مضادات معرفية للشّعر!

حجم الخط
0

مضادات معرفية للشّعر!

خيري منصورمضادات معرفية للشّعر!قد يكون الشعر العربي غادر متردم القصيدة، لكنه لم يغادر متردمات عديدة واصلت نفوذها في الوعي وباطنه قرونا كما لو أنها مجرات تلاشت لكن ضوءها ما يزال مسافرا نحو الأرض، فالمديح لم يبدل غير الممدوح، وقصيدة المناسبة متعددة الأزواج والعشاق معا، لم تفك ارتباطها العضوي بالأم الجاهلية، لهذا اغتربت الحداثة قلبا وقالبا وعانت من حصار جعلها مرادفا للخيانة الوطنية، وكان علي من يقترفها في خمسينات القرن الماضي أن يجازف بما لا يطيق، من الاقصاء والنبذ كما لو كان بعيرا أجرب في القافلة المعافاة…ومن ورثوا عن أجدادهم خرافة وادي عبقر تسلحوا ضد تثقيف الذات والقصيدة بأمية ذات حمولة شاقة، وبدلا عن نقد الذات حصل العكس وهو عزل الشعر عن الثقافة لأنها تفسده، ما دام الالهام حكرا علي الشيطان الذكر لا الانثي حسب أدبيات جنسوية استبدت بالعقل، ولا نستغرب اقتران الثقافة كهاجس لدي شعراء الحداثة في العالم كله بالشعر، ما داموا قد قرروا خوض حرب ناعمة للتبشير بحساسية جدية وتحرير المتلقي من سطوة الذائقة الاتباعية التي حولت القطعنة الي ايديولوجيا، وحوّلت امتياز ما هو استثنائي الي عيب أو مثْلَبَة!ولدينا في مطالع هذه الالفية شعراء تلقحوا بأمصال عجيبة ضد تثقيف الذات، واختبار الوعي والرؤي، ما دامت الموهبة بمعناها البدائي هي الملاذ الحصين، والضمانة الأبدية لاجتراح المستحيل، وتحويل الغراب الي حمامة، والحجر الي سلحفاة!ہہہكان شعراء الرومانسية الانكليز، أول من أعاد للشعر اعتباره المعرفي، رغم أن أحدهم وهو كيتس قذف من أخبره بأن قوس قزح ليس سوي ظاهرة فيزيائية قابلة للتفكيك بالكأس الذي كان يشرب منه، ورغم أن الرومانسية تعلن قطيعة ما مع العلم بمعناه الدقيق، الا ان ثلاثة شعراء علي الأقل من اعلامها نظروا، وكتبوا نقدا ومقدمات تبشيرية بالتيار الذي كان يومئذ صادما وحديثا بالنسبة للموجة التي سبقته!وقد تكرر الشيء ذاته مع شعراء الحداثة في الربع الاول من القرن العشرين، بحيث يصعب الفصل علي سبيل المثال بين اليوت الشاعر واليوت الناقد، وكأنه هو الآخر مع بعض مجايليه كان يدافع عن حساسية جديدة، ويبرر الانقطاع عن الماضي، لهذا قوبلت قصيدته أغنية حب الي العاشق بروفروك بكثير من الاستنكار والاستهجان، وبلغت العدوي شعراء الحداثة العرب، الذين واجهوا بدورهم استنكارا واستخفافا من مؤسسات وشعراء ممهورين بأختام الدولة، لهذا نادرا ما نجد مجموعة شعرية لأحدهم لا تخلو من تقديم سواء كان بقلم الشاعر ذاته أو بقلم ناقد يؤازر التيار الحداثوي الذي ينتسب اليه…وقد ينفرد صلاح عبد الصبور بين الشعراء العرب الرواد بالدفاع عن حصة المعرفة في مشروع الشاعر، وان كان عبد الصبور قد ورط نفسه أحيانا بعناقيد من الافكار والمعارف التي عانت قصائده من سوء هضم فني وتمثل لها… لكن سرعان ما عادت الأجيال التي ورثت تلك الحملوة إلي احتياطها التقليدي وهو وادي عبقر وسائر المفردات والمصطلحات التي تقدم الشعر مكتفيا بذاته ومنقطعا عن الثقافة لأنها تفسده، وبرزت أمثلة عديدة جسدت ما سمي الثقافة الشفاهية، والعناوين المتداولة في المقاهي وعلي أغلفة الكتب، وقرأنا مئات النصوص المطلية بمفردات عارية من معجم الصوفيين، مثلما قرأنا نصوصا لا حصر لها يجاهد أصحابها كي لا يقولوا شيئا، عملا بنصيحة مجهولة المصدر الحقيقي رغم كثرة من تنسب اليهم وهي ان الشعر يجب أن يكون مجرد اصوات ، وان غموضه الفحمي لا الماسي شرط حداثته، وكان من أول نتائج هذه اللعبة انصراف القراء عن الشعراء الا نادرا، وانصراف الشعراء انفسهم عن الشعر أيضا، لأنهم ارتطموا بجدار!وما من جهة تتحمل مسؤولية هذه الفوضي كالنقد، فهو اما أكاديمي مستغرق في شجون صغري تتعلق بالترقيات واستكمال نصاب الاستاذية، او محترف مداجاة، وغير مغامر، ويفضل ان يسلك طرقا مطروقة لأنه يؤثر السلامة ويخاف من المجازفة غير المأمونة العاقبة.ولا نستغرب مثلا ما يقوله أهم الشعراء العرب المعاصرين عن عدم انتفاعهم بالنقد، ونادرا ما نسمع من أحدهم انه قرأ نقدا أعانه او دفعه الي مراجعة نصوصه، بحيث أصبح بعض هؤلاء الشعراء يشكون من الاطراء المجاني وتدليك العواطف.ہہہلو شئنا الخروج من هذا التعميم قليلا، فإن ما نشاهده ونسمعه من بعض الشعراء الاكثر ادعاء بالحداثة يصيبنا بما هو أكثر من الدهشة، فهم يعيشون في كوكب آخر، كائناته قاموسية وعشبه حبر أخضر، ونساؤه أشباح وبلا أسماء او صفات، وقد يبدو التعالي المفتعل عن السياسة بمعناها الحدثي وبكل ما تضغط به علي الأنوف أشبه بانتحار بسكين مذهبة او الشنق بخيط من حرير، ولا يخطر ببال المتعالين عن الشروط التي تحاصرهم ان السياسة تحدد منسوب حليب أطفالهم، ومدي القدرة التي يستطيعون تحقيقها تعبيرا عن حلم المغامرة بالسفر والتجوال الحر!ولو قام صحفي ذو فضول بتقديم استطلاع عن مكتبات اكثر الشعراء لوجد أنها تخلو من أهم منجزات العلوم، والفلسفة، والمعرفة علي اختلاف حقولها، فالثقافة تنحصر في نطاق أدبي محض، لأن موعظة أبناء عبقر لأحفاده هي عدم افساد الإبداع بالمعرفة، لأن هذا يشبه خلط حليب الناقة بالماء!!!!وحين يتاح لي ان أشارك في لقاءين مُتزامنين أحدهما شعري والآخر معرفي، أكاد أن أنشطر الي جيكل وهايد، وتهددني شيزوفرينيا لا أبرأ منها الا بمغادرة أحد اللقاءين… لأن الشعراء أراحوا أنفسهم من شر السياسة والاقتصاد وكل ما يعصف بهم وبما حولهم من احداث جسام، واستغرقوا في لعبة مجانية ومنهم من تحولوا الي صيادين في أزقة أضيق من ذلك الزقاق الذي تحدث عنه الراحل جبرا في روايته صيادون في شارع ضيق .وثمة مفارقات لا أظن انها تحدث في مكان آخر من العالم، منها أن الشاعر العربي يخشي علي لقبه كشاعر من الاشتباك مع ألقاب أخري اذا اشتغل في الثقافة، وكتب في غير الشعر لكن علي مقربة منه وربما تخومه….وحين يفرط الشاعر في الحرص علي لقبه يكون قد ودع آخر هاجس بريء وسؤال إبداعي يبحث عن تلبية حقيقية وليست علي سبيل الحفاظ علي الصفة او إدامة الانتساب الي النادي!ولولا خشيتي من التكرار لرويت للمرة الالف تلك الحكاية التي اوردها ستيفن سبندر عن شاعرة أدارت ظهرها للواقع والسياسة ولحرب زمانها فدفعت الثمن مضاعفا.لقد ورث شعراء الغرب خرافة مماثلة عن قمة الاولمب لكنهم تحرروا منها، وترجلوا الي القيعان واشتبكوا مع كل تفاصيل النهار وكتبوا في السياسة وعلم النفس واحيانا في الاقتصاد الثقافي، لكن ورثة وادي عبقر فعلوا العكس، فصعدوا بدلا من أن يترجلوا الي مرتفعات شاهقة ووهمية تحول الواقع تحتهم الي مصغرات توشك ان تكون غير مرئية بالعين المجردة.والامية قدر تعلقها بالشاعر أخطر باضعاف من مثيلاتها لدي سواه، لأنه يعتقد بأنه يمتلك ما يعوضه عن المعرفة، وقد يتقمص قراءات لا تخص تجربته من قريب او بعيد.وأذكر انني تحاورت مع شاعر مزهو بأميته، ففوجئت بأنه يردد كالببغاء عبارة سمعها من أحد زملائه في المقهي، وهي ان شعرية ريلكة كانت مصدر الهام للفلاسفة وليس العكس، عندئذ اكتفيت بالقول ان من يحدثني ليس ريلكة علي الاطلاق، كما انني لا أعرف فيلسوفا استلهمه.ان سهولة التقمص هي الصورة الحديثة لما كان يسميه اسلافنا الانتحال، ولدينا الآن من فائض المقولات المتداولة شفاهيا في المقاهي وأروقة الصحف ما يكفي للدفاع عن سيقان الأفعي وأجنحة السلاحف!!ہہہان من أطلقوا علي المعري لقب فيلسوف الشعراء كان عليهم ان يطلقوا علي آخر مضاد له اسم شاعر الفلاسفة، وهذا بحد ذاته يفتضح ذهنية تقيم عازلا جذريا بين العقل والقلب، لكأن العقل بلا عاطفة والقلب لا يفكر!والمضادات المعرفية للشعر، وجدت تيارات تتبناها، من أجل الذهاب بالغنائية الأفقية الي أقصاها، مما أتاح للنقد المدرسي أن يحدد خانات لتصنيف الشعر، وفقا لمناسباته وما سمي أغراضه وليس وفقا لجوهره وتجلياته، وسيبقي الفارق هائلا وجذريا بين شعرية عزلاء من المعرفة وأخري ملقحة بالوعي ومشحونة برؤي لا تقيم فاصلا بين العناصر، فالشعر له فيزياؤه أيضا، لكن الاصرار علي نفيه نحو عوالم هلامية، وأخيلة هذيانية بلا نسق أو نظام بنائي هو المعادل العصري لوادي عبقر وشياطينه المذكرة والمؤنثة علي حد السواء!!!!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية