محمود البياتي في رقص علي الماء ـ أحلام وعرة : توظيف ناجح للمشترك بين الحضارتين الأوروبية والإسلامية
د. ابراهيم الخليلمحمود البياتي في رقص علي الماء ـ أحلام وعرة : توظيف ناجح للمشترك بين الحضارتين الأوروبية والإسلاميةهذه اول رواية عربية تسجل نبضات حي يدعي همركولان بمدينة غوثنبرغ في السويد، يضج بالمهاجرين القادمين لأسباب شتي من انحاء العالم وبالاخص العالم الثالث.يؤكد الروائي والكاتب حمزة الحسن، المقيم بالنروج، في مقال بعنوان احلام محمود البياتي الوعرة : لا تستطيع سوي موهبة كبيرة ومدربة علي ادخال عالم شديد التعقيد من خلال سرد شفاف عفوي لكنه مبني بإحكام، ويبدو لعفويته ملهماً ومشجعاً علي مواصلة التخيل، حيث يصبح القارئ شريكا في حكاية، وتصبح الحكاية قضية كل قارئ. (1) بينما يؤكد الروائي برهان الخطيب، المقيم في ستوكهولم، علي التشويق والتوازن والشكل المعتني به في قصة البياتي الذي ذكّرني بميلان كونديرا ليس مرة ، لكنه يعترض علي اطلاق الناشر صفة (رواية) علي الكتاب، لأنه، كما يقول: ليس رواية حقا حسب تعريفها النقدي الواضح، فلا أشخاصه كثر، عشرة وربما أزيد، ولا صفحاته ناهزت الثلاثمئة (2) فضلا عن قصر جملها. فهي إذن، كما قال: القصة القصيرة الطويلة، وهو نوع له حضوره في أدب الغرب منذ زمن طويل، ازدهر علي يد المعلم همنغواي، بل وفاز بهذا النوع من القص عن كتابه الشيخ والبحر بجائزة نوبل (2) . لكن خلافاً لما قال الخطيب فقد شاع بين مؤرخي الأدب ونقاده تسمية الشيخ والبحر رواية قصيرة، وليس قصة قصيرة طويلة. ذلك ينطبق ايضا علي بعض ما كتب تولستوي، كافكا وغيرهما. يقول ربيع جابر في صحيفة الحياة الصادرة من لندن الرواية القصيرة فن صعب ويتساءل: هل يجوز تعريف الرواية القصيرة بأنها قصة طويلة؟ الجواب سلبي ، ويقدم لنا قائمة بروايات قصيرة: مطبخ لبانانا يوشيموتو، الجميلات النائمات لياسوناري كاواباتا، نارا ياما لشيتشيرو فوكازاوا، حمامة لباتريك ساسكند، حرير لأليساندرو باريكو، الشقاء العادي لبيتر هاندكه، بيدرو بارامو لخوان رولفو، يوميات من تحت الأرض لدوستويفسكي (3).دعونا نستعرض الآن ملامح الهيكل العام لرواية العراقي محمود البياتي رقص علي الماء ـ احلام وعرة الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت مطلع العام الجاري 2006.تبدأ الرواية بعثور الراوي علي محفظة نقود تربكه أخلاقياً. فهو ظل يتأرجح ما بين واجب تسليمها الي البوليس وطمع الاحتفاظ بها. في سياق هذا الحدث البسيط ترصد الرواية، علي نحو جدي وهازل احياناً، تصادم الثقافات في المجتمع السويدي الحديث والاوروبي ضمناً. نصادف سويديين (ليسوا عنصريين بالضرورة) يرفضون دمج المهاجرين، ومهاجرين يرفضون الاندماج، مفضلين الانعزال في بؤر تخصهم يشعرون فيها بالأمان، كالأحياء الثلاثة الشهيرة: رنكبي في العاصمة ستوكهولم، همركولان في يوتوبوري، روزينغورد في مالمو.شخوص الرواية الاساسيون يقيمون في همركولان باستثناء الشيخ سليمان:الراوي، شاعر عراقي / غادة، رسامة فلسطينية نجت من مذابح صبرا وشاتيلا في بيروت، وهي حبيبة الشاعر العراقي / سارة، يهودية من بولونيا ، حبيبة خوليو / خوليو، من تشيلي / آواز، كردية من العراق / عبدو، عراقي يدرس في جامعة يوتوبوري / سيد وفيق، عم عبدو، رجل مسن وبسيط / سليمان، شيخ لبناني غريب الاطوار يعيش بكهف في جبل برمانا.وهناك شخوص آخرون، بينهم اليزابيث وباربرو من شهود يهوا، فيفيان من الصليب الاحمر، بنيامين موظف في مكتبة المدينة، وغيرهم. يعيش اغلب هؤلاء، الذين يعكسون بعض مكونات عالم المهاجرين والمجتمع السويدي، في حي سيء السمعة همركولاّن تنقصه المؤسسات الخدمية والترفيهية، وهو مكتظ بالعرب والكرد والصوماليين واللاتين اميركيين واليوغسلافيين والغجر، مع عدد محدود من السويديين. يتكون هذا الخليط المتنافر (والمتعايش) من لصوص، محتالين، مدمني كحول ومخدرات، اسلاميين متعصبين ومتحررين، دعاة تبشير مسيحي، ومثقفين وفنانين علمانيين. احلام وكوابيس الراوي ذات مغزي (نفسياً واجتماعياً) تراوده في المواقف الصعبة علي الاخص. كأن المهاجر يلجأ لأحلام المنامات واليقظة دفاعا (تعويضيا) عن النفس. فهو يعرب بالاحلام عن الاستياء من التمييز ويحقق بعض الاماني والرغبات. هذا يدل علي وطأة الشعور بعجزه عن تخطي العقبات كمواطن. من بين تلك الاحلام : حوار الراوي مع امين المكتبة الذي يكره المهاجرين، محاولات دخول المرقص، لقاؤه بأولف بالما والمسيح والحلاج وماركس… ثم بمسؤولته في دائرة الشؤون الاجتماعية (income suمحمود البياتي في رقص علي الماء ـ أحلام وعرة : توظيف ناجح للمشترك بين الحضارتين الأوروبية والإسلاميةort) التي تطالبه بتسليم نقود المحفظة وتحاسبه بشدة علي حياة البذخ… في الحلم !يشير حمزة الحسن، بهذا الصدد، الي تنوع وتداخل خطوط الشخوص: نحن اذ نجد المسيح نجد ماركس، وحين نعثر علي النبي موسي نقترب من النبي محمد، وحين نكون قريبين من مذبحة صبرا وشاتيلا نقف ايضا علي شخصية سارة اليهودية وتجلياتها الجسدية واشواقها الانسانية، وحين نبتعد قليلا عن عالم سارة نقترب من عالم غادة الفلسطينية اللاجئة في السويد وهي تعيش ذكري المذبحة والخ (1). نرصد تحركات هؤلاء جميعهم ضمن ايقاع (تمبو) حيوي يراه برهان الخطيب كفيلم سينمائي: إن التقطيع السريع للحدث اليومي، والانتقال الدائم من مكان الي آخر، وعفوية تصرفات أشخاص القصة قرّب النص الي السينما ، ويري كذلك: ان البياتي جهد كثيرا في لملمة أطراف موضوعه، وجمعَ الكثير من المعلومات عن المشترك بين الحضارتين الأوروبية والاسلامية ووظفها بنجاح في متن القصة، تلقائيا، في حوارات أشخاصها وفي المشهد المسرحي الأخير، لمصالحة بين الدين والعلمانية، نهاية الرواية، وذلك باستيعاب الثقافة للطرفين، في تتويج باذخ علي الطريقة الهوليودية في خواتم أفلامها (2).تتطرق الرواية بحياد الي موضوعات مثيرة للجدل (كالشذوذ الجنسي)، فهي لا تدين ولا تبرئ، وانما تطرح سؤالا علمياً / سايكولوجياً يكشف عن معاناة فقدان الهوية الجنسية : لا هو ذكر ولا انثي. كما تتضمن مشاهد معارك مع عنصريين: تعرًّض خوليو لاعتداء وهو خارج ثملا من بار ريو ريو. النقاش الصاخب في البار بين الراوي وامين المكتبة العنصري. منع الحارس الراوي من دخول المرقص بحجة عدم ارتداء ربطة عنق.تنتقد الرواية عموم المجتمع السويدي والمهاجرين علي حد سواء. يتجلي ذلك في ملاحظات آواز والراوي السلبية علي سكان همركولان مثلا. كما تسلط الضوء علي الجانب الانساني في المجتمع السويدي ومحاولات الانفتاح علي ثقافات وافدة. يتجلي ذلك في ندوة عن مزايا محمد (النبي والانسان)، في مساعدة مركز الصليب الاحمر للراوي في شؤون عديدة (بينها البحث عن صاحب المحفظة)، في رعاية زوجة الغجري الذي مات حرقا والكردي الناجي الوحيد من الغرق في اثناء اجتياز البحر بقارب المهربين من تركيا الي اليونان.يمكن القول ان الرواية تتبني بوضوح دعوة جلال الدين الرومي لامتلاك الجرأة علي الاختلاف في الفكر والقيم والدين وكل شيء . ان غادة الفلسطينية جريحة المذبحة، مثلاً، لا تشكل نقيضا لعالم سارة اليهودية الباحثة هي الاخري عن حلمها في عالم جميل ومسالم (…) ولا غرابة ان سارة وغادة يمارسان الحب علي سرير الراوي الذي يعلن ان الجسد اهم من الايديولوجيا. الجسد هنا ليس الجنس بل الخيارات البشرية العادلة في الفرح والمسرة(1).وتنعكس قضية فلسطين وحرب الخليج 1991 في الرواية بالاشارة الي الدبلوماسيين السويديين الشهيرين برنادوت، في المونولوج، واكيوس في لقاء الشيخ سليمان مع صحافيين، وفي حوارات عبدو والراوي، واخته التي تتلفن من بغداد لتبلغه بتعرض امه لنوبة قلب في اثناء مشاهدتها، في التلفزيون، جنازات اطفال عراقيين ماتوا بسبب حصار الامم المتحدة الذي ادي الي تلوث المياه ونقص الدواء وسوء التغذية. وقد تبدو كنبوءة بما يحدث الان في العراق، من فوضي وارهاب ومجازر، ما قال جد الراوي في المنام (ص 57): سينشأ جيل بالغ القسوة رضع من اثداء الحروب والحصار.لا ثوابت ولا حدود مؤكدة في رواية البياتي. كل حدث فيها ينتج حدثا جديدا، كمن يرمي حجرا في بحيرة ماء فتكبر الدوائر وتتسع لنغطس في عالم مثير ومدهش وشفاف من حكايات طويلة تبدأ ولا تنتهي (1). حتي المقطع الأخير لا ينهيها، فهو مراوغ، ابقي كل الاحتمالات، ارجحها استيقاظ الراوي من النوم علي جرس تلفون وسؤال آت من بعيد، من رجل يدعي الفونس (اسم شائع في السويد) يريد ابلاغه بشيء ما (نبأ سيء؟) عن غادة. هل حدث لها مكروه؟ هل سقطت بها الطائرة؟ او انتحرت بعد هذياناتها عن مغارة الشيخ سليمان؟ كل شيء جائز. نداء التلفون وحديث غادة في الصفحات الاخيرة عن الموت، او خوفها من الموت، يهيئ القارئ لذلك… ام ان موضوع المحفظة برمته كان حلماً؟ كأن الراوي (الكاتب) يخبرنا ان الحياة، بما تنطوي عليه من ارباح وخسائر، حلم ليس الا. او كالحلم.هذه الرواية الممتعة، التي نتناولها علي نحو شديد الإيجاز (وهي تستحق الرجوع اليها بتفصيل اكثر) تعرض اشكاليات اندماج المهاجرين في المجتمع السويدي والاوربي عموماً، وهي بالتالي تصلح للقراءة كوثيقة في يد مناهضي التمييز علي اساس العرق واللون، وكأدب رفيع المستوي بذات الوقت.يتساءل برهان الخطيب: الرواية ممتعة لي لأني أعرف كاتبها، فهل هي كذلك لغيري؟يجيب علي السؤال الروائي حمزة الحسن: رواية الكاتب محمود البياتي (رقص علي الماء ـ احلام وعرة) لا تعلن اكتشاف موهبة روائية جديدة لأن البياتي تجاوز منذ سنوات اختبار الجدارة يوم قرر بناء تجربته في التخيل بعيدا عن الاضواء لكي يمارس تجربته الروائية بمتعة حقيقية تشكل حدثا سعيدا في الرواية.هوامش:(1) حمزة الحسن (صوت العراق، 21/3/2006) و(كلام)(2) برهان الخطيب (العرب، 3/5/2006)(3) ربيع جابر (الحياة 18/ 04/06)com.i.alkhalil@yahoo0