عمان ـ ‘القدس العربي’ من بسام البدارين: بعد يوم من انتهاء مسيرات الجمعة الثانية في المدن الاردنية تحت عنوان الاسعار ورغيف الخبز بدأت تظهر بعض الوقائع والحقائق اللافتة المليئة بالدلالات السياسية احيانا والغريبة الغامضة احيانا اخرى.
الاسلاميون مثلا انجحوا مسيرة العاصمة عمان نسبيا وبدون تعبئة وتحشيد لكنهم لم يشاركوا بصورة جدية في المسيرة المتزامنة التي انطلقت في معقلهم الاصلي مدينة الزرقاء، وتركوا الامر لتقدير قياداتهم المحلية في نسخة الكرك من المسيرة.
بالتزامن ترك نشطاء الاخوان المسلمين مسيرة مدينة اربد شمالي البلاد لقوى اليسار ولبعض اللجان المحلية وشاركوا في مسيرة عمان دون فهم الاسباب رغم ان المسيرة الاولى في اربد قادها الاخواني المتشدد الدكتور علي العتوم.
وفي عمان رصدت عدة ملاحظات اساسية ايضا، فنشطاء اليسار رفضوا الالتحاق بصفوف الاخوان المسلمين تحت لواء نفس التحرك وكاد ان يحصل احتكاك بين شباب الطرفين لولا العقلاء وبعض القيادات اليسارية ظهرت الى جنب المشايخ امام المسجد الحسيني.
وفي عمان ايضا التقطت محطة ‘الجزيرة’ صورة جوهرية وكررت بثها وهي صورة يظهر فيها احد رجال شرطة المرور – لاحظوا المرور – وهو يقدم كأس الماء للشيخ زكي بني ارشيد في مظهر استثنائي على الامن الناعم رسم بعناية، فيما يبدو في اروقة السلطة. قبل ذلك هتف الاسلاميون بقوة على بوابة البرلمان ضد نواب الامة الاموات فهدد احد النواب علنا بنتف لحية الشيخ حمزة منصور ورفض رئيس المجلس فيصل الفايز الخروج لمقابلة المعتصمين على بوابة مكتبه، لكن في اليوم التالي زار وفد يمثل تنسيقية احزاب المعارضة الفايز بمكتبه ولوحظ بأن التمثيل الاسلامي غائب تماما عن الوفد رغم ان حزب جبهة العمل الاسلامي هو القائد والمخترع اصلا للجنة التنسيقية. المعنى السياسي هنا واضح شركاء الاسلاميين في تنسيقية المعارضة يقولون ضمنيا للجميع انهم يستطيعون فتح مسربهم بعيدا عن المشايخ اذا لزم الامر ردا على سلوك متكرر من الاسلاميين ظهر بقوة مؤخرا.
وهذا التباينات تعكس ما هو ابعد واعمق، فقوى الحراك الاجتماعي من خارج صفوف الاحزاب مثل المعلمين والمعلمين المتقاعدين تريد حصر تحركها الاحتجاجي بمسألة الخبز، الامر الذي يفسر رفع ارغفة الخبز بالمسيرات الشعبية التي تهدد مستقبل الحكومة السياسي.
الاسلاميون يعملون على معادلة مختلفة فقد تركوا الاسعار والخبز وتحدثوا عن اصلاح سياسي ودستوري وانتخابات مبكرة، وهو امر تنبهت له الادارة الذكية الجديدة في مؤسسة التلفزيون فقررت عدم ترك المسألة للشارع بل استضافت الشيخ حمزة منصور على شاشة الحكومة لاول مرة منذ سنوات، وخرج الشيخ منصور على شاشة الحكومة اليتيمة يطالب بتغيير وزاري واصلاحات دستورية وانتخابات مبكرة.
والتيار الاخواني عمليا لا يقود الحراك الاجتماعي ولا يحشد له بنفس الوقت ويشارك به جزئيا ولا يساعده في انتاج زخم حقيقي في معادلة معقدة نسبيا مرسومة على حدود التوازنات داخل الحركة الاسلامية.
اما بقية قوى الحراك وتحديدا العمالية واليسارية فرفعت هدفا اعلنت انها لن تحيد عنه وهو اسقاط الحكومة الحالية، لكنها لا تجيب على السؤال التالي: ماذا بعد ذلك؟ الحكومة من جهتها افلتت من تداعيات المشهد الاجتماعي الضاغط على مدار اسبوعين ويبدو انها تتهيأ لتغيير المعادلة في الاسبوع الثالث حيث قدمت الماء والعصائر للشيخ زكي بني ارشيد ورفاقه في ازقة عمان الجمعة الماضية، لكنها قد تقدم ‘وجبة دسمة’ لهم بعد ذلك، على حد تعبير اعلامي مخضرم، وهي قمع المسيرات.
الاستخلاص النهائي ان ما يسمى بالحراك الاجتماعي الاردني يسير وينمو واحيانا يتم توجيهه وسط هذا التشابك الكثير من التعقيدات والحسابات البينية.
لكن بالنسبة لخبراء الادارة والحكم لا يزال الايقاع دون مستوى التضحية بالوزارة الحالية لان شعارات اسقاط الحكومة تبقى بكل الاحوال اقل خطرا في السياق السياسي من شعارات اخرى من طراز اعادة النظر بآليات تشكيل الحكومات والمطالبة بالاصلاحات الدستورية، الامر الذي يفسر احيانا بعض التسهيلات التي تمنح لبعض فعاليات الحراك.