إبنة النهر الجليل: أنا لست جميلا
حسين سليمانإبنة النهر الجليل: أنا لست جميلاالأغاني الحلبية التي تدور علي مهل مثل نواعير حماة تغفل الزمن، فلا ترفع المياه ذلك لأنها لا تروي. كأن موشح اسق العطاش لا قيمة له. وقفن علي المسرح يرقصن السماح وهنّ في الأعالي خشب وشجر لا سماء لها. ليس هناك شيء، بل أحلام نأخذها معنا الي النوم. أحلام الماسنجر المعطل الذي جاءنا متأخرا ذلك كي يؤكد مرة أخري فكرة ابن عربي عن الحروف التي هي أرواح. هكذا نمت صورة حروفك يا ابنة النهر. يقول المتأخرون أنها حروف افتراضية. لكنها كيان كامل يرقد في خيالي، وما أعطاني الله من خيال فهو للحروف وللمبادرة الالهية التي أمسكتك مرة وعلي حين غرة جعلتك تقولين: أيها الجميل النادر، حين تزوجتُ جاءتني عراضة يقودها ديك ومعه دجاجاته، ووقفوا أمام باب المنزل. وتعيدين القول: أيها الجميل النادر! وأنت لا تعرفين لماذا أنا جميل، وكيف أصبحت جميلا ونادرا. وتتابعين القصة: أيها الجميل، كان الديك يلبس الكاوبوي ويستعير مسدسا خرافيا كي يصوبه نحو القلب. فأقول لكِ: نسيت أن تقولي أن السيجار كان بين شفتيه. والقضية كانت من أجل حفنة دولارات، هكذا ينبني الحب الذي صوروه في هوليوود، وعلي أننا لا نعرف أين موضع القلب، ولا يدري أين هو الهدف الصحيح فيصوب نحو الطاقية التي تطير بالدفع والهواء والصوت. وأنتِ تعرفين حين تمر الرصاصة في الفيلم كيف يصدر عنها الأزيز: كنا نقلده ونحن صغارا نيييووو هكذا هو الأزيز في قلبي لأنه قد حرك مصدر الوجود، وكان الصراع علي الذهب أساس بناء الولايات المتحدة، وهناك شاهد: كاليفورنيا مثلا التي مناجمها العملاقة ألهمت عبد الرحمن منيف في الكتابة عن مدن الملح. عندهم ذهب وعندنا ملح!اليوم جئت من مدينة نيو أورليانز ـ لويزيانا التي أغرقها اعصار كاترينا السنة الفائتة.لقد عمروا المدينة ـ تصوري! فالأمريكي sun of a gun يعرف ماهية الزمن. يسألون لماذا كل هذه الشوشرة علي رسوم الكاريكاتير؟ فأجيبهم: ثقافة الشرق وأنتم لا تفهمونها. ثقافة لا زمن فيها ونواعيرها لا ترفع المياه التي تروي. لهذا تقف المنشدات عاريات ترفع الأذرع نحو السماء: اسق العطاش تكرما. وصوت الموسيقي وصوت الشابات… كان هناك وقت حيث الأساطير السومرية الفينيقية تعوم وتتوارد نحو البحر كي تسكب الملح فيه. أنتِ، وراء هذا العصر!كل يوم مع واحد، وكل يوم مع شاعر. لسبب بسيط، أنت ملهمة الشعراء الذين فرغت جعبتهم منذ عشرين عاما. هكذا انتبهتِ الي الفراغ الذي يدور فيه أدبنا وشعرنا. وأنت بعيدة وحالة البعد قاتلة. والقلب علي فراق الحبيب…. أي حبيب؟! عرق هذيان وشيء من نساء… .. كيف هو الحب معك هذه الأيام؟ حين يكون الحب نقوشا علي جدران زينة- تلبسين في معصمك الأساور الخضراء الأساور الخضراء هو الفيلم الهندي، هل تتذكرينه؟ جاءنا الي القامشلي وعرضوه في سينما حداد أكثر من شهر. والنساء راحت تسأل أزواجهن: دخيل الله تا نروح يا هو علي الفيلم، بيقولوا الحبيبة فقيرة وهو غني وكان سيتزوج أخري مثله غنية لولا أنها وقفت في حفل الزفاف تغني الأغنية الهندية التي رق لها الحبيب: خمرة الحب أسقنيها. ثم راحت تميل عليه وتقول له ليه! وأهل حلب بالذات في عام 1920 يعرفون معني هذه الأغنية. فافتحي المسجلة علي صباح فخري وشوفي. الموسيقي الحلبية لا يعرفها الناس البعيدون. موسيقي ثقيلة، مارش من مئات الجنود الذين أودعوا قلوبهم في صدور حبيباتهم وذهبوا ينشدون: نحن مشينا علي الحرب. وهم يعلمون أن النار القادمة ستضيع القلوب، النار القادمة لن تقتلهم فقط بل ستقتل أمهاتهم أيضا. الأم الحبيبة المحبوبة ولا بنت مثلها في أوج الدنيا. حين أعود بعد خمسة وعشرين عاما بخفي حنين، وفارغ الوفاض، ومن دون حبيبة، وكنت قد قطعت عرض البحر وطوله، أقف عند النافذة وأقرأ من دفتر الحب: لا مناص فرائحة اللوز المر كانت تذكره بمصير الغراميات غير المواتية. فتقفز الأخت قائلة: هذا حسين! فيرتعش جسد أرسولا وهي في المطبخ وتقف، لا تقف، لا تعرف كيف تتصرف، تقف كتمثال، تفتح فاها، والسكين في يدها، ثم تصرخ كعادة نسوة اللاتين: لقد عاد ابننا يا بوينديا، هيا نحتفل بقدومه. فتقدم لي الطعام وتضع آنية تحت قدمي لتغسلهما. لكن الكولونيل المتقاعد الذي أسهم في جراحاته يقول: لا تكبري الأمور يا امرأة، قلت لك ألف مرة لا تدلليه ذلك كي يصبح رجلا بالمعني الصحيح للكلمة. لقد ضيعتِ ابننا وصنعت منه امرأة! فيا ابنة النهر، هذا أنا وكما سمعتِ للتو، لست جميلا ولا نادرا ولكنني كما يقول ضباط البحر والبر: لقد صنعت الأم مني امرأة وعلي طينتها. وأنا لذلك جميل في عينيك. لكن الأم لن تؤمن بهذا الكلام: فابننا يا كولونيل هو كمثل حوت هرمان ملفيل أو كمثل مارسيل بروست الذي لم يقطع الحبل السري يوما. كاتب من سورية يقيم في امريكا0