الحكومة الاقوي والاحسن في تاريخ العراق!

حجم الخط
0

الحكومة الاقوي والاحسن في تاريخ العراق!

هيفاء زنكنةالحكومة الاقوي والاحسن في تاريخ العراق!وصف رئيس الوزراء المنتهية ولايته الدكتور إبراهيم الجعفري حكومته بأنها الأقوي والأحسن في تأريخ الحكومات العراقية . وذلك في مؤتمر صحافي عقب جلسة مجلس الوزراء يوم 11 ايار (مايو) الماضي.وعلي الرغم من تعودنا علي سماع كافة انواع التصريحات والمفردات من قبل الجعفري في فترة حكمه الوجيزة كالمفاصل وواجبات الحاكم والشفافية والنزاهة والمرتكزات والامكانيات والواقع، الا انه نجح في تصريحه الاخير وبعد انتهاء ولايته من تحقيق فوز ساحق علي خصومه، خطابيا، وتفوق حتي علي نفسه، حين كان متمتعا بالولاية. ولنستوعب ما يقال لنا هذه الايام علينا اولا ان نفهم مفردة الواقع لانها الاهم بالنسبة الي مسؤولي الحكومات المتعاونة مع الاحتلال. حيث ابتلي المواطن منذ وصول المحتل ومعاونيه بمطالبته صباحا ومساء بان يكون واقعيا. وأن يرضي بكل ما يجري له لان السياسة هي فن الواقع الممكن. وصار كل من يتكلم او يكتب او يفكر خارج نطاق الواقع الممكن يوصف بلا تردد بانه ارهابي وقاعدي زرقاوي وتكفيري ومن بقايا نظام صدام وفي أحسن الاحوال قومجي عربي. فاكتسب مفهوم السياسة البراغماتي باعتباره فن الواقع الممكن مواصفات جديدة تتماشي مع العراق الجديد، أي قالبا كونكريتيا بحجم ثابت، سورا يحيط ويرتبط ممارسة وأخلاقا بموظفي المنطقة الخضراء. التعريف الثاني للواقع ينبع من صميم حياة المواطن اليومية. مما يجعلنا نقف متأملين ازاء واقع مختلف عن الاول، يعيشه المواطن خارج أسوار المنطقة الخضراء. واقعية ابناء المنطقة الخضراء تعني مناوشات وخصومات ومصافحات وقبلات وصلاة ومآدب المحاصصة الطائفية والعرقية علي هذا المنصب الوزاري او ذاك. واقعية ابناء المنطقة الخضراء تطالب المواطن المعتز بحضارته وتاريخه وهويته ان يتخلص من المبادئ والقيم الاخلاقية والثوابت وكل ما تربي عليه اجتماعيا وثقافيا وحضاريا وايضا كل مايربطه بالعالم الخارجي، لانه، حسب تعريف الواقع الممكن، عراقي مظلوم، يحمل الهم والشهادة والمظلومية منذ آلاف السنين. عليه ان يتذكر ذلك جيدا وأن يذكر الاخرين يوميا من خلال الطقوس والمواكب. عليه، ايضا، وهذا هو جوهر واقعية فن الممكن الحقيقي، غير المعلن، ان يرضي بالاحتلال العسكري والسياسي والاقتصادي من قبل كل من هب ودب من القوات علي تعدد جنسياتها وان يرشها بالزهور والحلويات وهي تقتل متي تشاء واينما تشاء وتداهم وتعتقل وتقصف وتحرق. وان يرحب بقوات المحتل وهي تحوله وافراد عائلته الي فئران مختبرية مجانية لاكبر تجارة في العالم وهي تجارة السلاح. ان واقعية ابناء المنطقة الخضراء تفرض علي المواطن ان يختار ما بين خنوع وخنوع. بين ان يرتدي معطف الليبرالي الجديد الملون أو العباءة لمن يتهدج صوته وهو يتحدث عن الخطوط الحمراء. ولابد ان نذكر بان بعض المواطنين قبلوا بالامر الواقع أيا كان تعريفه حفاظا علي النفس والاهل ودرءا للبلاء. قبلوا اجهاض الاحلام وقتل الامال علي الرغم من ادراكهم بانهم يستحقون واقعا أفضل. قالوا محاولين اقناع انفسهم بانها مصيبة ستنقضي كما انقضت مصائب النظام السابق. انتظروا ثلاث سنوات عجاف عسي ان تليها سنوات الخير. راقبوا تزوير شهادة ميلاد الاحتلال عدة مرات. تفرجوا علي تغيير اسمه من احتلال الي تحـــرير. تم منحه أبا شرعيا اطلقوا عليه اسم الحكومة الانتقالية ثم المؤقتة ثم رتبوا له الاقارب وابناء العشيرة باسماء الدستور المؤقت والمجلس الوطني واقاموا له اعراسا بنفسجيـــــة. وانتظـــــروا ولادة الموعود. التمتع بالامن والامان والاستقرارالموعود في الواقع الممكن. فلم يتحقق شيئا. بل مع كل يوم انتظار يزداد عدد الضحايا. يقتل احباؤنا بكل الطرق الوحشية المبتكرة والموروثة بينمــــا يتزايد جشع ابناء الواقع وخلافاتهم ومحاصصاتهم واغتيالات ميليشياتهم. انتظر الناس طويلا حتي بدأت الهمسات تصير اصواتا مسموعة. رمي الكتاب والصحافيون والاكاديميون غطاء الارهاب الثقافي والاتهامات الجاهزة وانضموا الي المواطن. اقتبسوا من التاريخ صرخة الضحايا وهم يقادون الي المقصلة. آه ايتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك. صاغوا الجملة لتناسب واقعهم فصارت: آه ايها الامر الواقع كم من الجرائم ترتكب باسمك. بعيدا عن واقع التضليل العام للحكومة الأقوي والأحسن في تاريخ الحكومات العراقية، انتقل المواطن بحثا عن واقعه. عن بعض المشاهد اليومية التي ينوء تحت كاهلها. ليتفحص، خاصة، مكانا بات حاضرا بقوة في حياته، في ظل الحكومة الاحسن، اما بشكل مباشر او غير مباشر. انه معهد الطب العدلي في بغداد الذي صار قدرا علي البغدادي زيارته بحثا عن جثة احد افراد عائلــــته او اقاربه او اصدقائه. انه مكان يثير الاشمئزاز لا بسبب الموت لان للميت، عادة، احترامه وتقديره. حيث تدعو الاديان، كل الاديان، والتقاليد والعادات الي اكرام الموتي وصيانة جثثهـــم الي حين الدفن باحترام. لكن معهد الطب العدلي يفتقر حتي الي ابسط شروط النظافة وتبقي الجثث مرمية فيه علي الارض لتتفسخ. والسبب؟ قلة الامكانات والعجز عن شراء الثلاجات الكافية وانقطاع التيار الكهربائي، حسب تصريح لمسؤول في وزارة الصحة. ويبدو ان في المعهد ثلاجتين أو ثلاث تعمل في الوقت الحالي، وهي لا تتسع لأعداد الجثث التي يتسلمها المعهد. وكما هو واضح فان وزارة الصحة لا تملك الميزانية الكافيــــة لشراء الثلاجات. مما يحيل زيارة المراجعين بحثا عن المفقوديــن الي كابوس من المشاهد البشعة والروائح الكريهة فتزداد مأساتهم مأساة. المكان الثاني هو مشرحة مستشفي اليرموك ببغداد حيث تكدست، مثلا، في يوم الثالث من أيار (مايو) 65 جثة اضافية، حسب تصريح مسؤول في المستشفي. واضاف ان كثيرا من الجثث التي تسلمتها المشرحة كانت مقطوعة الرؤوس. وتتوافد عشرات الاسر يوميا علي المشرحة للبحث عن افرادها المفقودين. لكن التعرف علي الجثث يكون مستحيلا في بعض الاحيان لشدة التشويه التي تعرضت له. ازاء هذا الواقع المرير يواجهنا سؤال يطرح نفسه وهو: لم لم تعقد حكومة الجعفري وهي الاحسن اجتماعا طارئا لتخصيص ميزانية لشراء بعض الثلاجات حفظا لكرامة الموتي وذويهم، علي الاقل، بعد ان عجزت عن المحافظة علي حياتهم؟ أليس هذا واحدا من اقل واجبات الحكومة تجاه المواطن ام ان اهانة كرامة المواطن لا تدخل ضمن تجاوزات الخطوط الحمراء؟ الا تستحق حكومة الجعفري ان يطلق عليها، بامتياز، لقب حكومة المشرحة والجثث والتعذيب؟ واذا لم يكن الجعفري وهو رئيس للوزراء والطالباني وهو رئيس للجمهورية وبقية الوزراء، مسؤولين عما يجري ويحدث من انتهاكات وجرائم في فترة حكمهم، فمن هو المسؤول اذن؟ واذا كان كل رئيس يحكم وترتكب في ظله ابشع الجرائم والمجازر كما حدث لعشرات المدن وآلاف الناس في ظل حكومة علاوي ومن ثم تحت حكم الجعفري يعود الي موقع المسؤولية السياسية، وفق المحاصصات، ويتشدق بان حكمه الاحسن والاقوي فمن الذي يقوم الشعب بمحاسبته قضائيا علي كل ما يجري من مذابح يومية؟ هل يحاسب قوات الاحتلال وهي التي مددت حكومتا علاوي والجعفري بقاءها؟ هل يحاسب الارهاب؟ كيف يحاسب الارهاب اذا كانت سلطات الاحتلال قد زرعته بانواعه في ارضنا بعد ان جلبت فسائله معها؟ هل هناك ما هو أقسي واشد وطأة علي النفس والروح والاحلام من هذه الاخبار والمشاهد المخيفة في العراق الجديد؟ أم ان الآتي أعظم؟ خاصة وان رئيس الوزراء المنتهية ولايته قد أعرب في نهاية مؤتمره الصحافي عن أمله في أن تكون الحكومة القادمة برئاسة رئيس الوزراء المكلف نوري المالكي أقوي من حكومته المنتهية ولايتها واكثر سيطرة علي الوضع في العراق! 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية