الخمر والجهل والبطالة سبب الكوارث الاجتماعية

حجم الخط
0

الخمر والجهل والبطالة سبب الكوارث الاجتماعية

حكاية نساء يتعرضن للعنف الأسري بالمغربالخمر والجهل والبطالة سبب الكوارث الاجتماعيةمراكش ـ القدس العربي من عبد الغني بلوط:فاطمة سيدة في مقتبل العمر، لم تدخل مدرسة قط، مقطوعة من شجرة كما يقال، لا ولي ولا أخ، زوجة وام لبنتين، صادفتها في المحكمة وهي زرقاء الوجه، لا تكاد تري من ملامحها غير أنفها الطويل الدقيق، عينان منتفختان يعلوهما السواد وشفتان يميل لوزنها الي اللون البني الغامق وجهها استحال الي ما يشبه كرة مستطيلة، تأخذ بيدها اليمني ظرفا أصفر علمنا أنه شكاية لوكيل الملك، وفي اليد الاخري تجر بنتها ذات الثلاث سنوات وتصاحبها سيدة أخري، تدخل المحكمة لاول مرة في حياتها لم تكن تعرف مكانها بالرغم من ان محل سكناها في المدينة القديمة لا يبعد عنها بغير عشر دقائق عبر سيارة أجرة.حكايتها مع الخمر طويلة، ابتلي زوجها بابتلاع كؤوس حتي يكاد عقله يطير، هذه المرة في أواسط الشهر الجاري خطر بباله ان يفعل شيئا لم يجربه من قبل، ضرب زوجته فاطمة حتي آخر رمق.بدت فاطمة في المحكمة كبدوية في مدينة عصرية، لا تعرف من أين تأتي، حين سألناها عن الذي فعل بها هذا، كانت قريبة للاجهاش بالبكاء، كانت مرافقتها تحاول التخفيف من آلامها حثها علي الصبر، غريب أمر هذه السيدة المؤمنة، فاطمة كانت مستعدة لان تسامح أب بناتها، لانها بنت الناس هذه ولن تنسي الايام الجميلة التي قضتها في عش الزوجية، كانت تمني نفسها بأن يهدي الله زوجها ويرجع الي جادة الصواب، كانت مستعدة لان تتلقي اشارة لطيفة منه لكي تسامحه علي فعلته الشنعاء.بعد أيام قليلة من ضربه المبرح لها اتصل بها عند الجيران حيث كانت تبيت مخافة ان يتكرر اعتداؤه عليها، ناداها بأحب الاسماء اليها ولاطفها وقال فيها كلام حب جميل، بفطرتها السليمة أو بعقلها الساذج هي لا تدري من غلبها في تلك للحظة، اختلت به في غرفة الزوجية وكادت أن تبوح له بأكثر من اعتذار ان هي ضايقته في شيء حتي يقدم علي فعلته تلك، غلبت عليها مشاعر الامومة والزوجة الصالحة، لكنها فوجئت به يأخذ احدي قنينات الخمر ويضربها كما تضرب الحمير العاصية، ضربات متتالية متعددة علي رأسها كادت أن يغمي عليها لولا أن تدخل أحد أقاربه الذي جاء الي المنزل قدرا لينقذها من موت شبه محقق.سمع الجيران بقصة فاطمة، وتعالت الاصوات بالتنديد بهذه الجريمة النكراء، وفيما كان صوت داخلي يهمس لها بالعفو والصفح مخافة تشرد بناتها وحاجتهم الي صدر اب مهما بلغت عيوبه، كانت اصوات اخري تقول انها ان لم تفعل شيئا هذه المرة فان ذلك سيجعله يتجرأ علي تكرار فعلته وربما وصل به الامر الي ما لا تحمد عقباه، ذلك أن الخمرة كلما حسا منها حسوة، تلعب بعقله كما القطة بخيط الجدة المتروك في بهو البيت.لم تستطع احدي صديقاتها أن تراها هكذا مكسورة الخاطر، مكسورة العظام في الظهر والحوض، قادتها الي المحكمة ووضعت شكوي معززة بصورة شمسية لوجهها، وشهادة طبية تؤكد عجزها لمدة 25 يوما، بل وجرتها جرا الي منظمة حقوقية بباب دكالة لتحكي اليهم قصتها، وهي أيضا ستجرها الي جمعية تعني بشؤون الطفل والمرأة وخاصة اللواتي يتعرضـــن للضرب.الناظر الي صورتها الجديدة سيقول انها سيدة في الاربعين، لكنها عير ذلك فخلال دقائق معدودة تضاعف عمرها، وانقطع رزقها أيام معدودة الي الآن وهي مقيمة في بيت الجيران، تقول فاطمة أصبحت أكره الصباح وأكره الاستيقاظ ولو كان الامر بيدي لنمت الي آخر الدهر، ولولا تلك الافواه الجائعة التي تنتظر مني أكلا ولبسا ومشطا وعناية، تعني بنتيها، لكان موتي أحسن من حياتي، لم يقل لي سببا لضربي غير قوله بأني مقطوعة من شجرة بدون أخ ولا أخت يحميني أو أسرة تأويني، فتجرأ علـــي وهتك عرضي وجسدي ونفسي، كلمــــات تقولها فاطمة والحسرة والدموع، تخرج من فمها وكأنها خريجة بنت متعلمة لكن مدرسة الحياة تعلم الانسان أكثر، والآلام تنطق المرء بما لا يستطيع اللسان أن يقوله في حلة ارتخاء ونخوة.فاطمة لم تسمع أبدا بالخط للنساء ضحايا العنف، وتساءلت وهي تلتفت الي جنبها كيف يمكن الاتصال بهم، كيف وكيف.. قالت فاطمة لو كنت من عائلة محترمة لما تعرضت لما تعرضت اليه، بنات العائلات المحترمات لا يتعرضن لمثل هذه التصرفات الوحشية، لكن صاحبتها قاطعتها وهي تحاول أن تهدئ من روعها وتحكي لها عما جري للسيدة خديجة وهي بنت عم زوجها وأمها تعمل بوزارة العدل وابوها موظف مرموق، كان كلما رشقت له يستجمع قواه ليلقنها علقة لا تنساها أبدا، كان يفعل ذلك حتي بعد أن أمضي التزاما بعدم التعرض لها وهي في بيته، فعلها أيضا وهو طليقها، وكلما كانت مشكلة للاولاد في المدرسة، علق عليها كل المصائب الذي تجري لهم، وعنف القول قبل الفعل. حين علمنا بوجود لجنة تنسيقية من بعض أعضاء الشرطة وأعضاء مركز تابع لجمعية مدنية من اجل التحسيس بوجود خلايا بالمحاكم ، سالنا عنها فلم نجدها، ومثل فاطمة لا تعرف عن هذه المراكز شيئا، وبالرغم من انها قضت كل يومها بالمحكمة الابتدائية بمراكش وآثار الضرب واضحة للعيان، لكنها قالت انها ستدق باب احدي الجمعيات المهتمة علها تجد سندا قانونيا ودعما نفسيا ما تكسر بداخلها.حين سألنها عن ظروف معيشتها وعن زوجها، قالت زوجي رشيد كان معايا مزيان حتي جلس من الخدمة وبدا يعطيها للسكرا ، الزوج رشيد كان يعمل سائقا قبل طرده، ومن غريب الصدف ذلك ان دراسة ميدانية أنجزتها الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة ومركز الاعلام والرصد للنساء المغربيات أفادت ان الحالة الاجتماعية لممارسي العنف ضد المرأة هم مـــــن يزاولون منهم أنشطة غير مهيكلة يمثلون ما بين 10 و12.2 في المئة، ومن أبرز المهن التي يزاولها ممارسو العنف ضد المرأة حسب نتائج الدراسة مهنة السياقة.لكن تقريرا آخر يقول ان الاطباء والمهندسين والمحامين يتقدمون علي رجال الشرطة والجنود والدرك في لائحة الرجال الاكثر عنفاً ضد الزوجات وأضاف التقرير ان العنف ضد المرأة في المغرب لا يفرق بين ربات البيوت والمهندسات والطبيبات وصاحبات المقام الرفيع .من الصدف ايضا ان رشيد اجتمعت فيه كل المشكلات الاجتماعية والازمات الاخلاقية التي تعاني منها بعض الشعوب والمجتمعات العربية، مثل مشكلة الامية الهجائية والثقافية والدينية والفكرية، وتعاطي المخدرات والمسكرات، والبطالة، ومشكلات الشباب، وغيرها من مظاهر التخلف. وهي الاسباب التي تؤدي حسب الخبراء الي العنف الاسري.حين تركنا فاطمة لحال سبيلها، كانت مسامير اسئلة ملحاحة حول العنف الاسري تدق رؤوسنا نحاول ان نبحث لها عن حلول، حين اتصلنا بمحامين ودعاة ونشطاء حقوقيين، قالوا ان فاطمة ليست حالة شاذة، فالعنف ضد النساء والفتيات هو مشكلة عالمية ذات ابعاد وبائية، وتكلفتها الانسانية عادة ما تظل غير مرئية.قالوا ايضا ان الحياة في زحام المدينة واشتداد المنافسة علي فرص العمل وازدياد الاستهلاك مع ضعف الموارد وانخفاض الدخل وتراكم الديون علي الافراد وعجزهم عن تلبية متطلباتهم الاساسية وضعف الروابط الاسرية، كلها مجتمعة تعد المنبع الذي ينبع منه نهر العنف الاسري.قالوا ايضا ان من حسن فاطمة انها تعيش وسط حي شعبي ما تزال الروابط الاجتماعية وحب الخير قوية، ولولا ذلك لكانت عرضة للشارع وربما للبغاء والدعارة، قالوا أيضا ان حل مشاكل البطالة وتقوية الثقافة الدينية والفكرية والحقوقية والحفاظ علي الروابط الاجتماعية من شأنه أن يحد من الظاهرة او يخفف من آلامها حين حدوثها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية