤلاء العاملين المنتجين في الاقتصاد اليهودي.رحلت البرجوازية الصاعدة في مرحلة الانتداب والإقطاع ونخبة المدينة الثقافية والبيروقراطية مع المدينة الفلسطينية ذاتها في عملية التهجير في النكبة. ونبتت البرجوازية الجديدة والفقيرة العدد علي هوامش الاقتصاد الاسرائيلي من قطاعات مثل مقاولات البناء والوكالات والتجارة بالجملة. وهي لم تؤسس، ولا تؤسس لاقتصاد عربي جديد، وليس بوسعها ذلك، بل هي جزء من الاقتصاد الاسرائيلي، مثلها مثل بقية القطاعات الاقتصادية التي يقطن المعتاشون عليها في القرية العربية.ولا جدوي من محاولة تأسيس اقتصاد عربي في داخل أراضي 48 مستقل عن الاقتصاد الاسرائيلي. فمجرد التفكير بذلك هو استقلال عن الواقع والمنطق، ناهيك عن السوق والعملة والأسعار والبنوك وغيرها. وحتي البطالة والصحة ومخصصات الشيخوخة تعتمد علي نظام التأمينات والضمانات القائم في الاقتصاد الاسرائيلي المرتبط بوجود دولة. المواطنة الاقتصادية قائمة، وهي من الدرجة الثالثة او الرابعة، ولكنها قائمة حتي لو تم التخلي عن المواطنة السياسية غير المتساوية أيضا. ولذلك فالصراع لتحسين وضع القرية العربية وتصحيح اقتصادها ولو قليلا يتم في الاطار القائم، وفي إطار البنية الاقتصادية القائمة، وعبر تحديه في الوقت ذاته.ولكن من ناحية أخري، إذا تم التسليم بأن التطور يجري في الاطار الاسرائيلي القائم فقط ودون أي تدخل أو تخطيط عربي فسوف تكون النتائج وخيمة، وقد كانت وخيمة حتي اللحظة. قد يرتفع مستوي معيشة المواطنين العرب حينا وينخفض حينا كحالات متأثرة بمعدلات النمو والركود وغيرها. ولكن العملية الأساسية المثابرة والعنيدة تبقي تهميش الاقتصاد العربي في الداخل، كهامش لمركز، وكمجرد ظاهرة مرافقة للتطور والأزمات في مراكز الاقتصاد الاسرائيلي اليهودية.هيئة تخطيطوالوجهة الأساسية هي تحويل القري إلي بلدات مكتظة دون تخطيط بحيث تدفع نوعية الحياة لتشبه جميعها أحياء فقر كبري، أشبه ببلدات السود في جنوب افريقيا في عهد نظام الفصل العنصري، الأبارتهايد، ولتصبح الحياة فيها علي المدي البعيد، من ناحية الجريمة والعنف الموجه نحو الداخل وردود فعل المجتمع علي الحداثة متراوحة بين الأصولية والانحلال بين سياسات هوية محلية وطائفية وعشائرية ومحاولات اندماج فردي في الحياة الاسرائيلية وضحالة الحياة الثقافية، جحيما لا يطاق داخل جيتو.ولذلك ورغم كون العرب في إسرائيل جزءاً من الاقتصاد الاسرائيلي إلا أن الوجهة يجب أن تتلخص في ترك الحبل علي غاربه، وترك الاقتصاد يتطور عفويا بموجب متطلبات السوق الاسرائيلي وحده. فالتطور العفوي هو تطور خاضع ومتأثر يتشكل بموجب حاجات المركز اليهودي الاقتصادية وقواعده وقوانينه وليس بموجب حاجات المجتمع العربي، والسوق في النهاية هو سوق يهودي.من أجل ذلك يلزم وجود جسم تخطيط عربي، يخطط لنوع المطالب التي تطرح علي الدولة العبرية، ونوع المبادرات المطلوبة من المجتمع. هل يجب أن يكتفي النضال الاجتماعي بالدفاع عن المخصصات والتأمينات والمعونات الرسمية أم يطور المجتمع العربي بني تحتية مادية وبشرية ومطالب للاستثمار، ويهيئ المجتمع العربي لمطالب كهذه . من واجب هيئة تخطيط كهذه أن تعد لمسطح البناء وما يجب أن يكون عليه ونوع الصناعة أو المشاريع التي تستطيع القرية العربية، أو مجموعة قري، استيعابها. حتي لو تطلب الأمر تشجيع عدة قري وبلدات علي التجمع في رابطة تخطيط، وفي منطقة صناعية موحدة مثلا، ولبحث نوع التخصصات لدي خريجيها، وبعدها عن المركز، وحجم الضريبة فيها، وسعر الارض.. ويمكن أيضا بحث نوع الزراعة الممكنة للتصدير، نوع التخصصات التي ينبغي تشجيع الشباب علي دراستها، وغير ذلك لغرض التخطيط لاقتصاد ما، لمقومات اقتصادية ما تتجاوز التأثر فقط بما يفرضه المركز.سلطة تنفيذيةولكي يكون الغرض واضحا، وبعيدا عن أي التباس، لا أتحدث هنا عن جمعيات تخطيط مختصة بمجلس إدارة معين وتمويل خارجي، مع احترامي للجمعيات ودورها، ولا عن مهرجانات ولا مؤتمرات ولا ورشات عمل ولا غيره. الحديث هنا عن شكل من أشكال السلطة التنفيذية التخطيطية في إطار نوع من الإرادة الذاتية للمواطنين العرب، لا أقل. ولا ينفع في مثل هذه الحالة اقل من ذلك، وطبعا يتطلب وجود هيئات تخطيط معتمدة وجود هيئات منتخبة ذات شرعية تضع السياسات التي يتم بموجبها التخطيط وتمويلها، ولا مناص من انتخاب المواطنين العرب لهيئة من هذا النوع مباشرة، مع دفع رسوم ولو شاقل واحد في الشهر لنوع من برلمان لعرب الداخل مع ميزانية بالحد الادني لهيئات وجهاز موظفين. وليس المطلوب أن يفصلهم عن الحكم المركزي ولا أن يعطل المطالبة بالمساواة، بل بالعكس المطلوب هو أن يوفر الإجابة علي تهميشهم وتميزهم. وهو غير قادر علي القيام بمهامه إلا كخاص ضمن العام، وإلا كحالة ارتباط وانفصال في الوقت ذاته. فهو في حالة الاقتصاد مثلا يدرك أنه جزء من الاقتصاد الاسرائيلي وهو لا يتمكن من الانفصال عنه، ولكنه لهذا السبب بالذات عليه أن يجد جوابا علي حالة دفع مواطنيه نحو الهامش علي مسار تطور مشوه هو عبارة عن ظاهرة جانبية، أو مضاعفات مرافقة لإجابة الاقتصاد والتخطيط علي حاجات الآخر وليس علي حاجاته.لم تعترف اسرائيل لفترة طويلة بهوية المواطنين العرب القومية العربية الفلسطينية. وتعاملت معهم كطوائف دينية أقلياتية من جهة، وكرعايا درجة ثانية من جهة أخري. والمقصود أن إسرائيل لم تنكر هوية العرب في إسرائيل الوطنية من جهة لكي تعترف بهم كمواطنين متساوين مندمجين من جهة أخري. نقول ذلك لكي نذكّّر بعض الاخوة الذين يرون تناقضا بين الهوية الوطنية والمواطنة المتساوية أن المذكورة أعلاه ليست دولة ليبرالية ترغب في إنشاء أمة من المواطنين وتصر علي أن مهمتها التاريخية هي تحويل اليهود في كافة أنحاء العالم إلي أمة تملك دولة. وتتعارض المساواة الكاملة مع أيديولوجيتها الرسمية، أي مع الصهيونية.وعندما حاولت المؤسسة الحاكمة منذ نهاية السبعينات التعامل بشكل جزئي وبشروط مع العرب كعرب لهم مؤسسات، فقد ترافق ذلك بتحسين وضعهم كمواطنين أيضا. ولن نبحث حالياً في أسباب التغيير الذي طرأ بالنضال وبتغيير بنية واقتصاد المجتمع الاسرائيلي ذاته.من الناحية الثانية تزامن الوعي بحقوق المواطنة وتصعيد المطالبة بالمساواة مع ازدياد الوعي الوطني عند المواطنين العرب أنفسهم. لم تأت الوطنية علي حساب المطالبة بالمساواة بل تكامل المطلبان في الصيرورة التاريخية بغض النظر عن وجود أكثر من تناقض بينهما علي مستوي المفهوم.وبعد أن اعترفت بها جزئيا حاولت المؤسسة السياسية والامنية أن تضبط الهوية العربية كعربية إسرائيلية، أي كهوية متعايشة مع الصهيونية وتقبل بأقل من المساواة، وكهوية دونية تحول مفهوم مواطن الدرجة الثانية إلي ثقافة وأخلاق دونية، وتقبل بالانفصال عن الموقف الوطني الفلسطيني، وتحاول الانتماء إلي ثقافة المحتلين. وقد وجدت ثقافة الهامش هذه من يتبناها، ومن يربط مصلحته بالمؤسسة الاسرائيلية السياسية والامنية: ثقافة تفاخر بنصف هوية المواطنين العرب الوطنية تبنت إسرائيل ومعها الحالة الاسرائيلية في المجتمع العربي في الداخل مجموعة آليات للتعامل : مثل العودة إلي وسائل قديمة ومجربة لتفسيخ الوعي الوطني بواسطة إحياء نفوذ ممثلي النعرات الطائفية والعشائرية. هؤلاء لا يمكنهم أن يبرزوا بالموهبة أو الموقف بل فقط بتسعير النار ضد الآخر داخل نفس المجتمع وإخمادها ضد السلطة الحاكمة، هؤلاء لا يستفيدون إلا من إلحاق الضرر بمجتمعهم إذ يبرزون فقط كممثلي طوائف أو عشائر متصارعة أو متآخية حسب ما تمليه مصلحتهم. وآليات أخري منها وضع حدود جديدة قانونية لشرعية العمل السياسي العربي، ومنها أيضا إطلاق النار علي المتظاهرين ومحاولة ردع وترويع الناس ثم إقامة لجنة تحقيق لاحتوائهم ثم عدم احترام نتائجها، ثم إثارة نقاش حول عدم احترام نتائجها، ثم إلقاء اللوم علي الضحية وهكذا.. ولكن الطريقة الجديدة التي بزت قريناتها هي محاولة التأثير علي مستوي الثقافة السياسية والسلوك السياسي والاخلاق والقيم السائدة.وفي الثقافة السياسية العربية الاسرائيلية يتم بحجة النزعة الواقعية نشر وتكرار تصور يختزل الناس إلي مجرد أعين لتحقيق مآرب فردية، بما في ذلك من إلحاق ضرر بالإنسان.. وعلي هذه الصورة يراد أن يصمم شكل القيادة السياسية كقيادة نيابة برلمانية مطلبية تحقق مطالب فردية بواسطة العلاقة الجيدة مع الوزارات الاسرائيلية، وهذا هو مقياس شطارة النائب في ظل هذه الثقافة السياسية.القيادة السياسية هي قيادة سياسية أولا. ويقاس عملها حسب الظرف التاريخي بقدرتها علي إثارة قضايا ومعالجتها بموجب الخط السياسي الذي انتخب علي أساسه، وبقدرتها علي المطالبة بتحسين ظروف وحياة الناس وفضح سياسة التمييز، وتنظيم النضال ضدها وطرح بدائل لها، والحفاظ علي الموقف الوطني والعقلاني في آن. ولكن نزعة الحياة علي الهامش كنصف عربي وبنصف حقوق تؤدي أيضا إلي نزعة العزوف عن السياسة إلي درجة طرح السؤال في الانتخابات الاخيرة للبرلمان : وما حاجتنا إلي قيادة سياسية؟ . السؤال الاول يفضي للثاني والعكس صحيح.فُتات ولائمبموجب هذا المنطق طبعا يتحول العرب إلي أيتام علي موائد السلطة الحاكمة : فتات ولائم في حالة البرايمرز في الاحزاب مثلا، وفتات خبز جاف وحرب قبائل وعشائر علي السيطرة علي المجالس المحلية والبلديات في الأيام العادية. صادروا الدولة والوطن ويلهون السكان الاصليين بصراع علي السيطرة علي بلديات ومجالس محلية ضامنين بذلك أمرين: تفسيخ المجتمع ومنع تطور مؤسسات قيادية مركزية في عملية بناء وتشكيل شعب، وحشر العرب في الصراع علي جزء ضئيل من مقدرات ومصادر وإمكانيات الدولة التي يعيشون فيها.تاريخيا نستطيع الجزم بأن من فرّط بالموقف الوطني فرط أيــــضا بالحقــــوق وتمسك بفتات المائدة في إطار نظام من الواسطة والزبونية للمؤسسة الصهيونية له ولأقاربه ومقايضاتها بمواقف. كان الموقف الوطني دائما هو شرط التمسك بالحقوق.موقف التيار القومي في الداخلمن الانتخابات البرلمانيةوالمعروف أنه ينتمي لهذا التيار ناشطون سياسيون كانوا في الماضي يرفضون الانتخابات للبرلمان الاسرائيلي أو المشاركة فيها بالتصويت، وآخرون كانوا يشاركون ضمن قوائم مثل الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة،وقبلها الحزب الشيوعي، والحركة، والحركة التقدمية وغيرها. ومن المعروف أن الحركة الاسلامية في الداخل تخوض انتخابات الكنيست بأحد شقيها، أما الشق الثاني فيشارك أفراده بالتصويت والاقتراع (أي لا يقاطع الانتخابات رسميا) وإن كان لا يخوض الانتخابات بقائمة خاصة به، هذا عدا مشاركته في الحكم المحلي التابع رسميا لوزارة الداخلية والمعبر عنه بالبلديات والمجالس المحلية.لقد قرر التيار القومي المنظم في التجمع الوطني الديمقراطي خوض الانتخابات البرلمانية بعد مخاض طويل ونقاشات مضنية منشورة وغير منشورة. ولكن القرار جاء طبيعيا ودون اعتراضات علي المبدأ حتي من قبل أولئك الذين لم يتحمسوا للفكرة. لقد وقفنا في حينه أمام حالة من تأزم وتشظي الحركة الوطنية في الداخل بعد اتفاقيات أوسلو وتحويلها إلي هامشية وعاجزة عن التأثير علي مجريات الأمور علي الساحة العربية.وإزاء ما شخصناه علي أنه حالة أسرلة زاحفة تتمثل بتحول مطلب المساواة إلي مطلب اندماج علي هامش المشروع الصهيوني، بما في ذلك من إسقاطات علي الثقافة الوطنية والمواقف السياسية، وبما في ذلك من مظاهر تأزم العلاقة مع الذات المعبر عنه في نشوء شخصية العربي الاسرائيلي المنفصمة، قررنا أن الطريق الوحيد للتأثير هو طرح التيار القومي الديمقراطي للمنافسة في الانتخابات كطرف سياسي ذي علاقة بواقع العمل السياسي الذي يريد تغييره. فمقاطعة الانتخابات، كموقف سياسي، لا يؤدي بالجماهير إلي مقاطعتها، بل إلي تهميش من يدعو لذلك عن الناس. وبذلك تبقي الجماهير فريسة أسرلة تفرضها العملية الانتخابية بعد أن غابت عنها محاذير وثوابت التيار القومي. فتنشد هذه العملية الانتخابية والخطاب السياسي الذي يسودها باستمرار نحو تقليد نمط خطاب اليسار الصهيوني الذي يوفق بين الاندماج في دولة اليهود وبين قبول كيان (دولة) فلسطينية مستقلة إلي جانب دولة إسرائيل .ومنذ أن قرر التيار القومي المشاركة في الانتخابات تحولت طروحاته إلي موضوعات متداولة في النقاش في الشارع، وانتشرت كالنار في الهشيم، وبدلا من أن يشد اليسار الصهيوني الخارطة السياسية العربية إليه، تغير الاصطفاف بحيث بات ينشد باتجاه التيار القومي. وأحد التعبيرات عن ذلك هو تقليد خطاب هذا التيار ومناقشته بحدة أو الوشاية به في الوقت ذاته. ولكن الأساس أن أطروحاته أضحت محور النقاش الدائر.لم يخلق التيار القومي الديمقراطي الوطنية ولا القومية في الداخل. ولكن لا يستطيع إلا الجاهل أو سيء النية أن ينكر أنه منذ ولج التجمع الوطني الديمقراطي مجال السياسة بمعناها العيني في الظروف العينية، أي كمتنافس بين طروحات أخري، تغيرت الثقافة السياسية لدي عرب الداخل وتطور النفس الوطني الكفاحي النضالي وبدأت تتشكل حالة رفض للأسرلة باتت مقلقة لإسرائيل. وصحيح أن الشق اليميني للمؤسسة الصهيونية يحرض ضد كل القوي السياسية العربية، ولكن اليسار الصهيوني لا يحرض إلا علي التيار القومي متمثلا بالتجمع الوطني الديمقراطي، وذلك لأنه يدرك الفرق الذي أحدثه التجمع، في حين يمنع عمي الألوان العنصري الذي يصيب اليمين من رؤية الفرق.وما كان بإمكان التيار القومي أن يدخل البعد القومي والديمقراطي إلي حياة الجماهير السياسية بالوعظ والإرشاد من خارج واقعهم المعاش كناس. وواقع عربي الداخل المعاش هو واقع المواطنة الاسرائيلية غير المتساوية، وردة الفعل الطبيعية الأولية عليها وهي مطلب المساواة. وما كان بإمكان القوميين أن يثبتوا لـ الجماهير أن مساواة العرب غير ممكنة في دولة اليهود إلا إذا وقف معهم علي قاعدة هذا المطلب باعتباره شرعيا. فلكي يطلب التيار القومي من الجماهير أن تحمل الهم الوطني والقومي عليه هو أن يحمل هم الناس.يتوقع التيار القومي في رومانســــية تمجد الجماهير من بعيد دون معرفتها إذ لم يتعامل مع قضايا الناس اليومية التي تحول الجماهير إلي ناس، بشر، أفراد، جماعات، متطورين ومتخـــلفين، واعين ومُجَهَّلين، والي مصالح وقضايا مرتبـــطة وغير مرتبطة بالسلطة الحاكمة والي ثقافات سياسية متفاوتة. وقد يؤدي العزوف عن التعامل مع قضايا الناس بالســــياسة من الرومانسية إلي العدمية، أي إلي الانعزال في حالة إحباط وهجرة واغتراب تخوّّن الحالة والمرحلة والعرب والمسلــــمين والناس أجمعين، أي تتحول إلي هجـــرة يتبعها تكفير. والحالة الرومانسية وحالة الهجرة حالات غير سياسية. وقد أثبــــتت التجربة التاريخية والتحليل البنيوي للأقلية العربـــية في الداخل أنه لا يمكن التعامل مع قضايا الناس الحياتية واليومية وتمثيلهم سياسيا في الوقت ذاته دون خوض المعركة سياسيا برلمانيا.بقيامه وبولوجه المعركة السياسية حقق التيار القومي العربي المنظم في حزب ما يلي:1- تم إحياء الحركة الوطنية والتيار القومي في الداخل. 2- شد مطالب المساواة إلي نهايتها القصوي المتناقضة مع الطبيعة الصهيونية للدولة العبرية. 3- تم قطع شوط كبير في تخليص هوية عرب الداخل من أزمة الاسرلة.4- يزداد الالتفاف حول ضرورة بلورة الحقوق الجماعية للعرب في الداخل. 5- تكثيف التواصل مع الأمة العربية والشعب الفلسطيني بشكل لم يسبق له مثيل. 6- نتيجة لضرورات التنافس مع أطروحات وأساليب عم التيار القومي الديمقراطي تطور العمل البرلماني والسياسي عند جميع القوي بشكل لا يقارن مع ما كان سابقا.هل هناك ثمن يدفعه التيار القومي بسبب دخوله انتخابات الكنيست الذي يترتب عليه اعتراف بإسرائيل ؟ نعم. ولكن في أي لقاء للفكر بالممارسة هناك ثمن يدفعه الفكر راضيا إذا رغب في التأثير ـ أي ترجمة للفكر إلي برنامج سياسي بناء علي تشخيص لظروف سياسية محددة من أجل تغيير هذه الظروف فيها ثمن، وأي ترجمة للبرنامج السياسي إلي مطالب نضالية فيها ثمن. والامتحان هو بالقدرة علي الارتقاء المعاكس من المطلب الي البرنامج، إلي المشروع الفكري بشكل متماسك ودون تناقضات لا تمكننا من العيش معها. والتيار القومي في الداخل، خلافا لحركات سياسية لا تتوفر لديها هذه البوصلة الفكرية القومية الديمقراطية، لا يوافق علي التمثيل في مؤسسات هي أدوات تنفيذ السياسة الاسرائيلية وهي الحكومة ووزاراتها، كما لا يوافق علي تمثيل العرب في لجنة الخارجية والامن في البرلمان، ولا يشارك في تمثيل الكنيست خارج البلاد، ولا يطالب بتمثيل عربي في البعثات الدبلوماسية في الخارج بحجة المساواة، خلافا للقوي السياسية العربية الاخري في البرلمان.فالتيار القومي يرفض تحويل مطلب المساواة المناهض للطبيعة الصهيونية لإسرائيل إلي أداة لدمج العرب في سياسات إسرائيلية تحول بدورها مطلب المساواة إلي مطلب حصة في السياسة بدلا من مناهضة هذه السياسة. ولكن التيار القومي النضالي الذي يتعامل بحيوية يوميا مع قضايا الناس ببوصلة فكرية وقيمية يرفض في الوقت ذاته اشتقاق مواقفه بالقياس المنطقي من نوع : هنالك تناقض بين القومية العربية والوحدة العربية ووجود إسرائيل كتعبير عن مشروع صهيوني. والمشاركة في انتخابات الكنيست هي اعتراف بهذه الدولة، إذا هنالك تناقض بين المشاركة في هذه الانتخابات حاليا من استقراء الواقع الحياتي المعاش وأنماط العمل السياسي وأنماط الوعي الذي ينتجه لكي يكون هنالك وجود جماهيري وشعبي وفاعل ومؤثر للفكرة القومية العربية المتناقضة مع الصهيونية، كما تتناقض ممارسات التجمع مع الصهيونية علي كل جبهة ممكنة. هكذا يتجلي التناقض الوجودي ويتفاعل ويطور ديناميته. لكي يكون هنالك صراع وجود يجب أن يكون وجود في الواقع المادي الملموس، وإلا تحول صراع الوجود مع الصهيونية إلي صراع بين مفاهيم، بين مجردات تعيش حياتها الخاصة الرمادية بعيدة عن ألوان الواقع المعاش، ومن بينها اللون الرمادي القاتم. وليس لدي التيار القومي الديمقراطي في الداخل طموح لتقديم الوعظ والإرشاد للتيار القومي في الوطن العربي وضرورة تعامله مع الواقع العيني في الدول العربية القطرية العينية، إذ لا وجود لدولة عربية أخري غير الدولة القطرية، هذا التعامل الذي قد يضطره إلي تبني هموم الجماهير بدلا من مطالبة الجماهير باستمرار بتبني الهم القومي.7