الدورة 59 لمهرجان كان السينمائي الدولي: الريح التي هزت حقل الشعير يؤرخ للانتفاضة الإيرلندية والصيني القصر الصيفي يمزج الحب بالسياسة مع الخيبة الشخصية
زياد الخزاعيالدورة 59 لمهرجان كان السينمائي الدولي: الريح التي هزت حقل الشعير يؤرخ للانتفاضة الإيرلندية والصيني القصر الصيفي يمزج الحب بالسياسة مع الخيبة الشخصيةأخذت رواية دان براون شيفرة دافنشي شهرتها المدوية باعتبارها محاججة أدبية لقضية دينية لم تحسم بعد رغم انطلاقها ـ كوشاية ـ منذ عهود قديمة، وظلت تكبر وتتضخم حكاياتها وتأويلاتها وغرائبها وأسرارها: الامر يتعلق بأبوة السيد المسيح وزواجه من مريم المجدلية، بيد ان الامريكي براون اراد تقديم مقاربة من نوع آخر، اذ داخل السيرة التأريخية للمنظمات والجماعات والخلايا الدينية التي راهنت منذ الايام الاولي للحروب الصليبية علي تنظيف البيت المسيحي من الاعداء.من هنا ولدت حركة حراس المعبد في عام 1118 بعد عودة القدس الي المسلمين لتتداخل سطوتهم مع تسييس الدين والكنيسة، والسعي المتجدد الي السيطرة علي المدينة المقدسة بأي ثمن، قبل ان يعمد الملك فيليب الرابع يوم الجمعة 13 تشرين الاول (اكتوبر) 1307 الي اصدار قرار باعتقال جميع منتسبي هذه الخلية المسلحة واعدامهم عن بكرة ابيهم لتنتهي حكايتهم بعد جبروت طال 200 عام (هذا اليوم اصبح عيدا شعبيا لمثال اليوم المشؤوم في الغرب حيث يعتقد ان الاموات سيعودون للأخذ بالثأر) من بين الأمور التي عجلت في سمعة هذه الخلية اقدامها علي زرع وشايات دينية غريبة احداها زيجة يسوع وانجابه الآنفة الذكر، (ومثلها البطولات الخارقة لاعضائها في الوصول الي المكان الخفي للكأس المقدسة)، الا ان فتح هذه السيرة لم يغلق، وبقي اكاديميون وانثروبولجيون وبحاثة دينيون يسعون كل في اختصاصه للوصول الي السر المغلق، وكلما اقتربوا كثرت المطبات والحكايات والالغاز، واشهرها ما اشيع عن شيفرة دافنشي التي بثها في لوحاته الدينية المحملة بالرموز والمشهديات الملحمية، ما دفع كثيرا من الاختصاصيين لفك خباياها، ومنهم الكاتب دان براون وروايته التي عدت ظاهرة تجارية في عالم النشر.لكن لنعترف: ان هذه الرواية ليست نصا دينيا جديدا، او لنقل نصا يقارب قرينا له يمتد الي حقب قديمة، وهي ليست مقولة سياسية مقولبة في نص ادبي، بل ليست إصحاحاً تاريخياً حول ابوة المسيح المذكورة. انها لعبة احداث تنطلق من تخمين الي آخر وافتراض لم يؤكد الي آخر، ومن تقول غيبي انكب علي تمحيصه وامتحان صدقيته بحاثة لا يحصون من دون ان يتوصل احدهم الي الحقيقة القاطعة. الكاتب براون ركب الموجة ـ بعد عشرات البحوث ـ مستفيدا من تأويل النميمة التاريخية التي اطلقت ذات يوم، وظلت المخيلات تنسج حولها الاساطير وخلقت لعبا ومقتنيات ارادت ان تعقد الافتراء لتحيله الي واقعة تاريخية تمس ابن الناصرة. النتيجة ان وليد براون هز سوق القراءة في كل مكان معززا تجاريته بحملة اعلامية منظمة ذات خبث غير خفي يحوز علي ارقام مبيعات وصلت ارقاما فلكية وتحولت الي معجزة تجارية، إذ أوحي في متنها ان خلاصاته هي الاقرب الي الحقيقة، وما علينا سوي انتظار منقذين من رجال الفاتيكان كي يرسموا فوق اغلفتها تبريكاتهم.لا ريب ان قارئ شيفرة دافنشي سيسحر بتعقيد سرديتها والتباس شخصياتها الا ان الأهم من هذا، ان براون برع الي حد بعيد في صنعة الاثارة وبث الشكوك واشاعة الترقب. فان اردت قراءتها كنص بوليسي ذي متعة فهي كذلك، وان اردتها غوراً في تاريخ ديانة ورموزها فلك الحق فيها، وان استمتعت بها كفاتحة اولية لمعرفة سر ظل مغلقا لعهود وما زال، فهي لن تخيب ظنك. عليه يفهم هذا التهافت العالمي علي اقتنائها والذي أحالها الي اشهر عمل ادبي يغار منه جهابذة القرون المجيدة من كتاب الرواية.الشيفرة المعنية لعبة معقدة ابتكرها عَلَمُ النهضة الايطالية الرسام والمخترع ليوناردو دافنشي. مفتاحها كلمة سردية لا تفتح خفايا الا عبر انتظام حروفها علي عجلات دائرية صغيرة محكمة الصنع ومعقدة الطراز. داخلها وضع صاحب الموناليزا خارطة سحرية تقود الي مخبأ الكأس المقدسة التي يعتقد ان يسوع رشف آخر قطرات نبيذه منها، قبل الوشاية به علي يد يهوذا. هذا النبيذ هو السائل السحري الذي سيدمر الخارطة ان حاول احدهم اختصار فضوله وكسرها.تلك الكأس موجودة في لوحة العشاء الاخير الشهيرة. بيد ان الحكاية ليست في كينونة الكأس بل في موقع آخر من العمل: علي يمين يسوع هناك شخصية حالمة تجلس مائلة بحنو علي كتف حواري آخر يمكن للمتمعن ادراك ان التصاقهما غير محكم، وكأنها قطعت وتم لصقها في ذلك الموقع، الي ذلك فان سحنة الشخصية تقترب الي المرأة منها الي حواري المسيح المذكور، السر: انها مريم المجدلية وان اعدت توزيع الشخصيات ـ كما اوردها المخرج هاورد بحنكة الكمبيوتر في اقتباسه ـ ستجد انها مائلة علي كتف ابن الناصرة.. زوجها ووالد طفلتها!هذا هو العنصر الاساسي الذي لو اخذه المرء علي حدة، فان ما تبقي من الرواية هو استكمال مطول ومفبرك للمطاردات والبحث المضني عن الكنز المسيحي. وهو بالضبط ما يؤخذ علي الفيلم الذي تحول الي فصول متعاقبة تأخذنا من التباس الي أعقد ومن موقع كنسي الي ثان، نلهث خلف البطلين عالم الرموز روبرت لانغدون (النجم توم هانكس) وصوفي نيفود (الفرنسية اودري تاتو) وسعيهما (قل قدرهما) ان يقتربا من سر الأبوة الضائع، الأول مأخوذ بكونه اصبح متمكنا من فتح المغاليق اللغوية والرسوم ـ الرموز (وهو الاكاديمي البحت) والثانية مرعوبة من ماض لا تعرف كنهه، وارتباطها الملتبس مع جدها سونسييه القيم علي ادارة متحف اللوفر! والذي سيغتاله العصابي سيراس (البريطاني بول باتني) حينما اعترض طريقه الي لوحة دافنشي الشهيرة! في احد اجنحة المتحف الباريسي. قبل قتله سيرسم سونسييه علامات ويكتب اشارات تستلف صياغاتها من تعابير دينية متوارثة، ستمكن الثنائي لانغدون ـ نيفود من ادراك خطورة (وربما خطل) اللعبة برمتها. فالسير لي تيبنك (الممثل البريطاني ايان ماكيلان) النافذ والمخاتل الذي سيستخدمهما في الوصول الي الشيفرة، في سعي شخصي لامتلاك الكأس المقدسة وسرها، مدفوعا برعاية القطب الفاتيكاني الاب ارينغروسا (الممثل الفريد مولينا) الذي صنع بدوره قاتله سيلاس (يُذكر كثيرا بشخصية كوزمودو في احدب نوتردام !).بالطبع، كقدر تاريخي يكتب علي يد هوليوود ـ فان لانغدون سيفلت السر من بين يده ـ تحت تهديد سلاح تينك ـ ويسلمه الي صوفي علي اعتبار ان المؤشرات تثبت انها آخر ذرية السيد المسيح!! لكن هذه النبيهة ستؤكد له انها غير قادرة علي المشي فوق الماء ـ كما يسوع ـ وتردف قائلة: ربما سأنجح في قضية النبيذ الاحمر!! في ختام المطاف ـ وتحت علامات واشارات الأقدار ـ ستقود الحكاية لانغدون الي اللوفر ثانية ليقع علي مفتاح السر الثاني: رميم مريم المجدلية الذي اختفي بغموض نادر موجود تحت قدميه، وهو الواقف فوق قاعدة الهرم الزجاجي المقلوب وسط ساحة المتحف (الذي نعته المفتش الفرنسي بيزو ـ الممثل جان رينو ـ بانه خدش في وجه باريس!) ليسكب دمعة اسي علي رعونته التي كادت ان تخدش بدورها وجه حكاية الغموض المسيحية! (لا علاقة لهذه العجالة بسردها جميعها!).افلمة هوارد ذات صفة هوليوودية تستكمل مغامراته في عقل جميل و رجل الساندريلا . بناء درامي اعتمد بالكامل علي حرفية المونتاج الذي انجزه الثنائي دان هانلي ومايك هيل في تعاونهما السادس عشر مع المخرج هاورد! وابلغ ما فعلاه هو المزج المحنك للفصول التاريخية التي تبين عناصر السر وتراكمه التاريخي والديني، وهو ما يسرد علي لسان السير تينك موضحا اياه لصوفي (وريثة ذلك السر). فالآني المعاصر سيتداخل مع المشهديات الملحمية المقاربة لاشتغالات رسامي النهضة الايطالية، انها وسيلة ايضاح سينمائية بليغة وذات سحر فاتن. لقد قاد هذا الثنائي النص المعقد الذي كتبه اكيفا غود لزمان (في ثالث تعاون مع هاورد) الذي اكتفي بساعتين ونصف الساعة فقط في الساعات الاربع التي كان ينبغي تصوير شيفرة دافنشي فيها) الي مستويات تذاكت علي المطولات الحوارية والشروحات التي كان يجب ورودها علي لسان الشخصيات القليلة، فالمعضلة كانت واضحة ان الشريط ليس استكمالا للرواية، بل هو صورة تقريبية لحدثها المركزي، والبقية هي طعوم درامية من اثارة وايقاع لاهث يجعل المتفرج العادي مشوشاً ومضطربا الي حد بعيد، من دون ان يخسر متعته في سعيه لفك الرموز العصية التي سرعان ما يفكها هاورد ليغريه بأخري وهكذا.شخصيا وجدت الافلمة اقل قيمة فنية في الرواية، وبدا ان الاستعجال تحكم في الكثير من المقاطع ما انعكس علي اداء توم هانكس بالذات، اذ لم يقدم شيئا لافتا علي منوال فورست غامب او حتي في انقاذ الجندي رايان فتحول الي قارئ حوار رديء كما في المشهد الافتتاحي داخل قاعة المحاضرة ومشهد الباص اللندني من بين اخريات) اضافة الي غياب طلته امام الاداء اللامع للبريطاني ايان ماكيلان الذي سرق الثقل الاكبر.لنعترف: ان الشريط الهوليوودي ليس هو المهم في ظاهرة شيفرة دافنشي بل التجاري التي ستدور حوله، فكما فعلتها هوليوود مع سلاسل حروب نجم و ستارترك و الشخصيات اكس وغيرها في مجال التسليع، فان موسم الصيف الحالي سيشهد الكثير من الالعاب وبرامج الكمبيوتر والمقتنيات المتعلقة بفك تلك الشيفرة او اخريات تمزج ما بين الفضول الديني وحشرية المستهلك الحداثي الذي لا يمل من ركب موجات المغامرة حتي لو كانت حكاية افتراء واضحة المعالم. شريط هاورد سيستقطب جمهوراً حماسيا (مثلما ستستقطب هذه الايام الكنائس الخمس التي ظهرت في شريطه والتي تشهد إقبالاً سياحيا من نوع المحجات الدينية، كونها لم تكن علي خرائط معلوماتهم السابقة)، للوهلة الاولي، لكنه سريعا ما سيغيبه، فطالما شاعت حكايته القصيرة وسرها المتهافت، فان ضحكات النقاد والصحافيين التي هزت قاعة ديبوسيه في قصر السينما بالكروازيت وصفير استهجانهم بعد انتهاء الفيلم ستكونان علامتين اكيدتين علي فشل هاورد في ابتلاع لقمة دافنشي بسهولة، لم تسعفه فيها نجومية هانكس وتاتو، ولا فضائح المحاكم البريطانية التي تنظر في تهمة الانتحال التي يواجهها الكاتب دان براون علي يد زميلين له كتبا نصا توثيقيا حول تلك الشيفرة واسرارها التي كتب لها ان تظل في طي الكتمان.. ربما الي الابد!المخضرم البريطاني وأحد خوارج سينما كين لوتش يعود الي المسابقة الرسمية للمرة الثامنة علي التوالي، وفي ما يشبه الاستكمال غير المعلن لشريطه المسيس الارض والحرية (1995) الذي قارب فيه الكتائب العالمية خلال الحرب الاهلية الاسبانية، لكنه هذه المرة يترصد الاشكال الايرلندي ومعضلته الطائفية والمحازبات في جديده الريح التي هزت حقل الشعير وهو عنوان قصدي للشاعر روبرت ديور جويس (1830 ـ 1883) والتي ستغنيها احدي سيدات القرية النائية في رثاء شاب من الخلية العسكرية الاولي التي نظمت الجيش الجمهوري الايرلندي (قبل تشكل عصبة السياسة والذراع العسكرية IRA لاحقا) في عام 1920 الذي خاض حربا طويلة ضد الوجود البريطاني. يركز لوتش في عمله علي حكاية الشقيقين الطبيـب الشـــاب دامين (تمثيل غليان مورفي) الذي يمتاز بخطابيته السياسية المميزة وتدي (الممثل باتريك ديلاني) العنفي المزاج والثوري الذي يسعي بعجالة شخصية الي اطلاق شرارة الانتفاضة الاولي، وفيما يتخلي الاول عن مهنته وهو في بدايتها وينضم الي الخلية الصغيرة متحسبا خطواته في جعل نضال المجموعة كاستكمال لما فعله اجدادهم، يكون علي الثاني مهمة شحذ الهمم وتنظيم المقاتلين وقيادة اولي العمليات التي ستصطاد الجنود المحتلين بسهولة لم تكن متوقعة لهم.يوغل البريطانيون في الفتك بالمدنيين وتتصاعد ملامح المواجهات الدموية، في تزامن مع تعقد الحالة السياسية للوضع الايرلندي التي عملت لندن علي تفكيكها بحنكة ومداورة خبيثة، لتتحول وحدة النضال الشعبي الي اصطراع بين طرفين، الاول وجد ان اعلان الهدنة هي انتصار لحكمة العقل وتوكيد علي نجاح الحرب في اقناع البريطانيين في التباحث بشأن مستقبل البلاد، فيما اصر الآخرون (وهم لبنة الجيش الجمهوري) علي المضي في العمليات حتي اعلان التحرير الكامل.الشاب تدي سيناصر الطرف المهادن، وينخرط في الفيلق الاول لما سيكون عليه الجيش الايرلندي الرسمي، بينما يحافظ دامين علي تعهده الذي قطعه علي نفسه بمحاربة المحتل.وفي احدي العمليات الفاشلة للاستيلاء علي سلاح الثكنة التي يقودها الشقيق تدي يقع دامين في الاسر، ومع رفضه التعاون والكشف عن مكامن العصاة وقادتهم، سيكون علي الشقيقين ان يواجها قدرهما الاعمي: تدي يترأس فرقة الاعدام التي ستطلق الرصاصات القاتلة بأمرته وتخترق قلب اخيه دامين.في المشهد الختامي الدرامي يسلم تدي زوجة شقيقه شانيد قلادتها الاثيرة التي اهدتها الي زوجها قبل اعدامه، لتشاهدها بعد ضربه وطرده وهي تنهار متأوهة من وجع الغدر الذي به خطف الأخ روح أخيه.ومثلما فعل صاحب كيس (1970) و المفكرة الخفية (1995) و اغنية كلارا (1996) في شريطه الاسباني ، سيرتب جديده علي المنوال الدرامي التقليدي، ففي المشاهد الافتتاحية سنري تلك القلة من الشباب وهم يمارسون رياضتهم الشعبية (الشبيهة بالهوكي) قبل ان تكسر ايقاعها الحماسي هجمة الجنود البريطانيين، وفي كل مقطع جديد سنتابع التصعيد الذي سيستقطب ارادتي الشقيقين (التدريبات العسكرية البدائية، الهجمات الاولي، جلسات التعذيب اللاحقة) اللتين ستتحولان، بحسم، نحو الانتفاضة بعدما يشهدان اغتيال احد اشقائهما اليافعين داخل بيتهما الريفي. وللمزيد من المقاربة الواقعية بث المخرج لوتش فصولا مطولة من المحاورات والمساجلات الايديولوجية بين المقاتلين، والكيفية التي يجب ان تدار بها امور الحرب. وحافظ لوتش ايضا علي تجنب الوقوع بالمسلمات الجاهزة حول مفاهيم الخيانة والسعي الي القيادة الفردية، فهؤلاء الشباب تدفعهم وطنيتهم نحو الحرية التي تقودها عزائمهم الفلاحية، وليس حسهم المتحزب الذي لم يتشكل بعد. الريح التي هزت حقل الشعير يمزج التاريخ بالسياسية، ليعد عودة مجيدة لنوعية من السينما اختفت او بهتت في المشهدية السينمائية البريطانية، ويبدو ان لوتش هو آخر الكبار الذين يرفضون التخلي عن هذا المبدأ. ولا ريب ان الشريط سيحقق اثارة سياسية في بريطانيا عند عروضه الشعبية داخل البلاد، وسيثير الكثير من اللغط والمواجهات النقدية علي صفحات الجرائد والجلسات التلفزيونية.السياسة ليست خافية في شريط المخرج الصيني المميز لويي (ولد عام 1965 في شانغهاي) القصر الصيفي رغم ان حدوتته المركزية هي علاقة الحب العاصف الذي يغمر الشابين هونغ يو (اداء باهر من الممثلة الشابة لي هاو) ووي تساو (الممثل تزدونغ جو) اللذين يلتقيان في عام 1989 في حرم جامعة بكين. هي القادمة من عمق الريف، والمدفوعة بحماسة داخلية لالغاء فاقتها وعزلتها، وهو ابن المدينة العارف بكيفية اصطياد الفرص والايقاع بالفتيات. مشكلة هونغ انها تعاني من فشلها في عقلنة مشاعرها وخلقها الجنسي الذي سيقودها الي تنمر شخصي، يصل الي حدود الأذي القاسي لدواخلها، وهي هنا شبيهة بمادونا معاصرة، تكتم الامها وتقسو علي نفسها، رافضة مساعي الآخرين في مساعدتها وتجاوز ازماتها بمن فيهم حبيبها وي الذي ستقوده مشاكساتها الي قطع العلاقة والسفر الي المانيا حيث ينكب علي دراسته قبل عودته ثانية الي مسقط رأسه، والابتداء بمشروع تجاري (ادارته لمطبعة) يدر عليه ثراء سريعا. وكما يقال ان الحب الاول لا يمكن ان يموت. سيكون علي الشاب وي الاتصال بعشيقته ليصعق من التغيير الهائل الذي اصابها واحالها الي كائن مهزوم كثير الارتباكات والزلل. في مشهد الختام نشهد لقاءهما في غرفة فندق، لنتوقع جلسة حميمة تفجر المشاعر المكبوتة، الا ان الخسارة قد فعلت فعلها في عواطف الحبيبة لترفضه وتغادر دامعة العينين.هونغ ستقف وحيدة، معزولة، وغريبة علي قارعة الطريق فيما يقود وي سيارته الفارهة متجاوزا اياها من دون مشاعر تذكر.اين السياسة اذن؟ انها في المشاهد التوثيقية التاريخية التي تفهمنا الزمن السياسي الدولي، فمن احداث ساحة تيان آن يمين الدموية، الي سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي الي الزيارة التاريخية لزعيم الحزب الشيوعي الصيني الراحل دينغ زهاو بينغ الي المقاطعات الجنوبية التي اعلنت غلبة سياسة رأسمالية الدولة. قد تبدو هذه المقاطع مقحمة الي حد ما، الا انها تبويب درامي اضفي غلالة سياسية علي حكاية العشيقين من دون ان تؤثر عليها، فهما نتيجتان (كقناعتين ثقافيتين: البطلة تكتب رؤيتها عن حياتها في كتيبها الشخصي بينما الحبيب ينغمر في العمل السياسي المناهض لسطوة الحزب الأمر الذي سيدفعه الي الاغتراب) للخيارات السياسية التي تشهدها البلاد.كان من الطبيعي ان يكون حرم الجامعة (كرحم سياسية) هو الساحة المثالية للحكاية المثلومة المستقبل، فالمكان يعج بالمصادمات الشبابية وموارها المعقد، اضافة الي كثرة النزق الجسدي الذي سيقود الكثيرين الي جلسات الجنس وكأنه الحل الأوحد للهروب من الضنك الاجتماعي.ناقد سينمائي من العراق يقيم في لندن0