سواقي الحنين
عزت القمحاوي سواقي الحنينلو كان الأمر بيدي لاستنسخت ملايين النسخ من إنعام كجه جي، فليس من سبيل إلي إعادة السلام إلي العراق بأقل من الحب الذي تكنه هذه الكردية العربية السنية الشيعية الصابئية لبشر وحجر ونخيل وضباع وهوام أرض الرافدين. وليس أقل من الإيمان الحقيقي بالاختلاف واحترام التعدد الذي تؤمن به إنعام يصلح ما أفسده طغاة العراق وطغاة أمريكا وطغاة أهل الكهف الذين قرروا أن يحرروا العراق من أبنائه قبل أن يتحرر من قوات الاحتلال.وإنعام التي عرفناها كاتبة صحافية تتألق جملتها ذكاء وإشراقاً تفيض سواقي الدمع في عينيها كلما جاء ذكر للعراق، وقد فاض حنينها إلي بلاد الرافدين رواية، في نوع من العودة إلي الوطن عبر اللغة. واللغة هي أول ما يلفت الانتباه في رواية إنعام سواقي القلوب لتبطل نظرية التهشيم التي خلقت مبرراً للمجترئين علي الكتابة ممن لايحسنون استخدام اللغة؛ أداتهم الأساسية، حتي تحولت الأخطاء النحوية والإملائية من عار إلي بطولة ونجاح في تحطيم سلطة اللغة وطغيانها، ولست أدري لماذا لايهشم الرسامون فرشاتهم الرقيقة أو يهجرونها إلي المقشات لتحطيم سلطة أداتهم العتيدة؟!تبدأ إنعام روايتها بتساؤل يختطف القاريء منذ البداية: أي أحمق، جلف القلب، ذاك الذي قرر أن الرجال لايبكون؟ امضيت زهرة سنوات عمري وأنا أنتظر هذا الإياب وأرسم له، علي صفحة الغيب، مئات الرؤي السعيدة، دون أن يكون بينها الصورة القاتمة التي أراها الآن . لم أكن أعرف أن هذه المقولة المصرية عن عدم بكاء الرجال تجوز أيضاً في العراق، فما أعرفه أن العراقيين يبكون، خصوصاً في حالات استعصاء الغرام. ربما كانت العبارة قادمة من زمان لم يكن فيه الألم إلي الحد الذي صار عليه في سنوات البؤس الأخيرة. علي كل نجد أنفسنا في هذا المفتتح أمام سيارة أجرة بمنفذ الرويشد تقل الراوي المذكر وكاشانية خاتون وعلي سقف السيارة يستريح تابوت سارة التي سنعرف لاحقاً أنها خرجت من العراق حية باسم ساري الشاب المخنث ابن الحبيبة السابقة للراوي، وقد سافر إلي باريس لإجراء جراحة تغيير النوع بقرار من القائد، لكنه لايحصل علي أنوثته إلا ليسلبوا منه حياته، لرفضه التجسس علي المنفيين، وينتهي في تابوت يتلكأ الوطن في استقباله، ربما لأنه أكثر رجولة من النظام الذي حاول تجنيده!الراوي الذي صدمه علي الحدود التحرش المهين لضابط جوازات شاب بدافع الحسد (لأنه أمضي في الخارج أحلي سنوات عمره التي هي أتعس السنوات بالنسبة لأمثاله) بدأ في مخيلته شريط المنفي ربما ليريه وسام الآلام المعلق علي مؤخرة مهترئة من كثرة ما تمسحت بأرصفة مدن غريبة. لكن الضابط الضابط ذو القميص الخاكي والذقن النابتة لم يكن قادراً علي تصور آلام العيش علي الهامش في أوطان ليست لهم دون أن يكونوا بعيدين عن رعب النظام الذي امتدت أياديه الإخطبوطية لتصل معارضيه في الخارج من خلال العملاء المدسوسين بينهم، حتي لم يعد المنفي كافياً كحصانة ضد الخوف، فكان من الضروري أن ينفي المنفي وتنفي المنفية مرة أخري في أسماء لاتخصهم وليس لهم معها أية ذكريات. وإذا كانت الأسماء الحركية لم تحقق النجاح الكافي في تحقيق الحماية لأصحابها، فلربما نجحت في إخفاء الأصول الواقعية للشخصيات والابتعاد بالرواية عن فن السيرة، وهو فن معتبر آخر، لكن غير المعتبر هو السهولة التي تنسال بها السيرة في عديد من الأعمال الروائية العربية التي تصدر تحت شارة الرواية. وفي سواقي الوقت تحضر بعض الشخصيات الواقعية، لكنه حضور عابر مثل جبرا إبراهيم جبرا، الذي لفت نظر الراوي أثناء زيارة له في باريس إلي تميز سراب، أو روز التي هجر الراوي صديقته الفرنسية لأجلها. كما يحضر طه حسين وفائق حسن، كعلمين كان لكل منهما سوزانه الفرنسية التي آمنت به وقادت خطاه في المدينة الكبيرة مما أصبح قانوناً لاغتراب العربي في مدينة النور؛ إذ يبحث كل طير مهيض عن سوزانه، أو الجناح الأنثوي الذي يحلق به في سماء الغربة استمر بعد ذلك معها أو هجرها إلي مهاجرة من وطنه بينهما لغة وأماكن وأزمان مشتركة يحنان إليها.وليست هذه الزاوية مكاناً للقراءة النقدية، لأتوقف أمام بناء الشخصيات ومعمار الرواية التي تحققت علي صفحاتها رحابة إنعام الفكرية، فبدت ساحتها متسعاً للبعثي والشيوعي والمتعالي علي الإيديولوجيا والمفتقد لها، يتجمعون معاً في شقة كاشانية خاتون العراقية حتي النخاع وإن بالتبني، دون أن تكون متأكدة من والدها الطبيعي، حيث ولدت في الموصل بعد فرار أمها واختها الكبري من مذابح الأرمن، ولا تعرف إن كانت إبنة أمها وأبيها فعلاً أم ثمرة اغتصاب أختها في طريق الفرار وتمت نسبتها للأم درءاً للفضيحة! كما لم يخل القنصل ابن النظام الفظ من لمسة وفاء لخصم النظام، صديق صباه القديم، مما ابتعد بالشخصيات عن التنميط الذي يقع فيه معظم القادمين إلي الرواية من السياسة. والمهم الذي تحقق في رواية سواقي القلوب فيما أري هو متعة القراءة وهو أهم معايير النجاح في هذا الفن الذي قاربته إنعام للمرة الأولي برهافة شديدة.لم تلعب إنعام لعبة الأشرار والأخيار ولم تخل روايتها من سخرية لذيذة خاصة ونحن نقرأ القرار المهيب للقائد المهيب: الشهداء أكرم منا جميعاً.. تحية الصمود والنضال، اما بعد فقد تفضل السيد الرئيس، حفظه الله، وأوعز بعلاج السيد ساري نايف محمود علي نفقة الدولة، في باريس، من مضاعفات حالة ازدواج الجنس التي يعاني منها منذ البلوغ.. الخ . وقد كلف تخليص ساري من حالة ازدواج الجنس خزانة الدولة العراقية مليون فرنك، بينما كلفت الذكورة المدعاة للنظام عشرات الآلاف من الشهداء، وإفقار بلد ثري واحتلاله.0